تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ولاية ناصر الدولة امرة الأمراء بالعراق

كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن البريدي لما ملك بغداد، وهرب المتقى لله إلى الموصل، ومعه أمير الأمراء أبو بكر بن رائق، واستنجد بناصر الدولة، فقتل ناصر الدولة ابن رائق في شهر رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية، فرد المتقى لله تدبير الدولة إلى ناصر الدولة وساروا جميعا إلى بغداد ومع ناصر الدولة أخوه سيف الدولة، فانهزم البريديون من بين يديه، وتولى ناصر الدولة إمرة الأمراء، ونعته المتقى بهذا النعت، ونعت أخاه: سيف الدولة، وخلع عليهما. وذلك في شوال

سنة ثلاثين وثلاثمائة، وزوج المتقى لله ولده أبا منصور بابنة ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة السكة عيادا لم يضرب قبله مثله إلا السندى، وزاد على نقش السكة محمد رسول الله ﷺ وهو أول من فعل ذلك، وأقام ببغداد ثلاثة عشر شهرا، ثم اجتمعت الأتراك، وقدّموا عليهم توزون، وهو بواسط، وسيف الدولة فى عسكره معهم، وبلغ ناصر الدولة قيام الأتراك، فسار إلى الموصل صحبة المتقى، وأمر أخاه سيف الدولة بمناصبة الأتراك، فكبسه توزون ليلا، فانهزم إلى الموصل، ثم راسل توزون المتقى في الصلح فأجاب، ورجع فكان من أمره والقبض عليه وسمله ما قدمناه.

وأقام ناصر الدولة بالموصل لا يتعرض لبغداد إلى أن ملكها معز الدولة بن بويه الديلمىّ، فتحرك إليها في جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وحاصر معز الدولة بن بويه حتى كاد يأخذه، ثم رجع عنها في صورة منهزم وامتنع من حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل لقتاله، فرفع أمواله إلى القلعة، ولم يترك في البلد قوتا ولا علوفة البتّة وبقى في خيل جريده.

فلما قرب معز الدولة إلى الموصل فارقها ناصر الدولة، وسار فكان تارة بنصيبين وتارة بآمد، وتارة ببلد، ونزل معز

الدولة قصر ناصر الدولة، وأقام بالموصل، فنفدت الأزواد فبعث بغالا تقلّه مع سراياه إلى القرى لتحصل الأقوات والعلوفات، ففرّق عند ذلك ناصر الدولة بنيه، وهم ثمانية كل منهم تزيد مماليكه وغلمانه على خمسمائة رجل، فكانوا لا يجدون سرية إلا هزموها، ولا قافلة إلا نهبوها، فإذا خرج معز الدولة في طلبهم تكشفوا بين يديه، ويخلفه ناصر الدولة إلى الموصل، فيأخذ ما يجد بها من الأموال، ويرفعه إلى القلعة، وإن وجد أحدا من قواده سجنه بها، فكان هذا دأبه إلى أن استقر الصلح بينه، وبين معز الدولة في سنة خمس وثلاثين. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في شهر رجب ملك معز الدولة ابن بويه الموصل، وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، فتبعه معز الدولة، ففارقها، وبعث أولاده إلى الموصل لقتال من فيها، فرجع إليهم معز الدولة، فانكشفوا بين يديه، فسار إلى بلد، واجتمع ناصر الدولة بأولاده، وسار إلى الموصل، فأسروا من أصحاب معزّ الدولة الذين تركهم بها نيفا وسبعين قائدا: فقيّدهم ناصر الدولة، وحملهم إلى القلعة، ومعهم ستمائة من الجند، ووجد مائة وثلاثين بدرة لمعزّ الدولة، فأخذها، وخرج من الموصل ومضى إلى حلب، وأقام عند أخيه سيف الدولة، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن تم الصلح بين معزّ الدولة بن بويه وسيف الدولة، وأبى تغلب بن ناصر الدولة على إطلاق الأسرى وردّ ثمانين بدرة، فأجاب إلى ذلك ناصر الدولة، ورجع معز الدولة

إلى بغداد، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل، ولم يزل بها مالكا [لها] من غير منازع إلى أن قبض عليه ولده.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.