تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر بيعة المستعلى بالله

هو أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ، وهو التّاسع من ملوك الدّولة العبيديّة، والسادس من ملوك مصر منهم. بويع له فى بكرة نهار الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة.

وذلك أن المستنصر بالله لما توفى بادر الأفضل أمير الجيوش بدخول القصر وأجلسه على تخت المملكة، وسيّر إلى إخوته نزار وعبد الله وإسماعيل،

وأعلمهم بوفاة أبيهم، وأمرهم بسرعة الحضور. فلمّا حضروا شاهدوا أخاهم الصّغير وقد جلس على سرير الخلافة، فامتعضوا من ذلك، فقال لهم الأفضل: تقدّموا وقبّلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذى نصّ عليه الإمام المستنصر بالله قبل وفاته بالخلافة من بعده. فقال نزار: لو قطّعت ما بايعت من هو أصغر منّى سنّا، وخطّ والدى عندى بولاية العهد، وأنا أحضره. وخرج مسرعا ليحضر الخطّ فمضى إلى الإسكندريّة، فسيّر الأفضل خلفه من يحضره، فلم يعلم أحد أين توجّه ولا كيف سلك، فانزعج الأفضل لذلك.

وقيل إنّه لمّا توفى المستنصر بالله جلس بعده ولده أبو منصور نزار، وهو ولىّ العهد وأراد أخذ البيعة لنفسه فامتنع الأفضل أمير الجيوش من ذلك لكراهته فيه واجتمع بجماعة الأمراء والخواصّ وقال لهم: إن هذا كبير السّن ولا نأمنه على نفوسنا، والمصلحة أن نبايع لأخيه الصغير أبى القاسم أحمد. فوافقوه على ذلك إلا محمود بن مصال اللكى، فإن نزارا كان قد وعده بالوزارة والتّقدمة على الجيوش مكان الأفضل. فلمّا علم ابن مصال الحال أطلع نزارا عليه.

وبادر الأفضل وبايع أحمد الخلافة، ونعته بالمستعلى بالله وأجلسه على

سرير الملك، وجلس الأفضل على دكّة الوزارة. وحضر قاضى القضاة نصر الإمام على بن الكحال ومعه الشّهود، وأخذ البيعة على مقدّمى الدّولة ورؤسائها وأعيانها، ثم مضى إلى إسماعيل وعبد الله، وهما بالقصر فى المسجد وعليهما التوكيل، فقال لهما: إن البيعة قد تمّت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السّلام ويقول لكما: تبايعانى أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة؛ إن الله اختاره علينا. وبايعاه، وكتب بذلك سجلّ قرأه على الأمراء الشّريف سناء الملك محمد بن محمد الحسنى الكاتب بديوان الإنشاء. وبادر نزار وأخوه عبد الله ومحمود بن مصال إلى الإسكندرية، وعليها ناصر الدّولة أفتكين التّركى، أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالى، فعرّفوه الحال ووعدوه بالوزارة، فبايعه، وبايعه أهل الثّغر، ولقّب بالمصطفى لدين الله.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.