من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة الحافظ لدين الله وشىء من أخباره
كانت وفاته فى ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ومولده فى المحرّم سنة أربع وستّين
وأربعمائة، وقيل فى المحرّم سنة ثمان وستين. فكانت مدّة عمره ستّا وسبعين سنة وشهورا، ومدّة ولايته منذ بويع البيعة العامّة الثانية، بعد قتل أحمد بن الأفضل، ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما.
قال المؤرخ: وكان الحافظ موصوفا بالبطش والتيقّظ؛ وكان شديد المناقشة. وهو الذى عمل طبل القولنج الذى كسره الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف؛ وكان هذا الطّبل قد عمل من سبعة معادن والكواكب السبعة فى إشراقها. وكان خاصّته أنه كلّما ضرب به ضربة خرج الرّيح من مخرج الضّارب.
قال بعض المؤرخين: إنّ الحافظ خطر بباله أن ينقل رسول الله ﷺ من المدينة إلى القاهرة، وكانت المدينة إذ ذاك يخطب بها لبنى العبّاس، لظهور ملوك الدّولة السّلجقية؛ فأرسل نحوا من أربعين رجلا من أهل النّجدة والقدرة، فتوجّهوا إلى المدينة وأقاموا بها مدّة، وتحيّلوا بأن حفروا سربا من مكان بعيد، وعملوا حساب الخروج فى المكان المقصود. فعصم الله تعالى نبيّه ﷺ من أن ينقل من المكان الذى اختاره له؛ فيقال إن السّرب انهار عليهم فهلكوا؛ وقيل بل سعى بهم فأهلكوا.
وكان للحافظ من الأولاد: أبو علىّ حسن؛ هلك كما ذكرنا؛ وعبد الله، هلك فى حياته أيضا؛ وأبو المنصور إسماعيل؛ وأبو الأمانه جبريل؛ ويوسف.
ووزراؤه: تقدّم ذكرهم. ولمّا قتل رضوان بن الولخشى لم يستوزر بعده أحدا، وإنما كانوا كتّابا. فمن أشهر كتابه أبو على حسن الأنصارى كان [القاضى] الفاضل يقول: لم يسمح الزّمان يمثله.
ومن أشهر شعرائه الشّريف أبو الحسن الأخفش المغربى، فى جملة شعره فى قصيدة:
ذكر الدّوح وشاطى بردىوحبابا فيه يحكى بردا
والصّبا يمرح فى أرجائهوتحوك الرّيح منه زردا
ينثر الدّرّ عليه فضّةوتذيب الشمس فيه عسجدا
ورشألو لم تكن ريقتهخمرة صافية ما عر بدا
قضاته: لمّا غلب أحمد بن الأفضل على الآمر، أبقى محمد ابن هبة الله ابن ميسّر القيسرانى على القضاء، ثم صرفه الحافظ واستقضى أبا الفخر صالح بن عبد الله بن أبى رجاء؛ ثم قبض عليه الوزير يانس الرّومى وقتله، فولّى سراج الدّين أبو الثّريّا نجم من جعفر، مضافا إلى الدّعوة، إلى أن قتل فى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين؛ فأعيد سناء الملك بن ميسّر، فأقام إلى أن قبض عليه فى يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين، وسيّر إلى تنّيس فقتل بها. وولى بعده القاضى الأعزّ أبو المكارم أحمد بن عبد الرّحمن بن محمد بن أبى عقيل، إلى أن توفى فى شعبان سنة ثلاث
وثلاثين. وأقام الناس بغير قاض ثلاثة أشهر، ثم ولى أبو الفضائل هبة الله بن عبد الوارث الأنصارى لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة منها. ثمّ جرت مفاوضة بينه وبين «النبيه» أبى الحسن على بن «اسماعيل»، قيل أدّت الى مصافعة خرج فى أثنائها القاضى إلى القصر وهو مخرّق الأثواب وقد تحلّقت عمامته فى حلقه، فعظم على الحافظ خروجه على هذه الهيئة وغرّمه مائتى دينار؛ واستناب أبا طاهر إسماعيل ابن سلامه الأنصارى، فأقام فى النّيابة إلى مستهلّ المحرّم سنة خمس وثلاثين، فوفّر جارى القضاء، وهو أربعون دينارا فى كل شهر، وخدم لجارى التّقدمة فى الدّعوة، وهو ثلاثون دينارا، فى الوظيفتين؛ فأجيب إلى ذلك وأقام إلى أن صرف لسبع خلون من صفر سنة ثلاث وأربعين، وبقى على الدّعوة. وولى القضاء أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسين المقدسى إلى آخر المدّة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع