من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وصول ملك افرنسيس
كان وصوله فى ثانى عشر شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وخمسمائة فى ستّ بطش عظام مشحونة بالمقاتلة؛ وكان ملكا مطاعا فيهم، ووعدهم بالأمداد خلفه. وكان معه باز عظيم الخلق أبيض اللّون، فطار من يده وسقط على سور عكّا، فأخذه المسلمون وأنفذوه إلى السّلطان؛ فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا لذلك.
قال: وزحف الفرنج على عكّا فى يوم الخميس الرّابع من جمادى الأولى سنة سبع وثمانين، ونصبوا عليها سبعة مجانيق. وبلغ من مضايقتهم لها أنّهم كانوا يلقون فى خندقها ما يموت من دوابّهم وما يؤيس منه ممّن أثخنته الجراح. وانقسم أهل البلد أقساما: قسم ينزلون إلى الخندق ويقطعون الدّواب ليسهل نقلها، وقسم ينقلون ذلك إلى البحر، وقسم يذبّون عنهم، وقسم فى المنجنيقات وحراسة الأسوار.
قال: وكانوا قد صنعوا دبّابة عظيمة أربع طبقات، الأولى من الخشب، والثّانية من الرّصاص، والثّالثة من الحديد، والرّابعة من
النّحاس؛ فكانت تعلو على السّور وتركب فيها المقاتلة؛ وقرّبوها من السّور فكاد أهل البلد يطلبون الأمان؛ فأعان الله على حرقها.
وكان فى جمادى الأولى عدّة وقعات.
قال: ولمّا حرقت دبّابات الفرنج وكباشهم وأبرجتهم الخشب وستائرهم أقاموا أمام خيامهم ممّا يلى عكّا تلّا مستطيلا عاليا من التّراب، فكانوا يقفون وراءه ويحوّلونه ليقرّبوه من السّور؛ إلى أن صار بينه وبين السّور مقدار نصف غلوة سهم. فلم تعمل فيه النّار.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع