من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر منازلة التتار البيرة وكسرهم على الفرات وقتل مقدمهم جنقر
وفى تاسع شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وستمائة وردت الأخبار بحركة التتار، فجرد السلطان الأمير فخر الدين الحمصى بجماعة من العساكر المصرية والشامية إلى جهة حارم، ثم جهز الأمير علاء الدين الحاج طيبرس الوزيرى بجماعة
من العساكر وجماعة من العربان. وعدّى التتار إلى البر الشامى لقصد الرحبة فتقسم فكر السلطان ليقسمهم على البيرة والرحبة، ورحل من ظاهر دمشق، فبلغه رحيل العدو عن الرحبة، فجدّ فى مسيره ووصل إلى الفرات إلى مخاضة تعرف بمخاضة الحمام، فوجد التتار قد وقفوا على شط الفرات، وعدتهم قريب الخمسة آلاف فارس، ومقدمهم جقر أحد مقدميهم الكبار وحفظوا فم المخاضة. وكان السلطان قد استصحب عدة مراكب من دمشق وحمص فرست فى الفرات، وركب فيها الرجالة الأقجية لكشف البر. وعمل التتار مكيدة: وهى أنهم تركوا المخاضة السهلة ووقفوا على مكان بعيد الغور وعملوا الستائر، فاعتقد المسلمون أن المكان الذى حفظوه هو المخاضة السهلة فخاضوا منه، وكان العدو قد عملوا سيبا على البر من جانبهم ليقاتلوا من ورائها، فرتبت العساكر الإسلامية نفوسها بخيولها، وعاموا أطلابا، الفارس إلى جانب الفارس، متماسكين بالأعنة معتمدين على الرماح، كما قال القائل:
فعمنا إليهم بالحديد سباحةومن عجب أن الحديد يعوم
وازدحم الناس وانسكر الماء بهم فصار كالجبال. وطلع المسلمون، والسلطان فى أوائل القوم، فلم يلبث التتار أن انهزموا أقبح هزيمة، وقتل مقدمهم جنقر وجماعة كثيرة منهم وأسرت جماعة، وأقام السلطان إلى العصر وجمع الأسرى ورءوس القتلى وبات فى مكان النصر، والعساكر لابسة والخيل
ملجمة. وأصبح يوم الاثنين بمنزلته حتى عاد من كان قد ساق خلف العدو، واستبرىء أمر العدو، ثم عادت العساكر، وكان العود عليهم أشق.
ولما صار السلطان بالبر الشامى بلغه أن التتار الذين كانوا نازلوا البيرة ومقدمهم درباى قد هربوا وتركوا أزوادهم والمجانيق التى معهم؛ ورموا النار فى بعض ذلك، ونزل أهل البيرة وحملوا من ذلك شيئا كثيرا. فنزل السلطان على جبل مشرف قرب البيرة من الجانب الشامى، وتوجه إليها على الجسر الذى مده العدو وهو جسر كبير تحته المراكب والصوارى والسلاسل، ومعه جماعة من الأمراء، وأنعم على النائب بها بألف دينار، و [الأمير سيف الدين] الصروى المجرد بها بألف دينار، وعم من بها بالتشاريف، وأنعم على أهل الثغر بمائة ألف درهم، وجرد بها جماعة زيادة على من بها، وعاد إلى مخيمه، وسار إلى دمشق فدخلها فى ثالث جمادى الآخرة والأسرى بين يديه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع