من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا
قد ذكرنا أن السلطان الملك المنصور، والد السلطان، كان قد أهمه أمر عكا وتجهز لغزوها. وخرج لذلك، وعاجلته المنية، دون الأمنية. فلما استقر أمر السلطان الملك الأشرف، وخلا وجهه، ممن كان يقصد مناوأته، صرف اهتمامه إلى عكا وغزوها. وندب العساكر من الديار المصرية، وسائر الممالك والحصون. وأمر نواب السلطنة بالممالك الشامية والساحلية، ونواب القلاع والحصون، بتجهيز الزردخانات وأعواد المجانيق والحجارين وغيرهم. وندب الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار لذلك. فتوجه من الباب السلطانى، ووصل إلى دمشق، فى سلخ صفر. فجهزت أعواد المجانيق من دمشق، وبرزت إلى ظاهرها فى مستهل شهر ربيع الأول، وتكامل ذلك، فى يوم الخميس ثانى عشر الشهر. وتوجه بها الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، أحد الأمراء بالشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمى الألوف، فتوجه كل أمير ومضافوه منها، بما أمر بنقله. ثم توجه الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام، فى آخر الجيش، ببقية العسكر، فى يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول. وندب
السلطان أيضا، الأمير سيف الدين طغريل الايقانى إلى الحصون والممالك يستنجدهم على سرعة تجهيز المجانيق والآلات، فبادر النواب إلى ذلك.
ووصل الملك المظفر صاحب حماه إلى دمشق، فى ثالث عشرين شهر ربيع الأول، بعسكر حماه، وصحبته مجانيق وزردخانات، ووصل الأمير سيف الدين
بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالفتوحات، بعساكر الحصون وطرابلس وما معها، بالمجانيق والزردخانات، فى رابع عشرين الشهر. ووصل سائر النواب، وتوجهوا إلى عكا. هذا ما كان من أمر نواب الممالك الشامية وعساكرها.
وأما السلطان الملك الأشرف، فإنه لما عزم على التوجه إلى عكا، أمر بجمع القراء والعلماء والقضاة والأعيان، بتربة والده السلطان الملك المنصور. فاجتمعوا فى ليلة الجمعة، الثامن والعشرين من صفر، وبانوا بالقبة المنصورية، يقرأون القرآن. وحضر السلطان إلى التربة فى بكرة النهار، وتصدق بجملة من المال والكساوى، ثم عاد إلى قلعة الجبل. واستقل ركابه منها، فى ثالث شهر ربيع الأول. وجهز السلطان آدره العالية إلى دمشق، فوصلوا إلى قلعتها، فى يوم الاثنين، سابع شهر ربيع الآخر. ووصل السلطان إلى المنزلة بعكا، فى يوم الخميس، ثالث شهر ربيع الآخر. ووصلت المجانيق إلى عكا فى اليوم الثانى،
من وصلوه، وهى اثنان وتسعون منجنيقا، [ما بين افرنجى وقرابغا وشيطانى]، فنصبت وتكامل نصبها فى أربعة أيام، وأقيمت الستائر.
وكان الفرنج، لما بلغهم اهتمام السلطان وعزمه، كاتبوا ملوك البحر، وسألوهم إنجادهم، فأتوهم من كل مكان. واجتمع بعكا منهم جموع كثيرة، فقويت نفوسهم، ولم يغلقوا أبواب البلد. واستمر الحصار وعملت النقوب، إلى السادس عشر من جمادى الأولى.
فلما كان فى يوم الجمعة السابع عشر من الشهر، أمر السلطان أن تضرب الكوسات جملة واحدة، وكانت [على] ثلاثمائة جمل. فلما ضربت، هال أهل عكا ما سمعوه منها. وزحف السلطان بالعساكر، قبل طلوع الشمس من هذا اليوم. فما ارتفعت الشمس: إلا والصناجق السلطانية على أسوارها.
ولما أشرف المسلمون على فتح عكا، وتحقق من بها ذلك، خرجت طائفة منهم، نحو عشرة آلاف رجل مستأمنين، فرّقهم السلطان على الأمراء، فقتلوا عن آخرهم. وأرسل السلطان جماعة من الأسرى، إلى الحصون الإسلامية.
وكانت مدة الحصار على عكاء منذحل ركاب السلطان، إلى أن فتحت، أربعة وأربعين يوما. واستشهد من الأمراه على حصارها، الأمير علاء الدين كشتغدى الشمسى، ونقل إلى جلجولية ودفن بها، والأمير عز الدين أيبك المعزى، نقيب العساكر، والأمير جمال الدين آقش الغتمى، والأمير بدر الدين بيليك المسعودى، والأمير شرف الدين قيران السكرى، وأربعة من مقدمى الحلقة، وجماعة يسيرة من العسكر.
وكانت عكا بيد الفرنج، منذ استرجعوها من السلطان، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وإلى هذا التاريخ، مائة سنة وثلاث سنين، وأمر السلطان الآن بإخرابها، فخربت.
وفتح الله تعالى على يد السلطان، فى بقية الشهر، من المدن المشهورة الساحلية، صور، وصيدا، وحيفا، وعثليث، بغير قتال. وذلك أن الله تعالى،
أوقع فى قلوب أهلها الرعب، لما فتحت عكا، وعلموا أنهم لا يقدرون على حفظها، ففارقوها ونجوا بأنفسهم. فملكها السلطان، فأمر بهدمها جميعها فهدمت. ثم فتجت صيدا وبيروت، على يد الأمير علم الدين الشجاعى، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وأكثر الشعراء ذكر هذا الفتح. فكان ممن امتدح السلطان، وذكر هذا الفتح من الشعراء، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنيجى التاجر المقيم بالقاهرة، فقال:
بلغت فى الملك أقصى غاية الأملوفتّ شأو ملوك الأعصر الأول
وحزت رق العلى بالجد مجتهداوجزت غاياتها سيقا على مهل
ونلت بالحول دون الناس منفرداما لم ينله ملوك الأرض بالحيل
فطل بدولتك الميمون طائرهافإنها غرة فى أوجه الدول
واسعد بهمتك العليا التى وصلتلك السعود بحبل غير منفصل
فأنت للدين والدنيا صلاحهماوفيهما حمل ضيم غير محتمل
فكم بلغت مرادا بت تأملهبعزمك الباتر العارى من الفلل
وكم فتحت حصونا طالما رجعتلليأس عنها الملوك الصيد فى خجل
حررت من عكة الغراء ما عجزتعنه الملوك بعزم غير منتثل
عقيلة المدن أمست من حصانتهاوصونها من ليالى الدهر فى عقل
وقد دعتها ملوك الأرض راغبةوعطفها عنهم بالتيه فى شغل
صدت عن الصيد لا تلوى فلم تطلالأوهام منها إلى وصل ولم تصل
أم لهم برّة كم رام خطبتهابعل سواك، فلم تذعن ولم تنل
حتى أمرك فأمست وهى طائعةبعد الإباء لأمر منك ممتثل
مازال غيرك فيها طامعا وعلىيديك، قد كان هذا الفتح فى الأزل
فتحا تطاول عن نثر يحوط بهوصفا، وعن نظم شعر محمد الطّول
قصدتها فأصيبت بعد ما فجعتفى أهلها من أسود الغيل بالغيل
فى جحفل لجب كالليل انجمهتبدو لرائيه من قضب ومن أسل
تمم المهامه من وعر ومن أكموطبّق الأرض من سهل ومن جبل
تخالهم وجياد الخيل تحتهملليأس فى الروع آسادا على قلل
لا تنظر العين منهم إن هم لبسوالا مات حربهم يوما، سوى المقل
صدمتها بجيوش لو صدمت بهاصم الجبال، أزالتها ولم تزل
فأصبحت بعد عز الملك خاضعةمن ذلة الملك طول الدهر فى سمل
أمست خرابا وأضحى أهلها ومماوسطرتها يد الأيام فى المثل
فسلب بزتها عنها وقد عطلتألذ للطرف من حلى ومن حلل
ومحو أثارها منها وقد خربتأشبى إلى التفس من زوض الربى الخضل
بالأشرف السيد السلطان زال عناالتثليث وابتهج التوحيد بالجدل
تدبير ذى حكم فى عز منتقموعمر مقتبل فى رأى مكتهل
راحت وقد سلبت أرواحهم بشباالهندى أموالهم من جملة النفل
هدمت ما شيدوا، فرقت ما جمعوانقضت ما ابرموه غير محتفل
وعند ما أصبحت قفرا بلادهممن السواحل بعد الأهل فى العطل
رحلت عنها، ولكن كم أقمت بهامن خوف بأسك جيشا غير مرتحل
لازلت ذا رتب فى المجد ساميةوسؤدد بنواصى الشهب متصل
وقال المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبى كاتب الانشاء، لما عاين النيران فى جوانب عكا. وقد تساقطت أركانها، وتهدمت جدرانها.
مررت بعكا بعد تخريب سورهاوزند أوار النار فى وسطها وار
وعاينتها بعد التنصر قد غدتمجوسية الأبراج تسجد للنار
وقال أيضا:
الحمد لله زالت دولة الصّلبوعزبا لترك دين المصطفى العربى
هذا الذى كانت الأمال لو طلبترؤياه فى النوم لا ستحيت من الطلب
ما بعد عكا وقد هدت قواعدهافى البحر للشرك عتد البر من أرب
عقيلة ذهبت أيدى الخطوب بهادهرا وشدت عليها كف مغتصب
لم يبق من بعدها للكفر إذ خربتفى البر والبحر ما ينجى سوى الهرب
كانت تخيلها آمالنا فترىإن التفكر فيها أعجب العجب
أم الحروب فكم [قد] أنشأت فتناشاب الوليد بها هولا ولم تشب
سوران بر وبحر حول ساحتهادارا، وأدناهما أتأى من القطب
خرقاء أمنع سوريها وأحصنهغلب الكماة، وأقواه على النوب
مصفح مصفاح، حولها شرفمن الرماح وأبراج من اليلب
مثل الغمامة تهدى من صواعقهابالنبل أضعاف ما تهدى من السحب
كأنما كل برج حوله فلكمن المجانيق يرمى الأرض بالشهب
ففاجأتها جنود الله يقدمهاغضبان لله لا للملك والنشب
ليث أبى أن يرد الوجه عن أمميدعون رب الورى سبحانه بأب
كم رامها ورماها قبله ملكجم الجيوش فلم يظفر ولم يصب
لم يلهه ملكه، بل فى أوائلهقال الذى لم ينله الناس فى الحقب
لم ترض همته إلا التى قعدتللعجز عنها ملوك العجم والعرب
فأصبحت وهى فى بحرين مائلةما بين مضطرم نارا ومضطرب
جيش من الترك ترك الحرب عندهمعار، وراحتهم ضرب من الوصب
خاضوا إليها الردى والبحر فاشتبه الأمران واختلفا فى الحال والسبب
تسنموها فلم يترك ثباتهمفى ذلك الأفق برجا غير منقلب
تسلموها فلم تخل الرقاب بهامن فتك منتقم أو كف منتهب
أتوا حماها فلم تدقع وقد وثبواعنها مجانيقهم شيئا ولم يثب
يا يوم عكا لقد انسيت ما سبقتمن الفتوح وما قد خطّ فى الكتب
لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فماعسى يقوم به ذو الشّعر والخطب
كانت تمنى بك الأيام عن أمموالحمد لله شاهدناك عن كتب
أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهملله أى رضى فى ذلك الغضب
وأطلع الله جيش النصر فابتدرتطلائع الفتح بين السمر والقضب
وأشرف المصطفى الهادى البشير علىما أسلف الأشرف السلطان من قرب
فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجتببشره الكعبة الغراء فى الحجب
وسار فى الأرض مسرى الريح سمعتهفالبر فى طرب والبحر فى حرب
وخاضت البيض فى بحر الدماء فماأبدت من البيض إلا ساق مختضب
وغاص زرق الفنا فى زرق أعينهمكأنها شطن يهوى إلى قلب
توقدت وهى تروى فى نحو رهمفزادها الرى فى الإشراق واللهب
أجرت إلى البحر بحرا من دمائهمفراح كالراح إذ غرقاه كالحبب
وذاب من حرّها عنهم حديدهمفقيدتهم به ذعرا يد الرهب
تحكمت فسطت فيهم قواضيهاقتلا وعفت لحاويها عن السلب
كم أبرزت بطلا كالطود قد بطلتحواسه فغدا كالمنزل الخرب
كأنه وسنان الرمح يطلبهبرج هوى ووراه كوكب الذنب
بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفتبك الممالك واستعلت على الوثب
ما بعد عكا، وقد لانت عربكتهالديك شىء تلاقيه على تعب
فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعهامدت إليك نواصيها بلا نصب
كم قد دعت، وهى فى أسر العدا زمناصيد الملوك فلم تسمع ولم تجب
لبيتها يا صلاح الدين معتقدابأن ظنّ صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهممن قبل إحرازها بحرا من الذهب
أدركت ثأر صلاح الدين إذ غضبتمنه لعمر طواه الله فى الكتب
وجئتها بجيوش كالسيول علىأمثالها بين أجام من القضب
وحطتها بالمجانيق التى وقفتأمام أسوارها فى جحفل لجب
مرفوعة نصبوا أضعافها قبلتللجزم والكسر منها كل منتصب
ورضتها بنقوب ذللت شممامنها وأبدت محياها بلا نقب
وبعد صبحتها بالزحف فاضطربترعبا وأهوت بخديها إلى الترب
وغنت البيض فى الأعناق فار تقصتأجسادها لعبا منها مع اللعب
وخلّقت بالدم الأسوار فابتهتطيبا ولولا دماء القوم لم تطب
وأبرزت كل خود كاعب نثرتلها الرؤوس وقد زفت بلا طرب
باتت وقد جاورتنا ناشزا وغدتطوع الهوى فى يدى جيرانها الجنب
ظنوا بروج البيوت الشم تعقلهمفاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب
فأحرزتهم ولكن للسيوف لكىلا يلتجى أحد منهم إلى هرب
وجالت النار فى أرجائها وعلتفاطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقدكانت بتعليقها حمالة الحطب
وأفلت البحر منهم من يخبر منيلقاه من قومه بالويل والحرب
وتمت النعمة العظمى وقد ملكتبفتح صور بلا حصر ولا نصب
أختان فى أن كلا منهما جمعتصليبة الكفر لا أختان فى النسب
لما رأت أختها بالأمس قد خربتكان الخراب لها أعدى من الجرب
إن لم يكن ثمّ كون البحر منصبغابها إليها والألسن اللهب
فالله أعطاك ملك البر وأبتدأتلك السعادة ملك البحر فارتقب
من كان مبدأه عكا وصور معافالصين أدنى إلى كفيه من حلب
علا بك الملك حتى إن قبتهعلى الثريا غدت ممدودة الطنب
فلا برحت عزيز النصر مبتهجابكل فتح قريب المنح مقترب
وعمل الشعراء فى هذا الفتح قصائد كثيرة، اقتصرنا منها، على ما أوردناه، فلنذكر خلاف ذلك.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع