من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر طلب أعيان دمشق وما قرر عليهم من استخدام الخيالة وما وقع بسبب ذلك من الفتن
كان سبب هذا الطلب أن الشناعة قويت بحركة العدو المخذول التتار فورد المرسوم السلطانى فى عاشر شهر ربيع الآخر أن يستخدم الأمراء بدمشق على خواصهم نظير عدتهم من الجند، وأن يكونوا على أهبة متى طلبوا، وأن يستخرج من أهل الشام خيل الحجر المقررة قديما فلما كان فى يوم الأربعاء
مستهل جمادى الأولى طلب أكابر دمشق وقرر عليهم استخدام ألف وخمسمائة فارس، وكانت العادة المقررة مائتى فارس، فاجتمع الأعيان لتقرير ذلك على الناس، فقرروا استخدام ثمانمائة فارس على نحو ثلاثمائة إنسان، وعجزوا.
فسألوا أن يقرروا على أهل الأسواق وخواص البلد، فأجيبوا إلى ذلك، وجلسوا فى خامس الشهر بالمدرسة القليجية لتقرير ذلك، فغلّقت أسواق البلد يومين، وتعطّلت جهات الهلال بسبب ذلك، ثم فتحت الأسواق وحصل الشروع فى تسقيع الأملاك، والأوقاف، وتحقيق أمرها والمطالبة من نسبتها، فضج الناس لذلك، واجتمعوا بالقضاة والخطيب، وتواعدوا كلهم على الاجتماع بنائب السلطنة فلما كان فى يوم الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى أخرج الخطيب جلال الدين القزوينى المصحف الكريم العثمانى ونعل النبى ﷺ، وصحبه العلماء والفقهاء والقراء والمؤذنون وعامة الناس وحملت صناجق الجامع، وخرجوا بجملتهم من باب الفرج إلى سوق الخيل، وكان قد تقدمهم العميان واستغاثوا وشكوا أنه قرر على الأوقاف التى عليهم أجرة أربعة شهور.
فصرفهم الحاجب وقال قد أعفيتم من الطلب، ثم تلاهم الجذماء وشكوا مثل ذلك، فقيل لهم مثل ذلك، ثم جاء صبيان مكاتب السبيل الأيتام، وهم يرفعون أصواتهم بالتهليل، فبكى الأمراء ومن حضر الموكب من الناس. ثم جاء الجمع الكثير ونقدموا الخطيب إلى الموكب، وهم يستغيثون، فضربهم النقباء بأمر نائب السلطنة وسقط المصحف الكريم والنعل المكرم النبوى إلى الأرض، والصناجق، ثم رفعت وأعيدت إلى البلد، ورسم أن يتوجه الخطيب إلى القصر فتوجه. فلما حضر إلى نائب السلطنة لكمه بيده ثلاث لكمات، وسبّ قاضى القضاة نجم الدين كونه ما أنهى إليه هذه الصورة قبل وقوعها، ثم توجها إلى بيوتهما، ومدّ السماط على العادة فما تقدم إليه أحد من الأمراء
ولا نائب السلطنة ولا حاشيته، ثم تفرق الناس وطلب نائب السلطنة الخطيب جلال الدين، والشيخ مجد الدين التّونسى فضرب التونسى بين يديه تسعين عصاه ضربا وجيعا، ورسم عليه وعلى الخطيب، ثم ضمّن عليهما، وأفرج عنهما، ثم تقرر الحال فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر على استخدام أربعمائة فارس، وأن يؤخر استخراج المال إلى أن يحل ركاب السلطان بالشام، وسكن الحال بعض السكون، وتوقع الناس لنائب السلطنة حلول النقمة لما أمر بضرب العوام وحملة المصحف والنعل النبوى، وكان الأمر كما توقعوه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع