تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما أمر السلطان بإبطاله من المكوس والمظالم وما أسقطه من أرباب الوظائف

وفى شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة ندب السلطان أعيان الأمراء لقياس الديار المصرية وجهز إلى كل عمل أميرا من المقدمين ولبعض الأعمال أمراء

ورسم أن لا يستخرج على هذا القياس أجرة من الفلاحين ولا غيرهم ورسم لسائر الأمراء أن يكون عودهم إلى قلعة الجبل بعد ما توجهوا بسببه فى نصف شوال وتوجه مع كل أمير مستوف من مستوفيّى الدولة وتوجه السلطان إلى الصعيد الأعلى ورتب الأمراء والكتاب فى أعمال الوجه القبلى فى مسيرة وأظهر الاحتفال بذلك والاهتمام به فانتهت مساحة الديار المصرية أجمع وتحرير نواحيها فى نحو أربعين يوما فإن الشروع فى ذلك حصل فى مستهل شهر رمضان والعود إلى أبواب السلطان والوصول إلى قلعة الجبل فى نصف شوال وأعان على سرعة ذلك تقسيم البلاد شققا، ولما تكامل هذا الكشف أمر السلطان القاضى فخر الدين ناظر الجيوش ومن عنده من المباشرين ونظار النظار والمستوفين بالانتصاب لتحرير ذلك ورتبه على ما اقتضاه رأيه الشريف وهم بين يديه فانتهى العمل وكتابة الأمثلة فى ذى الحجة من السنة فعند ذلك جلس السلطان لتفرقة الأمثلة بين يديه وجعل لكل أمير بلادا معينة وأضاف إليه جميع ما فى بلاده من الجيوش السلطانية والجوالى وغير ذلك فصارت البلاد لمقطعيها دربستا وكذلك جهات الحلقة وأفرد لخاصّيه بلادا ولحاشيته بلادا مقررة مرصدة لجامكياتهم، ولجامكيات نظار الدولة ومباشرى الباب جهات مقررة لهم وكذلك أرباب الرواتب وجعلت سائر المعاملات بمصر والقاهرة فى جملة الخاصة وكان هذا برأى تقى الدين ناظر النظار المعروف بكاتب برلغى وترتيبه فأخرج عن الخاص الجوالى التى ما زال الملوك يجعلونها مرصدة لمأكلهم لتحقق حلها، وجعلها فى الأقطاع وأرصد لراتب السماط السلطانى ونفقات البيوتات ودار

الطراز ومشترى الخزانة جهات المكس التى ما زال الملوك يحذرونها وأكثر المقطعين يتنزهون عنها ويستعفون من أخذها والذى تحققته من أمره وغرضه فى هذا الترتيب أنه من مسالمة القبط ممن أكره على الإسلام فأظهره وجرت عليه أحكامه وكان ميله ورغبته واحتفاله بالنصارى، فأراد تخفيف الجالية عنهم فجعلها فى جملة الأقطاع فانتقل كثير من النصارى من بلد إلى آخر فتعذر على مقطع بلده الذى انتقل منه طلبه من البلد الذى انتقل إليه وإذا طالبه مباشرو البلد الذى انتقل إليها اعتذر أنه ليس من أهل بلدهم وأنه ناقله إليه فضاعت الجوالى بسبب ذلك واحتاج مقطعو كل جهة إلى مصالحة من بها من النصارى النوافل على بعض الجوالى فأخبرنى بعض العدول الثقات شهود دواوين الأمراء أنهم يستأدون من النصرانى أربعة دراهم ونحوها، وكانت قبل ذلك ستة وخمسين درهما ولما كانت الجوالى جارية فى الخاص السلطانى كانت الحشار تسافر إلى سائر البلاد ويستأدونها منسوبة إلى جهاتها، وإذا وجد نصرانى فى ثغر دمياط وهو من أهل أسوان أو من أهل حلب أو عكس ذلك أخذت منه الجزية فى البلد الذى يوجد به، ويكتب المباشرون بها له وصلا فيعتد له ببلده ويأخذ من كل بلدة منسوبة إلى جهتها، فانفرط ذلك النظام، وهى الآن على تقريره، ولعمرى لو ملك هذا التقى المسلمانى البلاد وعليه جريان اسم الإسلام ما تمكن أن يحسن إلى النصارى، ويخفف عنهم بأكثر من هذا.

وأبطل السلطان فى هذه السنة عند عدم الروك جملة عظيمة من الأموال المنسوبة إلى المكوس والمظالم، منها سواحل الغلال وكان يتحصل منها بساحلى مصر والقاهرة نحو أربعة آلاف درهم نقرة وأبطل نصف السمسرة ورسوم

الولاية ونوابهم والمقدمين وتقرير الحوايص والنعال وحق السجون وطرح الفراريج، ومقرر الفرسان ورسوم الأفراح، وثمن العبى التى كانت تستأدى من البلاد، ومقرر الأتبان التى كانت تؤخذ لمعاصر الأقصاب بغير ثمن وحماية المراكب وزكاة الرجالة بالديار المصرية، وغير ذلك من المظالم سطر الله هذه الحسنات فى صحيفته ورسم بالمسامحة بالبواقى الديوانية والإقطاعية إلى آخر مغل سنة أربع عشرة وسبعمائة، ورسم بإسقاط وظيفتى النظر والاستيفاء من سائر أعمال الديار المصرية، ورسم أن يستخدم فى كل بلد من بلاد الخاص شاهد وعامل، ورتب بالقاهرة ناظر الجهات الهلالية ولمصر ناظرا، ثم استخدم فى بعض الأعمال النظار، وجعل هذا الروك الهلالى لاستقبال صفر

سنة ست عشرة وسبعمائة والخراجى لاستقبال مغل سنة خمس عشرة وسبعمائة ورسم بإسقاط متوفر الجراريف السلطانية، وأن يرصد جميعها لعمل الجسور، وكان يتوفر منها بعد عمل الجسور أموال جليلة كثيرة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.