تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر تجريد العسكر إلى النوبة وملك عبد الله برشنبوا [٤] النوبة، ومقتله

وفى شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبعمائة رسم بتجريد طائفة من الأمراء إلى بلاد النوبة، وهم: الأمير عز الدين أيبك الجهاد كسى عبد الملك، وهو المقدم على العسكر، والأمير صلاح الدين طرخان ابن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى، والأمير علاء الدين على الساقى، والأمير سيف الدين قيران

الحسامى، كل أمير منهم بنصف عدته، ورسم أن يكون سفرهم فى العشرة الآخرة من شعبان، فبرزوا من القاهرة مطلبين فى يوم الإثنين الثالث والعشرين من شعبان من السنة، وصحبتهم سيف الدين عبد الله برشنبوا النوبى، وهو ابن أخت داود ملك النوبة، وكان قد ربّى فى البيت السلطانى من جملة المماليك السلطانية، فرأى السلطان أن يقدمه فى ذلك الوقت على أهل بلاده ويملكه عليهم، واتصل خبر هذه الحادثة بالملك كرنبس متملك النوبة، فأرسل ابن أخته كنز الدولة ابن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز إلى الأبواب السلطانية، وسأل شموله بالإنعام السلطانى فى توليته الملك، وقال:

إذا كان يقصد مولانا السلطان بأن يولى البلاد لمسلم، فهذا مسلم وهو ابن أختى والملك ينتقل إليه بعدى، فوصل كنز الدولة إلى الأبواب السلطانية فلم يجب إلى ما طلب، ورسم السلطان بمنعه من العود إلى بلاده، فأقام بالأبواب السلطانية، وتوجه العسكر وصحبته عبد الله برشنبوا، فلما وصلوا إلى دنقلة فارقها متملكها كرنبس وأخوه إبرام، وتوجها إلى جهة الأبواب، واستجار كرنبس متملكها فقبض عليه، وتركه فى جزيرة، وكتب إلى مقدم العسكر فخبره أنه قبض عليه وعلى أخيه واحترز عليها، وسأل أن يسير إليه من يتسلمهما فسير إليه جماعة من رجال الحلقة، فتسلموهما وأحضروا إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط، واعتقلا، وملك عبد الله برشنبوا دنقلة، واستقر ملكه، وعاد العسكر إلى القاهرة. فكان وصوله فى جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولما وصل متملك النوبة وأخوه إلى الأبواب السلطانية سأل كنز الدولة الإذن له فى العود إلى ثغر أسوان، وأنهى أن له بالثغر سواقى وعليه خراجا للديوان السلطانى، فرسم بعوده إلى بلده، فتوجه إلى الثغر ثم توجه منه إلى جهة دنقلة، وكان عبد الله برشنبوا لما ملك غيّر قواعد البلاد، وتعاطى نوعا من الكبر لم تجر عادة ملك النوبة بمثله، وعامل أهل البلاد بغلظة وشدة، فكرهوا ولايته. فلما قصدهم كنز الدولة ووصل إلى بلد الدو-

وهى أول بلاد النوبة- استقبله أهل البلاد بالطاعة وحيوّه بتحية الملك، وهى قولهم: موشاى موشاى، وهذه لفظة لا يخاطب بها غير الملك، وانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، فتقدم إلى دنقلة، فخرج إليه برشنبوا والتقوا، فقتل برشنبوا، وملك كنز الدولة بلاد النوبة إلا أنه لم يضع تاج الملك على رأسه رعاية لحق أخواله، وتعظيما لهم، وحفظا لحرمتهم. ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية بقتل برشنبوا فى شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة، فعند ذلك رسم السلطان بالإفراج عن إبرام أخى كرنبس وأرسله إلى النوبة، وأمره أن يحتال فى القبض على ابن أخته كنز الدولة وإرساله إلى الأبواب السلطانية، ووعده أنه إذا فعل ذلك أفرج عن أخيه كرنبس وملكه وأرسله، وتوجه إبرام إلى دنقلة فاستقبله ابن أخته كنز الدولة بالطاعة، وسلم إليه الملك، وصار فى خدمته، وخرجا لتمهيد البلاد مما يلى ثغر أسوان، فلما قرب إلى الدو قبض إبرام على الكنز الدولة وقيده، وعزم على إرساله، فمرض إبرام وهلك بعد ثلاثة أيام من حين القبض على ابن أخته، فاجتمع أهل النوبة على كنز الدولة وملكوه عليهم، فملك البلاد حينئذ ولبس تاج الملك، واستقل بالمملكة، وضم إليه العرب واستعان بهم على من ناوأه، وكان من خبره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى فى مواضعه على ما نقف عليه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.