من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وفى هذه السنة فى يوم الجمعة الثالث والعشرين
من شهر ربيع الآخر توفى الأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب كان فى معتقله بقلعة الجبل، وكان قبل ذلك معتقلا بالكرك فرسم بإحضاره وإحضار الأمير سيف الدين كراى فأحضرا وما شكا ولا شك الناس فى الإفراج عنهما، فاعتقلا بقلعة الجبل ببرج فمات الأمير شمس الدين الآن رحمه الله تعالى وتوفى قاضى القضاة زين الدين أبو الحسن على بن الشيخ رضى الدين القاسم مخلوف بن تاج الدين أبى المعالى ناهض المالكى النويرى الجزولى، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الحادى عشر من جمادى الآخرة بمنزله بالقاهرة، ودفن فى يوم الأربعاء عند الزوال بتربته بسفح المقطم- رحمه الله تعالى-
ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة كثير الاحتمال والإحسان إلى الناس يحمل الجفوة من أصحابه ويصبر منهم على كثير من الأذى خصوصا من أهل بلده وكانت أفعاله جميلة، ومقاصده حسنة وولى القضاء بالديار المصرية فى سنة خمس وثمانين وستمائة، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا، وعرضت عليه الوزارة فى الدولة المنصورية فأباها وتنصل منها كل التنصل وبالغ فى ردها كل المبالغة وانتهى حاله فى التنصل منها إلى أن حضر إلى الدركاه بباب القلعة وقلع طيلسانه وقلع عمامته وفوقانيته، وبقى بقبع ودلق وهو قائم فقام الأمراء لقيامه وصاروا حوله حلقه وهم لا يعرفون موجب فعله لذلك ثم جاء نائب السلطنة الأمير حسام الدين طرنطاى وهو على هذه الصورة فتألم وسأله عن خبره فقال له أنا إنما وصلت من بلدى بمثل هذا الملبوس الذى علىّ، وأنا أكتسبت بصحبتكم وخدمة السلطان زيادة على ما جئت به هذا الطيلسان وهذه الجبة والعمامة فإن ضمنت لى عند السلطان إعفائى من هذا الأمر الذى طلبنى بسببه وإبقائى على ما أنا عليه وإلا فلا أرجع إلى لباس هذا أبدا وأرجع إلى بلدى بهذه الحالة. فبكى الأمراء وعظموه وألبسه نائب السلطنة قماشة، وضمن له صرف الوزارة عنه واندفعت وأمن بذلك غائلة الأمير علم الدين سنجر الشجاعى فإنه كان إذا ذكر أحد للوزارة أو ذكرها عمل على هلاكه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع