من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء
وفى هذه السنة فى يوم الخميس الثالث عشر من ذى الحجة توجه/ السلطان إلى الصيد المبارك، وقصد جهة [البحيرة].
ولما قارب ثغر الإسكندرية أرسل الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر المملكة وأستاذ دار العالية إلى الثغر، وأمره بالإفراج عن الأميرين سيف الدين طاجار المحمدى، وسيف الدين كيتم، وأمره أن يكشف أحوال الأمراء المعتقلين بالثغر، ومن اختار أن يكتب قصة فليستصحبها معه، ففعل ذلك، وكتب الأمراء قصصا بما أحبوا، وامتنع الأمير بهادر النقوى أمير جاندار- كان- والأمير سيف الدين بلبان الشمسى من كتابة قصة، وقالوا: نحن لنا ذنوب عند السلطان، وبأى وجه نرفع إليه قصة، فلما عاد الأمير علاء الدين إلى السلطان عرض على السلطان قصص الأمراء وأخبره بامتناع الأميرين المذكورين من كتابة قصة، وبما قالاه، فشملتهما عواطفه، وأمر بالإفراج عنهما، وأحضرا إلى المخيم المنصورى، وخلع على الأمراء الأربعة المذكورين، وحضروا إلى القاهرة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذى الحجة.
وفيها فى ليلة الأحد ثامن عشر صفر توفى الشيخ الإمام المقرئ المتقن المعمر تقى الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن على بن سالم ابن مكى المصرى الشافعى المعروف بالصائغ شيخ القراءات فى وقته، وكانت وفاته بمصر، وصلى عليه يوم الأحد بعد صلاة الظهر بالجامع العمرى بمصر، وأمّ الناس فى الصلاة/ عليه قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى، ودفن بالقرافة، ومولده فى ثامن عشر جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة بمصر، قرأ القرآن على الكمال الضرير، وسمع الحديث من الرشيد العطار، وابن البرهان، وغيرهما رحمهما الله تعالى.
وتوفى فى ليلة السبت مستهل شهر ربيع الأول الخطيب جمال الدين محمد بن الخطيب تقى الدين محمد بن مجد الدين الحسن بن الشيخ تاج الدين
أبى الحسن على بن أحمد بن على بن [أحمد] بن القسطلانى خطيب جامع قلعة الجبل المحروسة، وإمام الجامع العمرى بمصر، ودفن من الغد بالقرافة، سمع من ابن خطيب المزّة، وصحب الشيخ العارف أبا محمد المرجانى، وحج معه ولازمه، ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة تقريبا، وخطب بالجامع العمرى بمصر بعد والده فى سنة خمس وتسعين وستمائة، وخطب والده بالجامع المذكور قبله ثمانى عشرة سنة.
ولما مات الخطيب جمال الدين، عرض جماعة من الخطباء على السلطان وخطب كل منهم بجامع القلعة، ومنهم من خطب فى مجلس السلطان فى غير يوم الجمعة، ثم استقرت الخطابة بجامع قلعة الجبل باسم ابن أخيه الخطيب تقى الدين بن الخطيب نور الدين، واستقر ولده الخطيب زين الدين أحمد [بن جمال الدين] فى خطابة جامع عمرو بمصر، وإمامته ونظره.
وتوفى فى يوم السبت الحادى والعشرين من شهر/ ربيع الآخر من السنة الشيخ الفقيه المفتى شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح القرقشندى الشافعى، أحد المفتين، وأحد المعيدين بزاوية الإمام الشافعى بالجامع العمرى بمصر، ودفن من يومه بالقرافة، رحمه الله تعالى.
وفيها. فى يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر، توفى القاضى الفقيه الإمام العالم سراج الدين يونس بن عبد المجيد بن على بن داود الهذلى الشافعى الأرمنتى، قاضى الأعمال القوصيّة، وكانت وفاته بظاهر مدينة قوص بالمشهد الذى يسكنه الحكام بقوص من لسعة عقرب، ومولده بأرمنت من عمل قوص فى المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان فقيها فاضلا أصوليا وله مصنفات وشعر ليّن، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى الليلة المسفرة عن ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة القاضى فتح الدين محمد بن القاضى كمال الدين أحمد بن عيسى السّعدى المعروف بابن القليوبى وكان فيما مضى ينوب عن قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعى فى بعض الأعمال، ونقل إلى قضاء صفد نيابة عنه أيضا، ثم صرف منها، وعاد إلى الديار المصرية، فناب فى أعمال الدقهلية والمرتاحية عن قاضى القضاة المشار إليه، ونقل إلى قضاء أبيار، ثم عزل وعطل مدة، حتى ضاق عليه الحال، فتوجه/ إلى مدينة المحلة، وناب بها عن القاضى عز الدين الحاكم بالغربية/ مدة تقارب أربع سنين، ثم فارق الجهة، وحضر إلى القاهرة وهو مضعف، فاستمر به المرض، واشتدت علته إلى أن مات رحمه الله تعالى، ودفن بالقرافة، وكان ﵀ رجلا كريما فاضلا جيد الشعر والنثر، جيد البديهة لسنا حسن الفكاهة والمحاضرة والمذاكرة، ﵀ وإيانا، وكان بينه وبين نجم الدين سعيد بن أحمد بن عيسى الغمارى المالكى عداوة مستحكمة ثابتة على الحكام، فلما أيس من الحياة أرسل إليه، وسأله الصلح عما مضى والمحاللة، ففعل، ثم لم تطل حياة نجم الدين المذكور بعده، فإنه مرض أثر ذلك، ومات بالمدرسة الصالحية النجمية فى ليلة الخميس ثانى جمادى الآخرة ودفن من الغد بمقبرة باب النصر رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى فى عشية الأربعاء قبل أذان المغرب فى الثانى والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ المحدث نور الدين أبو الحسن على بن جابر بن على بن موسى بن خلف بن منصور بن عبد الله بن مالك الهاشمى الشافعى المعروف
باليمنىّ شيخ الحديث بالقبة المنصورية، وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية، وصلى عليه فى يوم الخميس بالمدرسة المذكورة، وأمّ الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم صلى عليه بسوق الخيل تحت قلعة الجبل، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة./ ومولده بمكة شرفها الله تعالى، فى سنة ثمان وأربعين وستمائة تقريبا، وكان ﵀ جيد النظم، ورحل إلى الهند وغيره من البلاد، وخلف كتبا كثيرة جدا.
وولى تدريس الحديث بعده بالقبة المنصورية الشيخ العالم زين الدين عمر ابن أبى الحزم بن يونس الشافعى المعروف بابن الكتّانى وجلس لإلقاء الدروس بالقبة فى يوم الأربعاء رابع عشر رجب، وتكلم الناس عليه لقبوله الولاية، فإنه لم يشتهر بطلب الحديث، ولا الاشتغال به وأما فقهه ومعرفته بمذهب الإمام الشافعى فغير مدفوع عنه.
وفيها فى ليلة الخميس السادس من شعبان كانت وفاة الشيخ الصالح الإمام العالم القاضى عز الدين أبى عبد الله محمد بن الشيخ كمال الدين أبى العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبى إسحاق إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللخمى المعروف جده جمال الدين بالأسيوطى، قاضى الكرك بها، وكان قد وليها فى شهر رجب سنة ست وتسعين وستمائة من قبل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، واستقر بها إلى أن مات، ومولده بالقاهرة المعزية بالجامع الظافرى المعروف الآن بالفاكهى عند أذان الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة،
ودفن بمقبرة تعرف بالقبر الجديد، وكان ﵀ فقيها عالما متقنا محققا من أجلّ مشايخ القراءات،/ والعلوم مقتصدا فى مأكله وملبسه وسائر أحواله، وكان من قضاة العدل والحق، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولا يخشى سطوة ملك، تساوى عنده فى الحق الآمر والمأمور، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة السبت الثانى والعشرين من شعبان الشيخ الفاضل العالم البارع شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبى، ثم الدمشقى كاتب الإنشاء بدمشق، وصلى عليه بجامعها، ثم بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، بتربة بناها لنفسه، ومولده فى شعبان سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان ﵀ رجلا فاضلا، كاتبا أديبا شاعرا، انتهت إليه كتابة الإنشاء، ولو قيل فيه كاتب الشرق والغرب لاستحق ذلك غير مدفوع عنه ولا منازع فيه، وكان يكتب التقاليد والتواقيع والمناشير من رأس القلم، ويأتى فيها بما لم يأت به سواه مع الفكرة والرويّة، رحمه الله تعالى، وولى بعده كتابة الإنشاء بدمشق ولده شمس الدين محمد، رسم له بذلك فى شهر رمضان من السنة باعتناء نائب السلطنة بالشام به، وقدم على غيره لهذه الوظيفة مع توفر الأعيان والأكابر بدمشق.
وفيها فى يوم الخميس رابع شهر رمضان توفيت الست الجليلة فالحة ابنة الملك الأمجد، مجد الدين حسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، ودفنت من يومها بالتربة المعظمية بسفح قاسيون، وتعرف هذه المتوفاة «بدار دينار» وكان لها بر ومعروف وإيثار، رحمها الله تعالى.
وتوفى فى يوم الجمعة خامس شهر رمضان الأمير شرف الدين عيسى بن عمر البرطاسى الكردى، أحد أمراء الطبلخاناة بمدينة طرابلس، وشادّ الدواوين بها، وكان رحمه الله تعالى رجلا شهما شجاعا مقداما، وأنشأ مدرسة بمدينة طرابلس، رافقته فى سنة عشر وسبعمائة بطرابلس، فكان حسن المرافقة، كثير الاحتمال، رحمه الله تعالى.
وفيها فى الرابع والعشرين من شهر رمضان قتل الأمير السيد الشريف ناصر الدين أبو عامر منصور بن الأمير عز الدين جمّاز بن شيحة الحسينى أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، قتله شاب من أقاربه بالبرية، وكان قد كبر وأسن، وولى إمرة المدينة بعده الأمير بدر الدين كبيش.
وفيها فى يوم السبت ثالث ذى القعدة توفى نجم الدين أبو بكر بن القاضى بهاء الدين محمد ابن الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر، كان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة وكان يقول: إن ما يخاطب به يستغنى الآن عن إعادته، ولم يزل يدعى ذلك إلى آخر وقت، رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
/
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع