من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل الأمراء فى الإقطاعات والتّقادم
قد ذكرنا فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب عاد من بلاد اليمن بمن معه من العسكر فى يوم السبت الثالث من ذى القعدة، وأنه خلع
عليه وعلى الأمراء فى يوم الاثنين خامس الشهر، وقدم تقدمته، وأهدى للأمراء هداياه، وقبل ذلك منه، ثم أعطى بعد ذلك بأيام قباء الشّتاء بطردوحش.
فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر إلى الخدمة السلطانية على عادته، ومشى فى خدمته نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون إلى دار النيابة، فقال له نائب السلطنة: قد برز أمر السلطان أن تتوجه إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر/ بغزّة، فظن أن المراد بذلك القبض عليه، فامتنع من قبول الولاية، فقال: ما المملوك من هذا القبيل، أنا من جملة أوشاقية السلطان، فإن كان قد رسم فىّ بأمر فمن الآن، وحل سيفه بيده، فغضب نائب السلطنة منه، وعوّقه بدار النيابة، واجتمع بالسلطان، وأخبره بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وأمره بأنه متى أصر على الامتناع يقتله، فكلمه فى ذلك وراجعه، فصمم على أنه لا يتوجه إلى غزة أبدا، واختار الاعتقال على ذلك، فاعتقل [فى برج عند باب القلعة] وخرج إقطاعه للأمير سيف الدين طينال، وفرق إقطاع طينال، فكمل للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى مائة فارس، وقدم على ألف، وأمر فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر اثنان بطبلخاناة، أحدهما: على ما بقى من الإقطاع المحلول عند تنقل الأمراء، والثانى: على إقطاع الأمير سيف الدين، ونقل بهادر البدرى إلى نيابة السلطنة [بقلعة الكرك، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد السلطان بالكرك، ونقل نائب السلطنة بالكرك إلى نيابة السلطنة] وتقدمة العسكر بغزة المحروسة.
وعرض السلطان فى يوم الخميس المذكور المماليك الكتابية، وعين منهم سبعين مملوكا لخدمة ولده الذى تقرر إرساله إلى الكرك.
وفيها، فى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة أمر السلطان/ بالقبض على الأمير أبى إسحاق إبراهيم ولد أخى الخليفة أبى الربيع سليمان، واعتقاله، وسبب ذلك أنه تزوج امرأة مغنية تعرف بفالحة بنت المغربية، فوقفت أمها للسلطان، وشكته، وادعت أنه تمم على الشهود، وأحضر امرأة غيرها، وسماها باسمها، واستأذنها الشهود فأذنت، وعقد العقد عليها ولم تكن هى، وادعى هو أن العقد إنما وقع عليها دون غيرها، وشهد الشهود بصحة العقد، فأمره/ السلطان بطلاقها، وأرسل إليه يقول: إنكم من بيت الخلافة، ولا يصلح أن تفعل مثل هذا، وزواج هذه عار عليك، فصمم على ألا يفارقها، واعتذر أنه يمسكها خشية أنه إذا فارقها تعود إلى الغناء، فيكون عليه عارها، فرسم السلطان أنها لا تمكن من الغناء، وراجعه فى طلاقها، فأصر وأبى ذلك، وامتنع منه، فأمر باعتقاله، فاعتقل بالبرج فى قلعة الجبل، وادعى أنه غرم عليها نحو خمسين ألف درهم، وأمر السلطان أن يستخرج ذلك منها، واعتقلت عند الشيخة البغدادية، وأخذوا جواريها المغنيات، وبقى الأمير إبراهيم المذكور فى الاعتقال أياما أفرج عنه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وأرسل إليه مع بهادر العلمى نائب الفتاح يقول له: رسم لك السلطان إن لم تطلقها حصل لك ما لا يمكن أن تستدرك فارطه، وأشهد عليه بطلاقها، فعرفه بهادر المذكور الرسالة، وشدد عليه الجواب، وما فارقه إلى أن شهد عليه بطلاقها، فتوجه بهادر، وعرف الأمير سيف الدين أرغن أنه تلفظ بالطلاق، [فشاور عليه السلطان فأفرج عنه] حين أذن، ففارقها وعادت لما كانت عليه من الغناء.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع