من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ملك الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر داود بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول وخلعه من الملك/ (١٧٧)
ملك بعد وفاة والده رحمه الله تعالى، وعمره يوم ذاك خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، فإن مولده فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وسبعمائة.
وكان سبب ملكه أنه لما مات والده نزل الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد- وكان الملك المؤيد قد فوض إليه الأستادارية والأتابكية، ونيابة السلطنة- فتوجه إلى الشجرة حفظا للجهات السلطانية، ومعه جماعة من العسكر وأعيان الأمراء، وثبت ثباتا حسنا فى تلك الليلة وحفظ نظام السلطنة، وضرب بركا على الشجرة. وكان الملك المجاهد عصر تلك الليلة قد تقدم إلى الحصن ودخله، فكاتب الأمراء والأعيان، ورغبهم فرغبوا إليه، وصعدوا إلى خدمته، وتم له نظام السلطنة، فلما استقر فى الملك عزل الأمير جمال الدين، وفوض النيابة والأتابكية إلى الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور، وكان شاد الدواوين، وكتب له منشور وقرىء فى دار الضيف، وفى ذلك اليوم عقد لولدى أخيه المفضل والفائز الألوية، ورفع لهما الطبلخاناة، وقرىء منشور شجاع الدين بحضورهما، فتغيرت قلوب الأمراء والجند من تلك الساعة، وحصل بينه وبين ابن عمه الملك الناصر مراسلة اقتضت أيمانا وعهودا، فأرسل إليه من جهته الطواشى صلاح الدين، والفقيه وجيه الدين عبد الرحمن معلمه، فحلف الناصر اليمن المغلظة.
ولما تمكن شجاع الدين من الملك المجاهد، حسن له أشياء منها أن يقبض على/ الناصر، وسعى شجاع الدين فى خلاص المعتقلين بمعقل الدملوة، وكان فيه الأميران نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر المظفرى، وشمس الدين الطّنبا أمير جندار والشريفان داود وأخوه، ولدا الشريف قاسم بن
حمزة، ونجم الدين أحمد بن أيدمر الخزندار الفارس المظفرى، وكانت لهم مدة طويلة، ومنها أن يغير مماليك أبيه، ويستجد له عسكرا، وكان هو والفقيه عبد الرحمن مدبرى دولته، وفوض قضاء الأقضية للفقيه عبد الرحمن المذكور، فأرسل شجاع الدين جماعة رايتهم/ الشيخ عيسى بن الحريرى ناظر المخلاف، وبدر الدين محمد بن الصليحى، والشيخ أحمد بن عمران رأس مذحج، للقبض على الناصر، فلما علم بذلك لجأ إلى تربة الفقيه عمر بن سعيد بذى عقيب من أعمال جبلة، فأحاطوا به، وأخذوه من التربة، ودخلوا به تعز، ثم نقل إلى عدن.
ونزل الملك المجاهد من الحصن فى ثالث المحرم إلى الشجرة، فلبث بها إلى مستهل شهر ربيع الأول، ثم تقدم إلى الجند فلبث بها أياما، ثم توجه إلى الدّملوة، فدخلها وخرج منها، ولم يعط أحدا مما جرت به العادة إلا قليلا ممن يختص به، ومنع الملوك من الدخول إلى المنصورة، فتغيرت قلوب الناس عليه، ولما نزل من الدملوة توجه إلى ثعبات، وعزم على أخذ حصن السمدان من عمه الملك المنصور.
فلما علم الأمراء البحرية وأكابر الدولة ما أضمره شجاع الدين لهم، بادر جماعة/ منهم فى النصف الأخير من جمادى الآخرة، فقتلوا شجاع الدين المذكور فى داره بالمحاريب هو وقاضيه الفقيه عبد الرحمن، ثم قبضوا على الملك المجاهد وهو بثعبات، ونهبت تلك الليلة دور كثيرة بالمغربة والمحاريب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع