من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
غرائب اتفاق
اتفاقية جليلة- ولد النبي ﵌ يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفّي يوم الاثنين.
اتفاقية أخرى- قتل عبد الله بن زياد الحسين بن عليّ ﵉ يوم عاشوراء، وقتله الله على يد إبراهيم بن الأشتر في يوم عاشوراء.
أخرى- قال عبد الملك بن عمير الليثيّ: رأيت في قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين بن عليّ بين يدي عبد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت فيه رأس عبد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت فيه رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت فيه رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان. قال: فحدّثت بهذا عبد الملك بن مروان فتطير منه ففارق مكانه.
أخرى- قال الصولي: حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب أنه لما ولي المعتز لم تمض مدّة لطيفة حتّى أحضر الناس وأخرج المؤيد وقيل اشهدوا أنه دعي فأجاب، وليس به أثر؛ ثم مضت مدّة شهر فأحضر الناس وأخرج المستعين وقال: إن منيته أتت عليه، وها هو لا أثر به فاشهدوا؛ ثم خلع المعتز، واستخلف المهتدي؛ ولم يمض إلا مديدة حتّى أخرج المعتزّ ميتا وقال: أشهدوا، أنه قد مات حتف أنفه ولا أثر به؛ ثم لم تكمل السنة حتّى استخلف المعتمد فأخرج المهتدي ميتا وقال: اشهدوا أنه قد مات حتف أنفه من جراحته، فتعجب الناس من تلاحقهم في مدة يسيرة.
عبرة- مات المكتفي بالله عن مائة ألف ألف دينار، ولما غسّل لم توجد مجمرة بيخر فيها إلا مجمرة من خزف أحمر، وكان فيما خلف ألوف من مجامر الذهب والفضة. قال أحمد بن أبي دواد: لقد شددت لحيي المأمون، والمعتصم، والواثق، بعد موتهم، فلم أجد خرقة أشدّ بها لحيي واحد منهم إلا ما أخرقه من الدراريع التي تكون عليّ.
لطيفة- في سنة ثلاث وثمانين ومائتين أمر المعتضد بردّ فاضل سهام المواريث على ذوي الأرحام، وأبطل ديوان الموايث، وكتب بذلك إلى الآفاق.
لطيفة- في سنة أربع وثمانين ومائتين أخبر المنجمون بغرق أكثر الأقاليم بسبب كثرة الأمطار وزيادة الأنهار فتحفّظ الناس من ذلك فقلّت الأمطار حتى استسقوا ببغداد مرّات.
غريبة- ذكر ابن سينا في المقالة الأولى من كتابه الشفاء أنه نزل
بجرجان صاعقة من الهواء فنشبت في الأرض، ثم نبت نبوة الكرة وسمع الناس لذلك صوتا عظيما هائلا فحفروا عليها فإذا هي قطعة من حديد تقدير مائة وخمسين منّا، وهي أجزاء جاورشيّة صغار مستديرة، التصق بعضها ببعض، فكتب محمود بن سبكتكين، صاحب خراسان بإنفاذه إليه أو قطعة منه فتعذر نقله لثقله فحاولوا كسر قطعة منه فلم تعمل فيه الآلات، فعولج كسره فقطع منه قطعة لطيفة، وحملت إليه فرام أن يطبع منها سيفا فتعذر عليه.
لطيفة أخرى- في سنة إحدى عشرة وخمسمائة جاء سيل عظيم فغرّق مدينة سنجار من بلاد الجزيرة، وهدم المنازل، وأغرق خلقا كثيرا. ومن غريب ما حكي أن السيل حمل مهدا فيه صبيّ صغير، فتعلق المهد بشجرة زيتون، وغاض الماء، وبقي المهد معلقا بالشجرة فسلم الصغير.
أعجوبة- في سنة ستين وأربعمائة كان بمصر وفلسطين زلزلة عظيمة، طلع فيها الماء من رؤوس الآبار، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرض البحر يلتقطون ما انكشف البحر عنه مما في أرضه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا.
ثم في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وقع ببلاد الشام زلزلة عظيمة خربت شيزر، وحماه، وحمص، وحصن الأكراد، وطرابلس وأنطاكية، وغيرها من البلاد التي حولها، ووقعت الأسواق والقلاع حتّى تداركها نور الدين الشهيد ﵀ بالعمارة.
فائدة- في سنة اثنتين وخمسمائة قلع المقتفي الخليفة باب الكعبة، وعمل عوضه بابا مصفّحا بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأوّل تابوتا ليدفن فيه.
نادرة- في سنة خمس وستين وسبعمائة وقع ثلج عظيم بالشام فكسر الأشجار وقطع الطرق لا سيما بعكبراء وما حولها.
أخرى- في سنة سبعين وسبعمائة ظهر بالشام جراد عظيم لم يسمع بمثله، وامتدّ من مكة إلى الشام، وعظم بحوران حتّى أكل الأشجار، والأخشاب، وأبواب الدور، وما وصل إليه من الأصبغة والقماش، وسدّت أعين الماء خوفا من أن يفسدها، وكان من شأنه بعجلون أنه امتلأت منه المدينة وغلّقت الأسواق، وطبّقت أبواب الدكاكين والطاقات، وسدّت الأبواب وحضروا لصلاة الجمعة فملأ عليهم الجامع، وترامى على الخطيب على المنبر حتّى شغله عن الخطبة، وكذلك حيّر الناس حتّى خرجوا من الجامع يخبّون فيه خبّا إلى الركب، وأنتنت لكثرة ما قتل منه حتّى صار أهل البلد يشمّون القطران ليغطّي رائحته وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
أخرى- في سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة رأى أهل الشام في السماء بعد مغيب الشّفق حمرة عظيمة من جهة الشمال، ثم اشتدّت الحمرة حتّى صارت كالنار الموقدة وانتشرت في السماء حتّى كاد يغطي ثلثها، وعمّ بلاد الشام حتّى كان بدمشق، وبعلبكّ وحلب، وقاقون، والرملة، والقدس، وطرابلس، حتّى خاف جميع أهل هذه البلاد على أنفسهم الهلاك، وضرعوا إلى الله تعالى، وابتهلوا إليه، فكشف الله عنهم بعد نصف الليل.
قلت: وقد رأيت مثل هذه الآية العظيمة بمصر في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة: وهو أنه ظهرت حمرة عظيمة من جهة الغرب فوق حمرة النار، وجاء
من وراء تلك الحمرة برق ساطع. فصار كلما لمع البرق داخل تلك الحمرة يخال الناظر أنها نار لا محالة حتّى داخلني منه أنه عذاب قد صبّ على الناس، ثم انقشع بعد العشاء بقليل فلذلك لم يننبه له أهل مصر. وبالجملة فوقائع الدهر وعجائبه أكثر من أن تحصر، ولا يحتمل هذا الموضع أكثر من هذا القدر.
واللّيالي كما علمت حبالىمقربات يلدن كلّ عجيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع