من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الرابع ما كان محالا، وهو ما لا يمكن كونه البتة، كقولك آتيك أمس، وأتيتك غدا، وما أشبه ذلك
قال في «الصناعتين»: فإن اتصل الكذب بمحال صار كذبا محالا، كقولك: رأيت قاعدا قائما، ومررت بيقظان نائم، فإنه كذب للإخبار بخلاف الواقع، ومحال لعدم إمكان الجمع بين النقيضين، وقد تقدّم في النوع الثالث أن أكثر الشعر مبني على الكذب، والاستحالة من الصفات الممتنعة والنعوت الخارجة عن العادة، وذلك في الكذب مما لا نزاع في كثرته في الشعر كما تقدّم.
أما المحال فإنه قليل الوقوع، نادر في النظم والنثر، معدود من المعايب، محكوم عليه بالردّ.
فمن ذلك قول عبد الرحمن بن عبد القسّ:
وإنّي إذا ما الموت حلّ بنفسهايزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
قال العسكريّ: هذا من المحال الذي لا وجه له، قال: وهو شبيه بقول
القائل: إذا دخل زيد الدار، دخل عمرو قبله، ثم قال: وهذا عين المحال الممتنع الذي لا يجوز، يريد أنه قد توقف كل من الأمرين على الآخر لأنه لا يوجد إلا به فيلزم الدّور، وهو محال فيحكم فيه بالبطلان وقطع الدّور.
ومما يلتحق بالمحال وينخرط في سلكه تناقض المعاني واضطرابها.
فمن ذلك قول المسيّب بن علس في وصف ناقة:
فتسلّ حاجتها إذا هي أعرضتبخميصة سرح اليدين وساع
فكأنّ قنطرة بموضع كورهاملساء بين غوامض الأنساع
وإذا أطفت بها أطفت بكلكلبيض الفرائص مجفر الأضلاع
قال في «الصناعتين»: وهذا من المتناقض لأنه قال بخميصة، ثم قال موضع كورها قنطرة، وهي مجفرة الأضلاع، فكيف تكون خميصة وهذه صفتها! وقريب منه قول الحطيئة:
حرج يلاوذ بالكناس كأنّهمتطوّف حتّى الصباح يدور
حتّى إذا ما الصّبح شقّ عمودهوعلاه أسطع من سناه منير
وحصى الكثيب بصفحتيه كأنّهخبث الحديد أطارهنّ الكير
زعم أنه لم يزل يطوف حتّى أصبح وأشرف على الكثيب، فمن أين صار الحصى بصفحتيه! وقول المرقّش الأصغر:
صحا قلبه عنها على أن ذكرةإذا خطرت دارت به الأرض قائما
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت دارت به الأرض!
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع