من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الأوّل ما كان من المعاني مستقيما حسنا
، كقولك رأيت زيدا وهو أعلى الأنواع الخمسة وأشرفها قال في «الصناعتين»: والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحته حتّى يوجد المعنى فيه خطيبا.
فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم، فمن الوعظ قول النّمر بن تولب يذم طول الحياة:
يودّ الفتى طول السّلامة والغنىفكيف ترى طول السلامة يفعل
يكاد الفتى بعد اعتدال وصحّةينوء إذا رام القيام ويحمل
وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت:
وكانت في حياتك لي عظاتوأنت اليوم أوعظ منك حيّا!
وفي وصف الأيام قول أبي تمّام:
على أنها الأيّام قد صرن كلّهاعجائب حتّى ليس فيها عجائب
ومن المدح قول أمية بن أبي الصّلت:
عطاؤك زين لأمريء إن حبوتهبسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لأمريء بذل وجههإليك كما بعض السّؤال يشين
وقول أبي تمام:
يستعذبون مناياهم كأنّهملا ييأسون من الدّنيا إذا قتلوا
وقول الآخر:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهمفما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
ومن الفخر قول معن بن أوس.
لعمرك ما أهديت كفّي لريبةولا حملتني نحو فاحشة رجلي!
ولا قادني سمعي ولا بصري لهاولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي!
وأعلم أنّي لم تصبني مصيبةمن الدّهر إلا قد أصابت فتى قبلي!
ولست بماش ما حييت لمنكرمن الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي!
ولا مؤثر نفسي على ذي قرابةوأوثر ضيفي ما أقام، على أهلي!
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء في جانب الفقر
وقول الشنفرى:
أطيل مطال الجوع حتّى أميتهوأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشربيعاش به إلا لديّ ومأكل
ومن الغزل قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك بهوهنّ أضعف خلق الله أركانا
وقول النظام:
توهّمه طرفي فآلم خدّهفصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه قلبي فآلم كفّهفمن صفح قلبي في أنامله حفر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحتهولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
ومن التشبيب قول القائل:
ومن عجب أنّي أحنّ إليهموأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادهاويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وقول الآخر:
إن لم أزر ربعكم سعيا على حدقيفإنّ ودّي منسوب إلى الملق
تبّت يدي إن ثنتني عن زيارتكمبيض الصّفاح ولو سدّت بها طرقي
ومن الحكمة قول المتنبي:
والظّلم من شيم النّفوس فإن تجدذا عفّة فلعلّة لا يظلم
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه؟
وقول الآخر:
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أيّ الرّجال المهذّب؟
ومن الهجو قول الطّرمّاح في تميم:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلّت
وقول الآخر:
لو اطّلع الغراب على تميموما فيها من السّوءات شابا
إلى غير ذلك من معاني الشعر الحسنة البهيجة الرائقة.
ومما ينخرط في هذا السلك من النثر ما يحكى أن أعرابيا وقف على عبد الملك بن مروان برملة اللّوى فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامي، وقدّم معاذه من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة، والحال مسغبة، والحياء زاجر، يمنع من كلامكم، والفقر عاذر، يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرأ أمر بمير، أو دعا بخير.
ومعاني القاضي الفاضل هي التي ترقص لها القلوب، وتطرب لها الألباب، ويهجم قبولها على النفوس من غير حاجب ولا بوّاب؛ فمن ذلك قوله:
«يا بني أيّوب، لو ملكتم الدهر لا متطيتم لياليه أداهم، وقلّدتم أيامه صوارم، وأفنيتم شموسه وأقماره في الهبات دنانير ودراهم؛ وأيّامكم أعراس وما ثمّ
فيها على الأموال مآتم، والجود في أيديكم خاتم، ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم».
فهذا هو السّحر الحلال، والمعاني التي تخضع لها شمّ الجبال، ولا يقال فيه قيل ولا قال.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع