تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوجه الثاني فيما تتّخذ منه وتتعاهد به

قال بعض الكتّاب: تكون من الحرير والصّوف والقطن، ويقال فيه

الكرسف، والبرس، والطّوط، والعطب، والأولى أن تكون من الحرير الخشن: لأن انتفاشها في المحبرة وعدم تلبّدها أعون على الكتابة. قال بعض الكتّاب: ويتعين على الكاتب أن يتفقد اللّيقة ويطيّبها بأجود ما يكون، فإنها تروح على طول الزّمن، ولله القائل:

متظرّف شهدت عليه دواتهأن الفتى لا كان غير ظريف
إن التفقّد للدّواة فضيلةموصوفة للكاتب الموصوف

وكان بعض الكتّاب يطيّب دواته بأطيب ما عنده من طيب نفسه، فسئل عن ذلك فقال: لأني أكتب به اسم الله تعالى واسم رسوله ﷺ واسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وربما سبق القلم بغير إرادتنا فنلحسه بألسنتنا ونمحوه بأكمامنا.

قال الشيخ علاء الدين السّرّمرّيّ: ويتعين على الكاتب تجديد اللّيقة في كل شهر، وأنه حين فراغه من الكتابة يطبّق المحبرة لأجل ما يقع فيها من التراب ونحوه، فيفسد الخط. ونظم ذلك في أرجوزته فقال:

وجدّد اللّيقة كلّ شهرفشيخنا كان بهذا يغري
لأجل ما يقع فيها من قذىفينتشي من ذاك في الخطّ أذى

وينبغي له مع ذلك أن يصونها عن الأشياء القذرة كالبصاق ونحوه، فقد حكى محمد بن عمر المدائني أن بعض العلماء رأى صبيّا يبصق في دواته فزجره وقال لمعلّمه: امنع الصّبيان عن مثل هذا، فإنما يكتبون به كلام الله. قال محمد بن عمر المدائني: كأنه تحرّج أن يكتب القرآن بمداد غير نظيف. قال المدائني: وكان بلغني عن ابن عباس أنه أجاز أن يبصق الرجل في دواته، فسألت احمد بن عمرو البزاز عن ذلك فأنكره، وقال: هذا حديث كذب، وضعه عاصم بن سليمان الكوذن، وكان كذّابا ذكرته لأبي داود الطيالسي فقال: هو كذّاب يجب أن تعرفوا

كذبه، صفوا له مسألة حتّى يحدّثكم بحديث، فقال: فجئت أنا وعمر بن موسى الحارثيّ في جماعة، فقال له عمر: ما تقول في الرجل يبزق في الدواة ويستمدّ منها؟

وكان قد ذهب بصره، فقال: حدّثنا عبد الله بن نافع عن ابن عمر أنه كان يبزق في الدواة ويستمدّ منها، ثم قال: وحدّثنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس مثل ذلك، قال: فهمز بعض أصحابنا وقال: كان ابن عباس لا يبصر، قال:

ففهم، فقال: نعم، كان ابن عباس لا يرى بذلك بأسا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.