تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوجه الأوّل في تسميتهما واشتقاقهما

أما المداد فسمّي بذلك لأنه يمدّ القلم أي يعينه وكل شيء مددت به شيئا فهو مداد، قال الأخطل:

رأت بارقات بالأكفّ كأنّهامصابيح سرج أوقدت بمداد
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أتغضب قيس أن هجوت ابن مسمع»

سمى الزيت مدادا لأن السّراج يمدّ به، فكل شيء أمددت به الليقة مما يكتب به فهو مداد، وقال ابن قتيبة في قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي

: هو من المداد لا من الإمداد. ويقال: أمدّ القلم في الخير مثل وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ

ومدّه في الشر، مثل وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا

. ويقال فيه أيضا نقس ونقس، بكسر النون وفتحها مع إسكان القاف ومع السين المهملة فيهما، والكسر أفصح، ويجمع على أنقاس.

وأما الحبر، فأصله اللون، يقال فلان ناصع الحبر يراد به اللون الخالص

الصافي من كل شيء، قال ابن أحمر يذكر امرأة:

تتيه بفاحم جعدوأبيض ناصع الحبر

يريد سواد شعرها، وبياض لونها؛ وفي الخبر «يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره» بكسر الحاء المهملة والسين فيهما. قال ابن الأعرابي: حبره:

حسنه، وسبره هيئته، وقال المبرد: قال التوزيّ: سألت الفرّاء عن المداد لم سمّي حبرا، فقال: يقال للمعلّم حبر وحبر يعني بفتح الحاء وكسرها، فأرادوا مداد حبر أي مداد عالم، فحذفوا مداد وجعلوا مكانه حبرا. قال: فذكرت ذلك للأصمعيّ فقال: ليس هذا بشيء إنما هو لتأثيره، يقال: على أسنانه حبر إذا كثرت صفرتها حتّى صارت تضرب إلى السواد، والحبر: الأثر يبقى في الجلد، وأنشد:

لقد أشمتت بي آل فيد وغادرتبجلدي حبرا بنت مصّان باديا

أراد بالحبر الأثر، يعني أثر الكتابة في القرطاس، قال المبرد: وأنا أحسب أنه سمّي بذلك لأن الكتاب يحبّر به أي يحسّن، أخذا من قولهم: حبّرت الشيء تحبيرا إذا حسّنته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.