تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوجه الثاني في شرف المداد والحبر، واختيار السواد لذلك

في الخبر «يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة فيوضع أحدهما في كفّة الميزان والآخر في الكفّة الأخرى فلا يرجح أحدهما على الآخر» قال بعض الحكماء: صورة المداد في الأبصار سوداء، وفي البصائر بيضاء. وقد قيل:

كواكب الحكم في ظلم المداد. ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد، وهو يستره منه، فقال له: يا هذا، إن المداد من المروءة. وأنشد أبو زيد:

إذا ما المسك طيّب ريح قومكفتني ذاك رائحة المداد
وما شيء بأحسن من ثيابعلى حافاتها حمم السّواد

وقال بعض الأدباء: عطّروا دفاتر الآداب بسواد الحبر. وكان في حجر إبراهيم بن العباس قرطاس يمشق فيه كلاما فأسقط فمسحه بكمه، فقيل له: لو مسحته بغيره؟ فقال: المال فرع والقلم أصل، والأصل أحق بالصون من الفرع.

وأنشد في ذلك:

إنّما الزّعفران عطر العذارىومداد الدّويّ عطر الرّجال
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة

وأنشد غيره:

من كان يعجبه أن مسّ عارضهمسك يطيّب منه الريح والنّسما
فإن مسكي مداد فوق أنملتيإذا الأصابع يوما مسّت القلما

على أن بعضهم قد أنكر ذلك، وقال: المداد في ثوب الكاتب سخافة، ودناءة منه وقلة نظافة، قال أبو العالية: تعلمت القرآن والكتابة، وما شعر بي أهلي، وما رؤي في ثوبي مداد قط. وأنشدوا:

دخيل في الكتابة يدّعيهاكدعوى آل حرب في زياد
يشبّه ثوبه للمحو فيهإذا أبصرته ثوب الحداد
فدع عنك الكتابة لست منهاولو لطّخت وجهك بالمداد

وقال فارس بن حاتم: ببريق الحبر تهتدي العقول لخبايا الحكم، لأنه أبقى على الدهر، وأنمى للذّكر وأزيد للأجر.

واعلم أن المداد ركن من أركان الكتابة، وعليه مدار الربع منها وأنشدوا في ذلك:

ربع الكتابة في سواد مدادهاوالرّبع حسن صناعة الكتّاب
والرّبع من قلم تسوّي بريهوعلى الكواغد رابع الأسباب

قال بعض العلماء ﵏: وإنما اختير فيه السواد دون غيره لمضادّته

لون الصحيفة. قال: وليس شيء من الألوان يضادّ صاحبه كمضادة السواد للبياض قال الشاعر:

فالوجه مثل الصبح مبيضّوالفرع مثل الليل مسودّ
للشاعر دوقلة المنبجي، اقرأ القصيدة
ضدّان لما استجمعا حسناوالضّدّ يظهر حسنه الضّدّ
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ويقال في المداد: أسود قاتم، وهو أوّل درجة السواد، وحالك وحانك، وحلكوك، وحلبوب، وداج، ودجوجيّ، وديجور، وأدهم، ومدهامّ.

قال المدائني: حدّثني بذلك محمد بن نصر عن أحمد بن الضحاك عن أبي عبيدة.

كتب جعفر بن حدار بن محمد إلى دعلج بن محمد يستهديه مدادا:

يا أخي للوداد لا للمدادوصديقي من بين هذا العباد
والذي فيه ألف مجد طريفقد أمدّت بألف مجد تلاد
أنا أشكو إليك حال دواتيأصبحت تقتضي قميص حداد

ولله منصور بن إسماعيل حيث يقول:

وسوداء مقلتها مثلهاوأجفانها من لجين صقيل
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
إذا أذرفت عبرة خلتهاكغالية فوق خدّ أسيل
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.