من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الأولى في الحث على تحسين الخط
لا خفاء أن حسن الخط من أحسن الأوصاف التي يتصف بها الكاتب، وأنه يرفع قدره عند الناس، ويكون وسيلة إلى نجح مقاصده، وبلوغ مآربه؛ مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد التي لا تكاد تحصى كثرة.
وقد قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: «الخط الحسن يزيد الحق وضوحا».
وقال بعض العلماء: الخط كالروح في الجسد، فإذا كان الإنسان جسيما
وسيما حسن الهيئة، كان في العيون أعظم، وفي النفوس أفخم، وإذا كان على ضدّ ذلك سئمته النفوس، ومجّته القلوب؛ فكذلك الخط إذا كان حسن الوصف، مليح الرّصف مفتّح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشّت إليه النفوس، واشتهته الأرواح؛ حتّى إن الإنسان ليقرؤه وإن كان فيه كلام دنيء، ومعنى رديء، مستزيدا منه ولو كثر، من غير سآمة تلحقه؛ وإذا كان الخط قبيحا مجّته الأفهام، ولفظته العيون والافكار، وسئم قارئه، وإن كان فيه من الحكمة عجائبها، ومن الألفاظ غرائبها.
ويقال: إن الخط مواز للقراءة، فأجود الخط أبينه، كما أن أجود القراءة أبينها؛ ولا يخفى أن الخط الحسن هو البيّن الرائق البهج. ثم قد تقدّم في الكلام على أصل الخط أن الخطّ واللفظ يتقاسمان فضيلة البيان، ويشتركان فيها.
قال في «مواد البيان»: ولما كان الخط قسما للّفظ في البيان الذي امتنّ الله تعالى بتعليمه على الإنسان، وجب على الكاتب أن يعنى بأمر الخط، ويراعي من تجويده وتصحيحه، ما يراعيه من تهذيب اللفظ وتنقيحه، ليدلّ على سرعة وسهولة كما يدلّ اللفظ البليغ البيّن، لأن الخط وإن كان على الإطلاق في المنزلة التي لا تساوى من الشرف فإنما تحصل فضائله للجيّد منه، كما أن المنطق وإن كان من الشرف في هذا الحدّ فإنما تحصل فضائله التامّة لمنطق البليغ اللّسن، دون منطق العييّ الألكن، وكذلك سائر الصنائع الفاضلة على الإطلاق إنما يحصل فضلها للماهر فيها دون المبتديء.
قال: فينبغي للكاتب ألّا يقدّم على تهذيب خطه وتحريره شيئا من آدابه فإن جودة الخط أوّل الأدوات التي ينتظم بحصولها له اسم الكتابة، ويحكم عليه إذا
حازها بأنه من أهلها. وقد دخل بحسن الخط في الصناعة من إذا فحص عن مقدار معرفته وجب أن تنزّه الكتابة عن نسبته إليها.
ويجب مع ذلك أن يراعي تأسيس الخط على الوضع الذي اصطلح عليه المجيدون من الكتّاب، فقد قسم أهل الصناعة الخطّ إلى قسمين: محقّق ومطلق.
فأما المحقّق فما صحّت أشكاله وحروفه على اعتبارها مفردة.
قال في «موادّ البيان»: وهذا القسم هو الذي يستعمل في الأمور الجسمية: ككتب العهود، والإسجالات، والتمليكات التي تبقى على الأعقاب، والمكاتبات الصادرة عن الملوك إلى الملوك، الدالة على قدر المكتوب عنه والمكتوب إليه.
وأما المطلق فهو الذي تداخلت حروفه واتصل بعضها ببعض.
قال في «مواد البيان»: وهو خط مولّد من المحقّق، يستعمل في تنفيذ ما لا يمكن تأخيره من المكاتبات المهمّة والأمور العامة. قال: ويجب أن يلزم الطريقة في كل واحد من الخطين، ولا يخلط حروف أحدهما بحروف الآخر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع