تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

السادسة علامة الهمزة

والمتقدّمون يجعلونها نقطة صفراء ليخالفوا بها نقط الإعراب كما تقدّم في كلام الشيخ أبي عمرو الدانيّ ﵀، ويرسمونها فوق الحرف أبدا، إلا أنهم يأتون معها بنقط الإعراب الدالة على السكون والحركات الثلاث بالحمرة على ما تقدّم، وسواء في ذلك كانت صورة الهمزة واوا أو ياء أو ألفا؛ إذ حق الهمزة أن تلزم مكانا واحدا من السطر، لأنها حرف من حروف المعجم. والمتأخرون يجعلونها عينا بلا عراقة، وذلك لقرب مخرج الهمزة من العين، ولأنها تمتحن بها كما سيأتي.

ثم إن كانت الهمزة مصوّرة بصورة حرف من الحروف، فإن كانت الهمزة ساكنة، جعلت الهمزة من أعلى الحرف مع جزمة بأعلاها. وإن كانت مفتوحة، جعلت بأعلى الحرف أيضا مع نصبة بأعلاها. وإن كانت مضمومة، جعلت بأعلى الحرف مع رفعة بأعلاها. وإن كانت مكسورة، جعلت بأسفل الحرف مع خفضة بأسفلها، وربما جعلت بأعلى الحرف والخفضة بأسفله.

وقد اختلف القدماء من النحويين في أيّ الطّرفين من اللام ألف هي الهمزة، فحكي عن الخليل بن أحمد ﵀ أنه قال: الطّرف الأوّل هو الهمزة، والطّرف الثاني هو اللام.

قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وإلى هذا ذهب عامّة أهل النقط؛ واستدلوا على صحة ذلك بأن رسم هذه الكلمة كانت أوّلا لاما مبسوطة في طرفها ألف على هذه الصورة «لا» كنحو رسم ما أشبه ذلك مما هو على حرفين من سائر حروف المعجم مثل «يا، وها» وما أشبههما إلا أنه استثقل رسم ذلك كذلك في اللام ألف خاصة لاعتدال طرفيه لمشابهة كتابة الأعاجم فحسن رسمه بالتضفير فضم أحد الطرفين إلى الآخر فأيهما ضم إلى صاحبه كانت الهمزة أولى ضرورة.

وتعتبر حقيقة ذلك بأن يؤخذ شيء من خيط ونحوه فيضفّر ويخرج كل واحد من الطرفين إلى جهة، ثم يقام الطرفان فيتبين من الوجهين أن الأوّل هو الثاني في الأصل، وأن الثاني هو الأوّل لا محالة في التضفير.

وأيضا فقد اتفق أهل صناعة الخط من الكتّاب القدماء وغيرهم على أنه يرسم الطّرف الأيسر قبل الطّرف الأيمن، ولا يخالف ذلك إلا من جهل صناعة الرسم إذ هو بمنزلة من ابتدأ برسم الألف قبل الميم في «ما» وشبهه مما هو على حرفين، فثبت بذلك أن الطرف الأوّل هو الهمزة، وأن الطرف الثاني هو اللام، إذ الأوّل في أصل القاعدة هو الثاني، والثاني هو الأوّل على ما مرّ؛ وإنما اختلف طرفاها من أجل التضفير.

وخالف الأخفش، فزعم أن الطرف الأوّل هو اللام، والطرف الثاني هو

الهمزة، واستشهد لذلك بأن ما تلفظ به أوّلا هو المرسوم أوّلا وما تلفّظ به آخرا هو المرسوم آخرا، ونحن إذا قرأنا «لأنت ولأنه» ونحوهما لفظنا باللام أوّلا ثم بالهمزة بعدها. ونازعه في ذلك الشيخ أبو عمر الدانيّ. والحق أن ذلك يختلف باختلاف اللام ألف على ما رتّبه متأخّر والكتّاب الآن، ففي المضفورة على ما تقدّم، وفي المصوّرة بهذه الصورة «لا» بالعكس.

وإن كانت الهمزة غير مصوّرة بحرف من الحروف كالهمزة في جزء وخبء، جعلت العلامة في محل الهمزة من الكلمة مع علامة الإعراب: من سكون، وفتح، وضم، وكسر. فإن عرض للهمزة مع حركة من الحركات الثلاث تنوين، جعل مع الهمزة علامة التنوين: من نصبتين أو رفعتين أو خفضتين على ما مرّ في غير الهمزة.

قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وتمتحن الهمزة في موضعها من الكلام بالعين، فحيث وقعت العين وقعت الهمزة مكانها، وسواء كانت متحركة أو ساكنة لحقها التنوين أو لم يلحقها، فتقول في آمنوا عامنوا، وفي وآتى المال وعاتى المال، وفي مستهزئين مستهزعين، وفي خاسئين خاسعين، وفي مبرّئون مبرعون، وفي متكئون متكعون، وفي ماء ماع، وفي سوء سوع، وفي أولياء أولياع، وفي تنوء تنوع، وفي لتنوء لتنوع، وفي أن تبوّأ أن تبوّعا، وفي تبوء تبوع، وفي من شاطيء من شاطع، وكذلك ما أشبهه حيث وقع فالقياس فيه مطّرد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.