تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الضرب الأوّل ما بحاضرتها

أما جيوشها فمن التّرك ومن في معناهم، وبها عدّة من أمراء الطبلخاناه والعشرات والخمسات ومقدّمي الحلقة وأجنادها، وليس بها مقدّم ألف. وقد تقدّم في الكلام على قواعد الشأم المستقرّة أنها كانت بيد بقايا الملوك الأيوبية إلى آخر الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» في سلطنته الأخيرة. قال في «مسالك الأبصار»: إن صاحبها كان يستقل فيها بإعطاء الإمرة والإقطاعات وتولية القضاة والوزراء وكتّاب السر وسائر الوظائف بها، وتكتب المناشير والتواقيع من جهته

ولكنه لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو وظيفة كبيرة حتّى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا بأن الرأي ما تراه ومن هذا ومثله، وربما كتب له مرسوم شريف بالتصرف في مملكته. قال في «مسالك الأبصار»: ومع ذلك فصاحب مصر متصرف في ولاية صاحبها وعزله، من شاء ولّاه ومن شاء عزله، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن خلع الأفضل محمد بن المؤيد المتقدّم ذكره من سلطنتها، بعد موت السلطان الملك الناصر وملك ابنه أبي بكر؛ ونائبها من أكابر الأمراء المقدّمين، ولكنه في الرتبة دون نائب طرابلس وإن كان مساويا له في المكاتبة من الأبواب السلطانية؛ ويظهر ذلك في كتابة المطلقات الكبار حيث يذكر نائب طرابلس قبله.

وبها من وظائف أرباب السيوف الحجوبية؛ وبها حاجبان: الكبير منهما طبلخاناه والثاني عشرة؛ والمهمندارية، وبها اثنان وهما جنديّان؛ وشدّ مراكز البريد، وبه جنديّ؛ وأمير اخورية البريد، ومتوليها جنديّ؛ وولاية المدينة، وواليها جنديّ؛ ونقابة العساكر، وبها اثنان وهما جنديان أحدهما أكبر من الآخر.

وجميع أرباب الوظائف يوليهم النائب بها بتواقيع كريمة، وليس بها قلعة لها نائب.

وبها من الوظائف الدينية من أرباب الأقلام أربعة قضاة من المذاهب الأربعة، وولايتهم من الأبواب السلطانية بتواقيع شريفة، وقاضي عسكر حنفيّ، وليس بها قضاة عسكر من المذاهب الثلاثة الأخر ولا مفتو دار عدل؛ وبها وكيل بيت المال، وولايته من الأبواب السلطانية بتوقيع شريف ووكالة شرعية؛ ومحتسب بولاية عن النائب بتوقيع كريم.

وبها من الوظائف الديوانية من أرباب الأقلام كاتب سر، ويعبّر عنه في ديوان الإنشاء بصاحب ديوان المكاتبات بحماة المحروسة، وولايته من الأبواب

السلطانية بتوقيع شريف، وله أتباع من كتّاب الدست وكتّاب الدّرج وولايتهم عن النائب بتواقيع كريمة؛ وبها ناظر المملكة القائم مقام الوزير، وولايته من الأبواب السلطانية بتوقيع شريف، وله أتباع من كتّاب وشهود، وولايتهم عن النائب بتواقيع كريمة. إلى غير ذلك من وظائف صغار يوليها النائب بتواقيع كريمة.

وترتيب الموكب بها أن النائب بها يركب من دار النيابة في يومي الخميس والاثنين وصحبته العسكر من الأمراء وأجناد الحلقة، ويخرج إلى خارج المدينة من قبليها ويسير في الموكب إلى ضيعة تسمّى بقرين على القرب من حماة، ثم يعود في موكبه حتّى يقف بسوق الخيل بمكان خارج المدينة يعرف بالموقف، وينادى بينهم على الخيول، وربما نودي على بعض العقارات، ثم تصيح الجاويشية، وينصرف عن ذلك المكان ويدخل المدينة، ويأتي دار النيابة ويدخل أوّل العسكر من داخل باب يعرف بباب العسرة، ثم يترجل الناس على الترتيب على قدر منازلهم حتّى لا يبقى راكب سوى النائب بمفرده، ولا يزال راكبا حتّى يترجل بشبّاك بدار النيابة معدّ للحكم فيجلس فيه ويجلس عنده داخل الشّبّاك القضاة الأربعة: الشافعيّ والحنفيّ عن يمينه، والمالكيّ عن يساره والحنبليّ يليه؛ ويجلس الأمراء على قدر منازلهم، وكاتب السر وناظر الجيش أمام النائب خارج الشّبّاك؛ ويقف هناك الحاجبان والمهمندار ونقيب النقباء، وترفع القصص فيقرؤها كاتب السر عليه ويرسم فيها بما يراه، ثم يقوم من مجلسه ذلك وينصرف القضاة ويدخل إلى قبّة معدّة لجلوسه ومعه كاتب السر وناظر الجيش والأمراء فيفصل بقية أموره مما يتعلق بالجيش وغيره، ثم يمد السّماط بعد ذلك فيأكلون وينصرفون.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.