من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطبقة الرابعة (ملوك الروم بعد الفتح الإسلاميّ إلى زماننا)
قد تقدّم أن النبيّ ﷺ بعث وهاجر وهرقل ملك الروم، وكتب إليه يدعوه إلى
الإسلام. وبقي هرقل إلى أن افتتح المسلمون الشأم في خلافة عمر بن الخطّاب ﵁. فلما غلب المسلمون على أكثر بلاد الشأم، خرج إلى الرّها، ثم علا على نشز من الأرض والتفت إلى الشأم وقال: «السلام عليك يا سور يا سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميّ بعدها إلا خائفا» وسار حتّى بلغ القسطنطينيّة فأقام بها، واستولى المسلمون على الشأم ومصر والإسكندرية وأفريقيّة والأندلس، وأستولوا على جزائر البحر الرّومي: مثل صقلّيّة، ودانية، وميورقة وغيرها مما كان بيد الرّوم. وأقام في الملك إحدى وثلاثين سنة، وهلك لإحدى وعشرين سنة من الهجرة.
وملك بعده على الرّوم بقسطنطينيّة ابنه (قسطنطين) بن هرقل فأقام ستة أشهر وقتله بعض نساء أبيه.
وملك بعده أخوه (هرقل) بن هرقل، فتشاءم به الروم فخلعوه وقتلوه.
وملّكوا عليهم (قسطينو بن قسطنطين) فأقام ستّ عشرة سنة. وفي أيامه غزا معاوية بن أبي سفيان بلاد الرّوم وهو أمير على الشأم من قبل عمر بن الخطاب في سنة أربع وعشرين من الهجرة فدوّخ البلاد وفتح منها مدنا كثيرة، ثم أغزى عساكر المسلمين إلى قبرص في البحر في سنة سبع وعشرين، ففتح منها حصونا، وضرب الجزية على أهلها. ومات قسطينو سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
فملك بعده ابنه (يوطيانس) فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات سنة ثمان وأربعين من الهجرة.
وملك بعده ابنه (لاون) فأقام ثلاث سنين، ومات سنة خمسين من الهجرة.
فملك بعده (طيباريوس قيصر) فمكث سبع سنين. وفي أيامه غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في عساكر المسلمين وحاصرها مدّة، ثم أفرج عنها واستشهد أبو أيّوب الأنصاريّ في حصارها ودفن في ساحتها، وقتل طيباريوس المذكور
سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
وملك بعده (أغشطش قيصر) فذبحه بعض عبيده.
وملك بعده ابنه (إصطفانيوس) في أيام عبد الملك بن مروان ثم خلع.
وملك بعده (لاون) ومات سنة ثمان وسبعين من الهجرة.
وملك بعده (طيباريوس) سبع سنين، ومات سنة ستّ وثمانين من الهجرة.
وملك بعده (سطيانوس) في أيام الوليد بن عبد الملك باني الجامع الأمويّ بدمشق.
ثم ملك بعده (تداوس) في سنة إحدى ومائة من الهجرة، فأقام سنة ونصفا.
ثم ملك بعده (لاون) فأقام أربعا وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه (قسطنطين). وفي أيامه غزا هشام بن عبد الملك الصائفة اليسرى من بلاد الروم، وأخوه سليمان الصائفة اليمنى في سنة ثلاث عشرة ومائة، فلقيهم قسطنطين المذكور في جموع الرّوم فانهزم وأخذ أسيرا ثم أطلق.
ثم ملك بعده رجل اسمه (جرجس) من غير بيت الملك فبقي أيام السّفّاح والمنصور وأمره مضطرب ثم مات.
وملك بعده (قسطنطين) بن لاون، وبنى المدن وأسكنها أهل أرمينية وغيرهم، ثم مات.
وملك بعده ابنه (لاون) وهلك.
فملك بعده (نقفور) وهلك في خلافة الأمين بن الرّشيد.
وملك بعده ابنه (استيراق قيصر) وأقام إلى خلافة المأمون. وفي أيام المأمون غلب قسطنطين [بن فلفط] على مملكة الروم، وطرد ابن نقفور،
هكذا رتبه ابن العميد. وفي كلام المسعوديّ ما يخالفه.
قال المسعوديّ: ثم ملك بعد قسطنطين (نوفيل) أيّام المعتصم ثم ملك من بعده (ميخائيل) بن نوفيل أيّام الواثق والمتوكل، والمنتصر، والمستعين ثم تنازع الروم وملّكوا عليهم (نوفيل بن ميخائيل) أيام المعتز، والمهتدي، وبعض أيام المعتمد ثم ملك من بعده ابنه (أليون) بن نوفيل [بقية] أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد
ثم ملك من بعده (الإسكندروس) بن أليون، فنقموا سيرته، فخلعوه.
وملّكوا عليهم أخاه [لاوي] بن أليون، فأقام [بقية] أيام المعتضد والمكتفي، وصدرا من أيام المقتدر ثم هلك.
وملك ابنه (قسطنطين) صغيرا، وقام بتدبير دولته أرمنوس بطريق البحر، وزوّجه ابنته وتسمّى بالدمستق، والدمستق هو الذي يلي شرق الخليج القسطنطينيّ واتصل ذلك أيام المقتدر والقاهر، والراضي، والمتقي ثم افترق أمر الروم.
ثم ظاهر كلام ابن الأثير أن أرمنوس المتقدّم ذكره صار إليه الملك بعد قسطنطين. قال: وكان الدّمستق على عهده قوقاس فملك ملطية من يد المسلمين بالأمان في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة، وولّى تقفور دمستقا، وهلك أرمنوس وترك ولدين صغيرين وكان تقفور الدمستق غائبا ببلاد المسلمين فلما رجع اجتمع إليه زعماء الروم وقدّموه لتدبير أمر الصغيرين وألبسوه التاج، ثم دسّت عليه أم
زوجة أرمنوس أم الصغيرين، فقتلته في سنة ستين وثلاثمائة.
وقام ابنها الأكبر وهو (بسيل بن أرمنوس) بتدبير ملكه فطالت مدّته، وأقام في الملك نيّفا وسبعين سنة، وهلك بسيل سنة عشر وأربعمائة.
وملك بعده أخوه (قسطنطين) فأقام تسع سنين، ثم هلك عن ثلاث بنات.
فملّك الروم عليهم الكبرى منهن، وقام بأمرها ابن خالها (أرمانوس) وتزوّجت به فاستولى على مملكة الرّوم، ثم مالت زوجته إلى المتحكّم في دولته، واسمه ميخائيل فدسّته عليه فقتله واستولى على الأمر، ثم أصابه الصّرع ودام به.
فعهد لابن أخت له اسمه (ميخائيل) فأحسن السّيرة وطلب من زوجة خاله أن تخلع نفسها عن الملك فأبت فنفاها إلى بعض الجزر، واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأنكر عليه البطرك خلع المرأة فهمّ بقتله، فنادى البطرك في النصارى بخلعه فخلعوه، واستدعى الملكة التي خلعها وأعادها إلى الملك، ونفت ميخائيل كما نفاها؛ ثم اتفق البطرك والروم على خلعها فخلعت.
وملّكوا عليهم أختها (ندورة) وسملوا ميخائيل فوقع الخلف بسبب ذلك، فأقرعوا بين المترشّحين للملك منهم فخرجت على رجل منهم اسمه (قسطنطين) فملّكوه عليهم وزوّجوه بندورة الملكة في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ثم توفّي قسطنطين المذكور سنة ستّ وأربعين وأربعمائة.
وملّك على الروم (أرمانوس) وذلك لأوّل دولة السّلجوقيّة، وخرج لبلاد الإسلام [فزحف إليه ألب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره، ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه صلحا] فوثب (ميخائيل) بعده على مملكة الروم. فلما انطلق من الأسر وعاد إلى
قسطنطينيّة، دفعه ميخائيل عن الملك، والتزم لألب أرسلان ما انعقد عليه الصلح. وترهّب أرمانوس وترك الملك. إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير.
ثم توالت عليها ملوك الروم واحدا بعد واحد إلى آخر المائة السادسة. وكان ملك القسطنطينيّة يومئذ قد تزوّج أخت الفرنسيس ملك الفرنجة، فولد له منها ابن ذكر.
ثم وثب بالملك أخوه فسمله وملك مكانه، ولحق الابن بخاله الفرنسيس، فوجده قد جهّز الأساطيل لارتجاع بيت المقدس وفيها ثلاثة من ملوك الفرنجة وهم كيدقليس: أحد ملوكهم، وهو أكبرهم، ودوقس البنادقة، والمركين مقدّم الفرنسيس، فأمرهم الفرنسيس بالجواز على القسطنطينية ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمه ملك الروم. فلما وصلوا إلى مرسى القسطنطينيّة خرج إليهم عمّه وحاربهم فهزموه ودخلوا البلد، وأجلسوا الصبيّ على سرير الملك، وساء أمرهم في البلد، وصادروا أهل النّعم، وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت وطأتهم على الرّوم، فعقلوا الصبيّ وأخرجوهم من البلد، وأعادوا عمّ الصبيّ إلى الملك. ثم هجم الفرنج البلد وأستباحوها ثمانية أيام حتّى أقفرت، وقتلوا من بها من القسّيسين والرّهبان والأساقفة، وخلعوا الصبيّ، واقترع ملوك الفرنج الثلاثة على الملك، فخرجت القرعة على كيدقليس كبيرهم فملّكوه على القسطنطينية وما يجاورها.
وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة: مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركين البلاد التي في شرقيّ الخليج: مثل أرسوا ولارتو في جوار سليمان بن قليج أرسلان، فلم يحصل لأحد منهم شيء من ذلك إلا لمن أخذ شرقيّ الخليج.
ثم تغلّب على القسطنطينية بطريق من بطارقة الرّوم شهرته لشكريّ واسمه (ميخائيل) فدفع عنها الفرنج وملكها وقتل الذي كان ملكا قبله، وعقد معه الصّلح الملك المنصور «قلاوون الصالحيّ» صاحب مصر والشام، وتوفّي سنة إحدى وثمانين وستّمائة.
وملك بعده ابنه (ياندر) وتلقّب الدوقس، وشهرتهم جميعا اللشكري،
وبقي بنوه في ملكها إلى الآن. ولم أقف على تفاصيل أخبارهم غير أنه لم يبق بيدهم سوى قسطنطينيّة وبعض أعمالها المجاورة لها. وقد استولى الفرنج على جهاتها الغربية، واستولى المسلمون على ما هو شرقيّ الخليج القسطنطيني وعلى أعمال كثيرة من غربيّه إلى ما يقارب خليج البنادقة على ما تقدّم بيانه في الكلام على القسم الأوّل من هذا المقصد، مع تسلّط صاحب السّراي ملك تتر الشمال من بني جنكزخان عليه بالبعوث والسّرايا قبل ذلك. حتّى إن القان أزبك صاحب هذه المملكة قرّر عليه إتاوة تحمل إليه في كل سنة ليكفّ عنه، كما أشار إليه في «التعريف» في الكلام على مكاتبة صاحب القسطنطينيّة. قال ابن سعيد: ومنتهى حكم اللشكريّ صاحب القسطنطينيّة الآن إلى إيثنية. قال في «تقويم البلدان»:
بالهمزة والياء المثناة التحتية والثاء المثلثة ونون ثم ياء مثناة تحتية ثانية وهاء في الآخر. قال ابن سعيد: وهي غربيّ الخليج القسطنطيني بشمال. قال ابن حوقل:
وهي مدينة بها مجمع النصارى بقرب البحر، وهي دار حكمة اليونان في القديم، وبها تحفظ علومهم، وحكمهم.
ولصاحب القسطنطينية المستقرّ بها مكاتبة تخصّه من الأبواب السلطانية بالديار المصرية، على ما يأتي بيانه في الكلام على مكاتبات ملوك الكفر في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع