من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الأولى (في الحثّ على كتابة إن شاء الله تعالى)
اعلم أنه يستحبّ للكاتب عند انتهاء ما يكتبه، من مكاتبة أو ولاية أو غيرهما أن يكتب «إن شاء الله تعالى» تبرّكا ورغبة في نجاح مقصد الكتاب، فقد ورد الحثّ على التعليق بمشيئة الله تعالى والنّدب إليه؛ قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
. وذمّ قوما [على ترك الاستثناء] فقال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
إلى آخر القصّة. قال أصحاب السّير: كان باليمن رجل له جنّة يأخذ منها قوت سنته ويتصدّق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأ المنجل من الزّرع أو القطّاف من العنب والنّخل وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النّخلة، فلمّا مات شحّ بنوه على المساكين بما كان يتركه أبوهم وحلفوا على قطعها في الغلس كيلا يدركهم الفقراء؛ فأصابتها نار في الليل فاحترقت
وأصبحت كالصّريم يعني الليل المظلم. قال المفسرون: والمراد بقوله: وَلا يَسْتَثْنُونَ
أنهم لم يقولوا إن شاء الله تعالى. قال الزمخشريّ: وسمّي استثناء وإن كان بمعنى الشرط لأنه يؤدّي مؤدّى الاستثناء من حيث أن معنى قولك لأخرجنّ إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد.
واعلم أن الاستثناء لا يدخل على ماض، فلا يقال: ما فعلت ذلك إن شاء الله، وإنما يدخل على مستقبل فتقول لا أفعل ذلك إن شاء الله، على حدّ قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
. وكذلك كلّ ما فيه معنى الاستقبال، كما قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
ونحو ذلك.
أما ما ورد من ذلك بلفظ المضيّ مثل قول القائل لزوجته أنت طالق إن شاء الله فإنه وإن لم يكن مستقبلا لفظا، فإنه مستقبل معنى، إذ معناه الإنشاء وإلا لما وقع به الطلاق. إذا علمت ذلك، فلفظ «إن شاء الله تعالى» في آخر المكاتبة أو الولاية ونحوهما يكون معلّقا بآخر المكتوب مما يناسب ذلك، كتعلّقها بالتأييد من قوله والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع