تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الأسلوب السابع (أن يقع الافتتاح بالدعاء)

والأصل في ذلك ما حكاه أبو جعفر النحاس: إنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، عند جريان الخلاف ووقوع الحرب بينهما: «أما بعد عافانا الله وإيّاك من السّوء». ثم زاد الناس في الدعاء بعد ذلك.

وقد اختلف في جواز المكاتبة بالدّعاء في الجملة؛ فذهب ذاهبون إلى جواز ذلك كما يجوز الدّعاء في غير المكاتبة، سواء تضمّن الدعاء معنى الدّوام والبقاء أم لا. وهو الذي رجّحه محمد بن عمر المدائنيّ في كتاب «القلم والدواة» وإليه يميل كلام غيره أيضا، وحكاه النحاس عن أبي جعفر أحمد بن سلامة، وكلامه يميل إلى ترجيحه. أمّا ما يتضمن معنى الدّوام والبقاء، فلما روي أنّ النبي، ﷺ، قال لأبي اليسر كعب ابن عليّة: «اللهم أمتعنا به» قال النحاس: وذلك دليل الجواز، بل حكي عن بعضهم أنّ الدعاء بطول البقاء

أكمل الدعاء وأفخمه؛ لأنّ كل نعمة لا ينتفع بها إلا مع طول البقاء. ثم قال:

والمعنى في الدّعاء في المكاتبات التودّد والتحبّب؛ وقد أمر ﷺ المسلمين أن يكونوا إخوانا، ومن أخوّتهم ودّ بعضهم بعضا. وكذلك القول بما يؤكّد الأخوّة بينهم والمودّة من بعضهم لبعض، وإذا قال له ذلك، كان قد بلغ من قلبه نهاية مبلغ مثله منه، ويكون من قال ذلك قد علم من قلبه في شأنه ما يكون من قلب مثله. وقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ: من قال لصاحبه- حفظا لمودّة-:

«أدام الله لك النّعم» ونحو ذلك فلا بأس به.

وأمّا ما لم يتضمن معنى الدوام والبقاء، كالعزّ والكرامة، فقد روي عن كعب بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رأى منكم مقتل حمزة؟

فقلت: أعزّك الله! أنا رأيته». وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل جرير بن عبد الله على النبيّ ﷺ، فضنّ الناس بمجالسهم فلم يوسّع له أحد، فرمى له رسول الله ﷺ ببردته وقال: اجلس عليها يا جرير، فتلقّاها بوجهه ونحره فقبّلها ثم ردّها على ظهره وقال: أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني» فقد دعا له ﷺ كعب بن مالك بالعز، وجرير بن عبد الله بالكرامة ولم ينكر ذلك على واحد منهما.

وذهب آخرون إلى أنه لا تجوز المكاتبة بالدّعاء، سواء تضمّن معنى الدوام والبقاء أم لا؛ لأنه خلاف ما وردت به السنة وجرى عليه اصطلاح السّلف.

وفصّل بعضهم فقال: «إن كان الدعاء مما لا يتضمّن معنى الدوام والبقاء نحو «أكرمك الله بطاعته» و «تولّاك بحفظه» و «أسعدك بمعرفته» و «أعزّك بنصره» جاز؛ لحديثي كعب بن مالك وجرير بن عبد الله المتقدّمين. وإن كان مما

يتضمّن معنى الدوام والبقاء، نحو «أطال الله بقاءك» و «نسأ أجلك» و «أمتع بك» وما أشبه ذلك، لم تجز المكاتبة به.

واحتجّ لذلك بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ «أنّ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبيّ ﷺ قالت: اللهمّ، أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية- فقال لها رسول الله ﷺ: لقد دعوت لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة لا يتقدّم منها شيء قبل أجله ولا يتأخّر بعد أجله، ولو سألت الله أن يقيك عذاب النار لكان خيرا لك». وبما روي أن الزّبير بن العوّام، ﵁، قال للنّبي ﷺ: «جعلني الله فداك» فقال له النبيّ ﷺ:

«أما تركت أعرابيّتك بعد» ؟ فقد أنكر ﷺ على أمّ حبيبة والزبير الدعاء بما فيه طول البقاء. وإذا امتنع ذلك في مطلق الدعاء، امتنع في المكاتبة من باب أولى؛ لمخالفة طرقها التي وردت بها السنة. قال حمّاد بن سلمة: كانت مكاتبة المسلمين «من فلان إلى فلان، أما بعد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلّي على محمد عبده وآل محمد» حتّى أحدث الزنادقة- لعنهم الله- هذه المكاتبة التي أوّلها «أطال الله بقاءك».

وعن إسماعيل بن إسحاق أنّ أوّل من كتب «أطال الله بقاءك» الزنادقة. وقد قال الإمام الرافعيّ وغيره من أئمة أصحابنا الشافعية: إن الدعاء بالطّليقة- وهي أطال الله بقاءك- لا أصل له في الشرع. قال الشيخ محيي الدين النوويّ: وقد نصّ السلف على كراهته. ونقل النحاس عن بعضهم أنه استحبّ تقييده بالإضافة إلى شيء آخر، مثل أن يكتب «أطال الله بقاءك في طاعته وكرامته» أو «أطال الله بقاءك في أسرّ عيش وأنعم بال» وما أشبه ذلك.

واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في صورة الابتداء بالدعاء؛ فالأوّلون- لابتداع الدّعاء في المكاتبات- كانوا يفتتحون بطول البقاء للخلفاء وغيرهم؛ ثم توسّعت الطبقة الثانية من الكتّاب في المكاتبة فافتتحوا بالدعاء للخلفاء والملوك بخلود الملك، ودوام الأيام، ودوام السّلطان وخلوده، وما في معنى ذلك؛

ولمن دونهم بعد النّصر والنّصرة والأنصار بدوام النّعمة وخلود السّعادة ومدّ الظّل وإسباغ الظّلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في الكلام على مصطلح كل طبقة فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ثم للكتّاب في الخطاب بالدّعاء مذهبان:

أحدهما- أن يقع الدعاء بلفظ الخطاب، نحو «أطال الله بقاءك، وأعزّك الله، وأكرمك الله، وأدام كرامتك وسعادتك» وما أشبه ذلك.

والثاني- أن يقع بلفظ الدعاء للغائب مثل: «أطال الله بقاء أمير المؤمنين» و «أطال الله بقاء سيّدي» و «أطال الله بقاء مولانا» أو «أعز الله أنصار المقام أو المقرّ» أو «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب» أو «أدام الله نعمة الجناب أو المجلس» وما أشبه ذلك.

قال في «صناعة الكتّاب»: وهو أجلّ الدعاء فيما اصطلحوا عليه. قال:

ورأيت عليّ بن سليمان ينكر ذلك ويقول: الدعاء للغائب جهل باللّغة، ونحن ندعو الله ﷿ بالمخاطبة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.