تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

مقدمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال، قال الفضل بن يحيى: الناس أربع طبقات: ملوك قدّمهم الاستحقاق، ووزراء فضّلهم الفطنة والرأي، وعليه أنهضهم اليسار، وأوساط ألحقهم بهم التأدّب، والناس بعدهم زبد جفاء وسيل غثاء لكع ولكاع وربيطة اتّضاع، همّ أحدهم طعمه ونومه. وقال معاوية للأحنف: صف لي الناس. فقال: رؤوس رفعهم الحظّ، وأكتاف عظّمهم التدبير، وأعجاز شهرهم المال، وأدباء ألحقهم بهم التأدّب، ثم الناس بعدهم أشباه البهائم، إن جاعوا ساموا، وإن شبعوا ناموا. وقال بزرجمهر لرجل: إن أردت أن تبلغ أحظى درجة الآداب وأهلها، فاصحب ملكا أو وزيرا، فإنهما برغبتهما في معرفة أيّام الملوك وأخبارهم، والآداب وأهلها، وقسمة الفلك ونجومه، يبعثانك على طلب ذلك. قال: فما وسيلتي إليهما؟ قال: انتحال ذلك رسم الإدراك، والطلب مادّة الوجود والآداب عند الهمّة. وقال أسامة بن معقل: كان السّفّاح راغبا في الخطب والرسائل، يصطنع أهلها ويثيبهم عليها، فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلبا للحظوة عنده فنلتها، وكان المنصور بعده معنيّا بالأسمار والأخبار وأيّام العرب، يدني أهلها ويجيزهم عليها. فلم يبق شيء من الأسمار والأخبار إلّا حفظته طلبا للقربة منه، فظفرت بها. وكان موسى مغرما بالشعر يستخلص أهله فما تركت بيتا نادرا، ولا شعرا فاخرا، ولا نسيبا سائرا إلّا حفظته، وأعانني على ذلك طلب الهمّة في علوّ الحال. ولم أر شيئا أدعى إلى تعلّم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها. ثم زهد هارون الرشيد في هذه الأربعة وأنسيتها حتى كأنّي لم أحفظ منها شيئا. دخل الشّعبيّ على الحجّاج فقال:

يا شعبيّ أدب وافر وعقل نافر. قال: صدقت أيّها الأمير. العقل سجيّة والأدب تكلّف. ولولا أنتم- معاشر الملوك- ما تأدّبنا، قال: فالمنّة في ذلك لنا دونكم.

قال: صدقت، قال الشاعر، في عبيد الله بن زياد:

علّمني جودك ما لم أكنأحسنه من جيّد الشعر
فصرت في الناس أخا ثروةوصرت ذا جاه وذا قدر

وأنشد لغيره:

وكنت مفحّما دهرا طويلا،فصيّرني عطاؤك ذا بيان
فما شكري لخلق مثل شكريلمن كفّاه أطلقتا لساني

قال: فكتابي هذا، يشتمل على ضروب من أخبار البلدان، وعجائب الكور والبنيان، فمن نظر فيه من أهل الأدب والمعرفة، فليتأمّله بعين الإنصاف، وليعرنا فيه حسن محضره وجميل رأيه، فإن الأجدى في المذهب شاؤك، وقرابة دانية، ورحم ماسّة، ووصلة واشجة. ويهب زللي لاعترافي، وإغفالي لإقراري. فإنّي إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي، وحضره سماعي من الأخبار والأشعار والشواهد والأمثال.

القول في خلق الأرض

قال الله ﷿: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ

قال: وسئل النبيّ ﷺ عن الأرض: سبع هي؟ قال: نعم، والسماوات سبع. وقرأ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ.

فقال رجل: فنحن على وجه الأرض الأولى؟ قال: نعم، وفي الثانية خلق يطيعون ولا يعصون، وفي الثالثة خلق، وفي الرابعة صخرة ملساء، والخامسة ضحضاح من الماء، والسادسة سجّيل وعليها عرش إبليس، والسابعة ثور.

والأرضون على قرن الثور، والثور على سمكة، والسمكة على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الثرى، والثرى منقطع فيه علم العلماء.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهميّ: صورة الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب. فرأس الدنيا الصين، وخلف الصين أمّة يقال لها واق واق، ووراء واق واق من الأمم ما لا يحصي إلا الله. والجناح الأيمن الهند، وخلف الهند البحر، وليس خلفه خلق. والجناح الأيسر الخزر، وخلف الخزر أمّتان، يقال لإحداهما منشك وماشك، وخلف ماشك ومنشك يأجوج ومأجوج من الأمم ما لا يعلمها إلّا الله. وصدر الدنيا مكّة والحجاز والشام والعراق ومصر. والذنب من ذات الحمام إلى المغرب، وشرّ ما في الطير الذنب. وقال ابن عبّاس: الأرض كلّها أربعة آلاف فرسخ في مثل ذلك، تكون ستّة عشر ألف ألف فرسخ. وقال أمير المؤمنين ﵁: الأرض طولها مسيرة خمس مائة سنة: أربع مائة خراب، ومائة عمران. قال: وفي يد

المسلمين سنة. وقال أبو خلف: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألف فرسخ، وللروم ثمانية آلاف فرسخ، وللعرب ألف فرسخ، ولفارس ثلاثة آلاف فرسخ. وذكر محمّد بن موسى الخوارزميّ: أن دور الأرض على الفضاء تسعة آلاف فرسخ. العمران من ذلك نصف سدسها، والباقي ليس فيه حيوان ولا نبات، والبحار هي محسوبة من العمران، والمفاوز التي بين العمران من العمران. وذكر بعض الفلاسفة، أن الأرض مدوّرة كتدوير الكرة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة. والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك. وبنية الخلق على الأرض، إن النسيم جاذب لما في أيديهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أيديهم من الثقل، لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد، والأرض مقسومة نصفين بينهما خطّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا طول الأرض، وهو أكبر خطّ في كرة الأرض. كما أن منطقة البروج أكبر خطّ في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبيّ الذي يدور حوله سهيل، إلى القطب، الشماليّ الذي يدور حوله بنات نعش. واستدارة الأرض في موضع خطّ الاستواء ثلاثمائة وستّون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والأصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة بطن بعضها إلى بعض. فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.

وزعم دورتيوس: أن الأقاليم السبعة على بروج السماء كبار عظام مدينتان في إقليم زحل، ومدينتان في إقليم المشتري، ومدينتان في إقليم المرّيخ، ومدينة في إقليم الشمس، ومدينتان في إقليم الزّهرة، ومدينتان في إقليم عطارد، ومدينة في إقليم القمر. وقالوا أيضا: إن الأقاليم سبعة، إقليم في أيدي العرب، وإقليم في أيدي الروم، وإقليم في أيدي الحبشة، وإقليم في أيدي الهند، وإقليم في أيدي

الترك، وإقليم في أيدي الصين، وإقليم في أيدي يأجوج ومأجوج، لا يدخل هؤلاء أرض هؤلاء، ولا هؤلاء إلى هؤلاء.

فالإقليم الأول: مبتدأه من أرض المحرقة التي تدعى باليونانيّة ريامياروس، ومنتهاه أرض سرنديب، وسكّانه سود، قباح الوجوه عراة كالسباع، وأعمارهم طويلة، ودوابّهم وطيورهم أعظم من عامّة البهائم والطير، وهناك رقى وعقاقير وأحجار فيها شفاء ومنافع طبيعيّة، وفيها تنانين وهو امّ ذات سموم، وطوله خمسة آلاف وخمس مائة فرسخ، وعرضه مائتان وخمسة وثمانون فرسخا.

والإقليم الثاني: مبتدأه من العرض أرض سرنديب، ومنتهاه أرض الحبشة، وهناك معدن الزبرجد والببغاء، ومنتهاه من قبل شرقيّة أرض السند قريب من كابل وزابلستان. وهناك سباع ضارية، وحشرات وطير ممتنعة، وأهلها في القبح دون الإقليم الأوّل. وفيها أيضا رقى وعقاقير، وأهلها أقصر أعمارا من الأوّل، وطوله طول الأوّل.

والإقليم الثالث: مبتدأه عرض أرض الصّغد وجرجان، حتى ينتهي إلى أرض الترك وحدّ الصين إلى أقصى المشرق، ومن غربيّة نحو مصر، ومن شرقيّة السند وعدن، ومنتهى عرضه أرض الشام وفارس وإصبهان. وهناك ناس حكماء.

وعرضه وطوله مثل الأوّل.

والإقليم الرابع: بابل، متوسّط الأقاليم، وهو أفضلها مزاجا. ومبتدأه من إفريقية إلى بلخ إلى مشرق الأرض، وعرضه وطوله كالأوّل.

والإقليم الخامس: قسطنطينيّة والروم والخزر، وعرضه وطوله كالأوّل.

والإقليم السادس: فرنجة وأمم أخرى، وفيه نساء من عادتهن قطع ثديهنّ وكيّه في صغرهنّ لئلا يعظم. وعرضه وطوله كالأوّل.

والإقليم السابع: الترك، ورجالهم ونساؤهم مترّكو الوجوه لغلبة البرد عليهم، وسباعهم صغيرة الأجساد، ولا يوجد هناك حشرات ولا هوامّ. ويسكنون الظلال يتّخذونها من الألواح، ينقلونها على عجل، تجرّها الثيران، وأنعامهم في

الفيافي وفي أولادهم قلّة. فمبلغ الأقاليم السبعة على مساحة الإقليم الأوّل ثمانية وثلاثون ألف فرسخ وخمس مائة فرسخ، وعرضها ألف وتسع مائة وخمسة وتسعون فرسخا.

وقسمت الأرض المعمورة أربعة أقسام:

أروفى، وفيه: الأندلس والصّقالبة والروم وفرنجة.

وطنجة إلى حدّ مصر ولوبية وفيها: مصر وقلزم والحبشة وبربر وما والاها.

والبحر الجنوبيّ، وليس في هذه البلاد خنزير برّيّ ولا أيّل ولا عير ولا تيس، وفيها تهامة واليمن والسند والهند.

وأسقوتيا وفيها: أرمينية وخراسان والترك والخزر. وزعم هرمس أن طول كلّ إقليم سبع مائة فرسخ في مثله.

القول في البحار وإحاطتها بالأرض

قال: البحار أربعة:

البحر الكبير، الذي ليس في العالم بحر أكبر منه. وهو أخذ من المغرب إلى القلزم حتى يبلغ واق واق الصين، وواق واق الصين هو بخلاف واق واق اليمن، لأن واق واق اليمن يخرج منه ذهب سوء. وهذا البحر يمدّ من القلزم على وادي القرى حتى يبلغ بربر وعمان، ويمرّ إلى الدّيبل والمولتان حتى يبلغ جبل الصّنف إلى الصين.

ثم البحر المغربي الدبوريّ الروميّ، وهو من أنطاكية إلى جزائر السعادة، وخليج منه آخذ من الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، وعلى ساحل هذا البحر طرسوس والمصّيصة والإسكندريّة وأطرابلس. وطول هذا البحر ألفان وخمس مائة فرسخ، من أنطاكية إلى جزائر السعادة. وعرضه خمس مائة فرسخ.

والبحر الثالث الخراسانيّ الخزريّ، لقرب الخزر منه، إلى موقان إلى طبرستان وخوارزم وباب الأبواب، ومن بحر جرجان إلى خليج الخزر عشرة أيّام،

فإذا طابت. لهم الريح فثمانية أيّام في البحر، ويومان في البرّ، ويسمّى هذا البحر الدّوّارة الخراسانيّة، وقطرها مائة فرسخ، والذي يطيف بها ألف وخمس مائة فرسخ.

والرابع، ما بين رومية وخوارزم جزيرة تسمّى تولية، ولم يوضع عليها سفينة قطّ. وملك العرب في يديه ألف مدينة في زماننا هذا، وفي يدي ملك النوبة ألف مدينة، وفي يدي ملك الصين أربع مائة مدينة، وستّمائة مدينة من الصين في أيدي ملوك صغار.

قال: وأعلم أن بحر فارس والهند هما بحر واحد لاتّصال أحدهما بالآخر، إلّا أنهما متضادّان. قال: فأوّل ما تبتدئ صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقربها من الاستواء الخريفيّ، فلا يزال يكثر أمواجه ويتقاذف مياهه ويصعب ظهره، إلى أن تصير الشمس إلى الحوت. وأشدّ ما تكون صعوبته في آخر زمان الخريف، عند كون الشمس في القوس. وإذا كانت قرب الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في قلّة الأمواج ولين الظهر، إلى أن تعود الشمس في السنبلة، وألين ما يكون في آخر زمان الربيع، وهو عند كون الشمس في الجوزاء. فأما بحر الهند فإنه خلافه، لأنه عند كون الشمس في الحوت وقربها من الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في الظلمة والغلظ، وتكثر أمواجه، حتى لا يركبه أحد لظلمته وصعوبته عند كون الشمس في الجوزاء. فإذا صارت في السنبلة أضاء ظلمته، ويسهل مركبه، إلى أن تصير الشمس في الحوت، إلّا أن بحر فارس، قد يركب في كلّ أوقات السنة. فأما بحر الهند، فلا يركبه الناس عند هيجانه لظلمته وصعوبته. قال: فمن أراد الصين، أو عدن، أو شلاهط، أخذ من ناحية المغرب على اليمامة وعمان. ومن أراد السند أخذ من ناحية فارس على سيراف

القول في البحار وعجائب ما فيها

قال الله ﷿: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ

يروى عن الحسن قال: بحر فارس والروم. وقال سليمان بن أبي كريمة: إذا طلعت الثّريّا ارتجّ البحر واختلفت الرياح، وسلّط الله الجنّ على المياه، وتبرّأ الله ممن يركب البحر أربعين يوما.

وقال النبيّ ﷺ: «من ركب البحر بعد طلوع الثريّا، فقد برئت منه الذمّة».

وسئل ابن عبّاس عن المدّ والجزر فقال: إن ملكا موكّل بقاموس البحر، إذا وضع رجله فيها فاضت، وإذا رفعها غاضت. قال كعب: ولقي الخضر ملكا من الملائكة فسأله عن المدّ والجزر فقال الملك: إن الحوت يتنفّس فيشرب الماء ويرفعه إلى منخريه فذلك الجزر، ثم يتنفّس فيخرجه من منخريه فذلك المدّ. قال:

وفي البحر سمكة يقال لها الخراطيم مثل الحيّة لها منقار كمنقار الكركيّ، وفي منقارها من الشقّين كالمنشار. وفيه سمكة يقال لها الأطمر لها فرج كفرج المرأة، ووجهها كوجه الخنزير، وهو طبق من شحم وطبق من لحم. وفي البحر سمك على خلقة القرود من جلوده تكون الدرق التي تنبو عنها السيوف، ويقال إنها تحيض وترضع وكذلك السلاحف. وفيه سمك يسمّى الدّخس ينجي الغريق. وفيه سمك إذا هاج البحر خرج من قعر البحر، فيعلم البحريّون أن البحر قد هاج، يسمّى البرستوج، وهو الذي يكون بالبصرة.

ويلي هذا البحر بحر يسمّى هركند، يقال إنه قاموس البحار كلّها، وفي هذا البحر جزيرة سرنديب، وفي هذه الجزيرة الجبل الذي أهبط عليه آدم، وعليه أثر

قدم آدم، وهو عظيم طويل، وعليه أنواع الأفاوية والطيب وفأر المسك، وفي بحره مغاص اللؤلؤ. وفي هذه الجزيرة ثلاثة ملوك، فالملك الأكبر منهم إذا مات قطع بأربع قطع وأحرق بالنار، ورجاله يتهافتون خلفه في النار حتى يحرقوا أنفسهم.

وبعدها جزيرة الرامني وهي ثمان مائة فرسخ، وفيها عجائب كثيرة، وهي تشرع إلى بحر شلاهط والهركند، وفيها ملوك كثيرة، وبها الكركدن والكافور، وفيها معادن الذهب، وطعامهم النارجيل، ورجالهم أقوياء يصيدون الفيلة، وفيها بقمّ كثير يغرس غرسا، وحمله شبه الخرنوب، وطعمه مثل العلقم لا يؤكل. ويقال. إن عروقه شفاء من سمّ ساعة، وفيها الخيزران الكثير وجواميس عظيمة، وملوك لهم الأفاوية الطيّبة كالصّندلين والبسباسة، وليس هذا لأحد غيرهم. وبالزابج ببغات بيض وحمر وصفر، تتكلّم على ما لقّنت بكلام فصيح، عربيّة وفارسيّة وروميّة وهنديّة. ومن الطواويس خضر ورقط وبزاة بيض لها قنازع حمر، وإن بها قردة بيضا عظاما كأمثال الجواميس، وبها خلق على صورة الإنسان يتكلّم بكلام لا يفهم يأكل ويشرب. وبها من السنانير ألوان ولها أجنحة كأجنحة الخفّاش من أصل الأذن إلى الذنب. وأن فأر المسك تحمل أحياء من السند إلى الزابج، وأن الزباد أطيب رائحة من المسك، والأنثى تجلب مسكا، وإذا مشى في بيت نفحت منه رائحة المسك، وإذا لمسته بيدك عبق بيدك. وذكر سليمان التاجر: أن أكثر السفن الصينيّة تحمل من البصرة وعمان، وتعبأ بسيراف، وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر وقلّة الماء في مواضع منه، فإذا عبّى المتاع استعذبوا الماء إلى موضع منها

يقال له مسقط، وهو آخر عمان، وبين سيراف وهذا الموضع نحو مائتي فرسخ.

وفي شرقيّ هذا البحر فيما بين سيراف ومسقط من البلاد سيف بني الصفّاق وجزيرة ابن كاوان. وفي غربيّ هذا البحر جبال عمان، وفيها الموضع الذي يسمّى دردور وهو مضيق بين جبلين، تسلكه السفن الصغار ولا تسلك فيه الصينيّة، وفيه جبلا كسير وعوير، فإذا جاوزت الجبال صرت إلى موضع يقال له صحار عمان، فيستعذب الماء من مسقط من بئر بها وهناك جبل فيه رعاء غنم من بلاد عمان فتختطف السفينة منها إلى بلاد الهند، وتقصد إلى كولو ملي، وفيها مسلحة لبلاد الهند وبها ماء عذب، فإذا استعذبوا من هناك الماء أخذوا من المركب الصينيّ ألف درهم ومن غيرها عشرة دنانير إلى العشرين الدينار، وملي من بلاد الهند.

وبين مسقط وبين كولو ملي مسيرة شهر، وبين كولو ملي وبين الهركند نحو من شهر. ثم يختطف من كولو ملي إلى بحر الهركند، فإذا جاوزوه، صاروا إلى موضع يقال له كله بار بينه وبين هركند جزائر قوم يقال لهم لنج، لا يعرفون لغة، ولا يلبسون الثياب كواسج، لم ير منهم امرأة، يبيعون العنبر بقطع الحديد، ويخرجون إلى التجّار من الجزيرة في زواريق ومعهم النارجيل، وشراب النارجيل يكون أبيض، فإذا شرب منه فهو حلو كالعسل، فإذا ترك يوما صار مسكرا، فإن بقي أيّاما حمض فيبيعونه بالحديد، ويتبايعون بالإشارة يدا بيد، وهم حذّاق بالسباحة، فربّما استلبوا الحديد من التجّار ولا يعطونهم شيئا، ثم تخطف السفينة إلى موضع يقال له كله بار، وهي من مملكة الزابج متيامنة عن بلاد الهند، يجمعهم ملك ولباسهم الفوط، ثم يتخطف إلى موضع يقال له تيومة، بها ماء عذب والمسافة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له كدرنج مسيرة عشرة أيّام بها ماء عذب، وكذلك في سائر جزائر الهند إن احتفر فيها الآبار وجد فيها الماء

العذب، وبها جبل مشرف. ثم يخطف إلى موضع يقال له الصّنف، ثم إلى موضع يقال له صندرفولات، وهي جزيرة في البحر، والمسيرة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له صنج إلى أبواب الصين، وهي جبال في البحر، بين كلّ جبلين فرجة تمرّ فيها السفن، ثم إلى الصين. ومن صندرفولات إلى الصين مسافة شهر، إلّا أن الجبال التي تمرّ بها السفن مسيرة سبعة أيّام، فإذا جاوزت الأبواب صرت إلى ماء عذب يقال له خانفو، يكون فيه مدّ وجزر في اليوم والليلة مرّتين.

وبقرب الصين في موضع يقال له صنجي وهو أخبث البحار. [كثير الموج والخب وفيه جبال كثيرة لا بدّ للمراكب من النفوذ بينها. وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهر أشخاص] شبيهون بصبيان الزنج طول أحدهم أربعة أشبار، يخرجون بالليل من الماء فيبيتون في السفينة ويدورون فيها، ولا يؤذون أحدا، ثم يعودون إلى البحر، فإذا رأوا ذلك كان علامة الريح التي تسمّى الخبّ، وهي أخبث الرياح، فيستعدّون لتلك الريح ويخفّفون المتاع. وقالوا: إذا رأوا أعلى دقل السفينة بهذا الموضع طائرا كأنه شعلة نار، فذلك عندهم من دلالة التخلّص، وإن في البحر طيرا يقال له جرشي، يكون قريبا من الساحل أعظم من الحمام، يتبعه طير يقال له جوانكرك، يشبه الحمام. فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك بمنقاره فابتلعه. وأن بقرب الزابج جبلا يسمّى جبل النار لا يقدر على الدنوّ منه، يظهر بالنهار منه دخان، وبالليل لهب النار، يخرج من أسفله عين باردة عذبة وعين حارّة عذبة.

جزيرة برطاييل: جزيرة قريبة من جزائر الزابج، سكانها قوم وجوههم كالمجان المطرقة وشعورهم كأذناب البراذين وبها الكركدن، وبها جبال يسمع فيها بالليل صوت الطبل والدف والصياح المزعجة، والبحريون يقولون إن الدجال فيها ومنها يخرج.

وبها القرنفل ومنها يجلب، وذلك أن التجار ينزلون عليها ويضعون بضائعهم وأمتعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم ويلبثون فيها. فإذا أصبحوا ذهبوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل شيء من البضاعة شيئاً من القرنفل فإن رضيه أخذه وترك البضاعة. وإن أخذوا البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يردّوا أحدهما إلى مكانه. وإن طلب أحدهم الزيادة فترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه.

وحكى بعض التجار أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا وجوههم كوجوه الأتراك وآذانهم مخرمة ولهم شعور، هم على زي النساء، فغابوا عن بصره. ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا يترددون إليها ويتركون البضائع على الساحل فلم يخرج إليهم شيء من القرنفل، فعلموا أن ذلك بسبب نظرهم إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه.

ولباس هؤلاء القوم ورق شجر يقال له اللوف يأكلون ثمرتها ويلبسون ورقها. ويأكلون حيوانا يشبه السرطان، وهذا الحيوان إذا خرج إلى البر صار حجرا صلدا. وهو مشهور يدخل في الأكحال، ويأكلون السمك والموز والنارجيل والقرنفل، وهذا القرنفل من أكله رطبا لا يهرم ولا يشيب شعره].

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.