تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

الفرق ما بين بلاد الصين وبلاد الهند

قالوا: ليس بالصين متاع أسرى ولا أحسن ممّا يحمله التجّار إلى العراق، فأما ما يبقى هناك فرديّ لا حسن له. ولباس أهل الصين كلّهم الحرير في الشتاء،

والصيف. يلبس الرجل منهم خمس سراويلات حرير لندوة أسفلهم. فأما هواؤهم، فحارّ، ولا يعرفون العمائم، وطعامهم الأرزّ، وملوكهم يأكلون خبز الحنطة واللحم، وليس فيهم كثير نخل، ويعمل نبيذهم، من الأرزّ، ولا يستنجون بالماء، ويأكلون الميتة، ونساؤهم يكشفن رؤوسهن، ويجعلن فيها الأمشاط.

فربّما كان في رأس واحدة منهن عشرون مشطا من عاج، والرجال يغطّون رؤوسهم بشبه القلانس، وأهل الصين يلوطون بغلمان قد أقيموا لذلك بمنزلة الزواني للهند.

وحيطان أهل الصين الخشب، وأكثرهم لا لحى لهم، حتى كأنهم لم تخلق لهم لحى. وأهل الصين يعبدون الأوثان، ولهم كتب لأديانهم.

والهند لا يأكلون الحنطة، إنما يأكلون الأرزّ فقط، وتطول لحاهم حتى ربّما رأيت لأحدهم لحية ثلاثة أذرع، وإذا مات أحدهم حلق رأسه ولحيته، وهم يتلازمون بالحقوق، ويمنعون في الملازمة الطعام والشراب سبعة أيّام، وأهل الهند يقتلون ما أرادوا أكله ولا يذبحونه، يضربون هامته حتى يموت، ثم يأكلونه، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يأتون النساء في محيض، وأهل الصين يأتون لأن آئينهم آئين المجوس. وأهل الهند لا يأكلون حتى يستاكوا ويغتسلوا، ولا يفعل ذلك أهل الصين، وبلاد الهند أوسع من بلاد الصين أضعافا، وبلاد الصين أعمر وليس لهم عنب، وليس بالبلدين جميعا نخل، وللهند السحر وهم جميعا يقولون بالتناسخ، ويختلفون في فروع دينهم، وأهل الهند أطبّاء حكماء منجّمون، ولهم خيل قليلة، وملوكهم لا يرزقون جندهم، إنما يدعوهم الملوك إلى الجهاد فيخرجون بنفقات أنفسهم. والهند لا مدائن لهم، ويلبسون القرطين ويتحلّون بأسورة الذهب الرجال والنساء، والهند تبيح الزنا ما خلا ملك قمار، فإنه يحرّم الزنا والشراب [وملكها يعاقبهم على شرب الخمر، فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد. فربما يفضي إلى التلف. وينسب إليها العود القماري]. وبلاد الصين أنزه وأحسن، ومدنهم عظيمة مشرفة محصنة مسوّرة، وبلادهم أصحّ وأقلّ أمراضا، وأطيب، لا تكاد ترى بها أعور ولا أعمى ولا ذا عاهة، ولهم عطاء

كديوان العرب. ويقال إن بين الهند والصين ثلاثين ملكا، أصغر ملك بها يملك ما يملكه ملك العرب، وملوك الهند كلّهم يلبسون الحلي. وفي بلاد الهند مملكة يقال لها رهمى على ساحل البحر، وملكتهم امرأة وبلادها وبيّة، ومن دخل إليها من سائر الهند مات، فالتجّار يدخلونها لكثرة أرباحها، ثم تصير إلى بلاد الزابج، فلملك الكبير يقال له المهراج، تفسيره ملك الملوك، وليس بعده أحد، لأنه في آخر الجزائر، وهو ملك كثير الخير، وفيها غيضة فيها ورد، إذا أخرج من الغيضة احترق.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فيما بين السند والهند أرض يقال لها كنام فيها بطّة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء نشرت البطّة جناحها، ومدّت منقارها، فيفيض من الماء ما يكفي زروعهم ومواشيهم وضياعهم إلى العام المقبل. وقمار من بلاد الهند، وأهل الهند تزعم أن أصل كتب الهند من قمار، وملكه مسيرة أربعة أشهر، وعبادتهم الأصنام كلّهم. وملك قمار يفترش أربعة آلاف جارية والعنبر يؤتى به من جزيرة شلاهط، والفلفل من ملي وسندان، والبقّم من ناحية الجنوب من شلاهط، والقرنفل والصندل والكافور وجوزبوا من الزابج، وهو من ناحية القبلة بقرب الصين من بلد يقال له فنصور، وماء الكافور والنيل من ناحية السند، والخيزران من بلد يقال له لنكبالوس وكله من ناحية خراسان، والقنى من عمان، والياقوت والألماس من سرنديب، وكذلك الكركدن والطاوس والببغاء والدجاج السنديّ وجميع أنواع العطر والصّيدلة.

قالوا: ومبدأ بحر الصين من جبل قاف إلى أن يجيء إلى عبّادان والبصرة، وأول البحار التي تسلك إلى بلاد الصين بحر صنجى، وأوّل جبل فيه يدعى صندرفولات، وفيه حيّات ربّما ابتلعت البقر والرجل، فهو أشدّ البحار كلّها، وهو قليل المسافة، وعلى الجبل من الصيّادين خلق لهم شباك يكون في قعر البحر، فأهل المركب إذا رأوا بلاد الصين سألوا الصيّادين عن الريح فيخبرونهم بهيجان

البحر وسكونه، لأنه بحر إذا هاج فيه الريح فقليل من يسلم، وإنما يقطع في عشر أو ثمان إلى بلاد الصين إلى الأبواب، خاصّة أبواب الصين، وذلك البحر بحر كبير وفيه ملك يدعى المهراج، عظيم الملك في جزائره عجائب، وأنواع العطر، وينبت في بلاده الذهب نباتا، ويقال غلّته في كل يوم مائتا منا ذهب.

[أتى رجل من الهند هذا الصنم وقد اتخذ لرأسه تاجا من القطن ملطخا بالقطران ولأصابعه كذلك وأشعل النار فيها، ووقف بين يدي الصنم حتى احترق].

القول في مكة

قال، عبد الله بن عمرو بن العاص: سمّيت بكّة لأنها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم- أي تدقّ- وقال إبراهيم بن أبي المهاجر: بكّة موضع البيت، ومكّة موضع القرية. وسمّيت بذلك لاجتذابها الناس من الآفاق.

وقالوا: سمّيت بكّة لأن الأقدام تبكّ بعضها بعضها- أي تزدحم- وسمّي البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة. وهي أمّ القرى، وأمّ الرّحم، لأن الرّحمة تنزل بها.

ومن أسمائها: صلاح، وناسّة لقلّة الماء بها، وبنيّة الأمين.

قال النبيّ ﷺ: «ما من نبيّ هرب من قومه إلّا هرب إلى الكعبة يعبد الله فيها حتى يموت»

وقال ﵇: «إن قبر هود وشعيب وصالح فيما بين زمزم والمقام، وإن في الكعبة قبر ثلاثمائة نبيّ، وما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود قبر سبعين نبيّاً»

وقال ﷺ: «من مات في حجّ أو. عمرة لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: أدخل الجنّة بغير حساب».

وقال ﷺ: «من صلّى في الحرم صلاة واحدة كتب الله له ألف صلاة وخمس مائة صلاة».

وقال ﷺ: «المقام بمكّة سعادة والخروج منها شقاوة».

وقال ﷺ: «الحاجّ والعمّار وفد الله إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف عليهم لكلّ درهم ألف درهم».

وقال ﷺ: «من صبر على حرّ مكّة تباعد منه جهنّم مسيرة مائة عام وتقرّبت منه الجنّة مسيرة مائتي عام».

وقال الكلبيّ: لمّا قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً

وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ

الآية استجاب الله له فأمن فيه الخائف ورزق أهله من الثمرات، يجلب إليهم من الآفاق، وقيل قرية من قرى الشام، فيقال إنها الطائف وقال مقاتل: من نزل بمكّة والمدينة من غير أهلهما محتسبا حتى يموت دخل في

شفاعة محمّد ﷺ قال الله جلّ ذكره: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً

ولم يقل مثابة للعرب دون العجم، إذ كان اسم الناس شاملًا للفريقين، فقد جعله الله مثابة للجميع، والدليل على ذلك قول الله ﷿: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ

الآية فمن شرف مكّة أمنه، ومقام إبراهيم فيه، وحجّ الأنبياء إليه، وأن أهلها في الجاهليّة كانت لقاحا لم يؤدّوا أتاوة قطّ، ولا ملكهم ملك، وكانوا يتزوّجون في أيّ القبائل شاءوا، ولا يشترط عليهم في ذلك ولا يزوّجون أحدا إلا بعد أن يشترطوا عليهم أن يكونوا حمسا على دينهم ويدان لهم وينتقل إليهم، فحمّسوا خزاعة ودانت لهم، وحمّسوا عامر بن صعصعة ودانت لهم، وحمّسوا ثقيفا ودانت لهم، سوى من حمّسوا من عدد الرجال، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحلّ إذا دخلوا الحرم، وأن يخلعوا ثياب الحلّ، ويستبدلوا ثياب الحرم إمّا شرى أو عاريّة أو هبة، فإن أتى بذلك وإلا طاف بالبيت عريانا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، وكلّفوا العرب أن تفيض من المزدلفة، وهم بعد أعزّ العرب يتأمّرون على العرب قاطبة، وهم أصحاب الهريس والحرير والثريد والضيافة والأندية والفالوذج، وأول من ثرد الثريد منهم عمرو وهو هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر:

عمرو العلى هشم الثريد لقومهورجال مكّة مسنتون عجاف
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

ولهذا سمّي هاشما.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.