تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذكر البيت الحرام وما جاء فيه

قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ

، عن وهب بن منبّه أنه قال: إن الله جلّ وعزّ لمّا أهبط آدم ﵇ من الجنّة إلى الأرض حزن واشتدّ بكاؤه على الجنّة، فحباه الله بخيمة من خيام الجنّة، فوضعها له بمكّة في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة وكانت من ياقوتة حمراء، فيها قناديل من ذهب، وأنزل معها الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء، وكان كرسياً لآدم (عليه

السلام) وطول الحديث، قال: فمن فضائل البيت الحرام أنه لم يره أحد ممّن لم يكن رآه إلّا ضحك أو بكى، ومن فضائله أنه لا يسقط على ظهر الكعبة من الحمام إلا العليل منها، فإذا وقع عليه بريء، وتقبل الفرقة من الطير والحمام وغير ذلك حتى إذا تحاذت الكعبة افترقت فرقتين، ومالت عن ظهرها، ولم يطر على ظهرها طير قطّ ومن عجائب البيت والمسجد: كثرة الحمام بها، ولم يروا على طول الدهر ذرقة حمام ولا طير في المسجد ولا الكعبة ومن عجائبه: أمن الطير والوحوش والسباع بها، ودفع الله عنها شرّ الحبشة والفيلة، وحجّه النعمان بن المنذر وزاره وهو ملك نصرانيّ، فجلس في سفح أجياد فبال عليه خالد بن ثوّالة الكنانيّ فما كان عنده نكير لأهل مكّة. وماء زمزم دواء لكلّ مبتلى.

وقال ﷺ: «التضلّع من ماء زمزم براءة من النفاق».

[وكان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا] وقال مجاهد في قول الله ﷿: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ

قال: لو قال: واجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. قال قتادة: بنيت الكعبة من خمسة أجبل: طور سينا وطور زيتا، وأحد، ولبنان، وحراء، وثبير. وقال مجاهد: أسّس إبراهيم زوايا البيت بأربعة أحجار: حجر من حراء، وحجر من ثبير، وحجر من الطور، وحجر من الجوديّ. قال قتادة: فبنى إبراهيم البيت وجعل طوله في السماء سبعة أذرع، وعرضه اثنين وثلاثين ذراعا بين الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقّها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها في الأرض مبوّب حتى كان زمن تبّع الحميري، فهو الذي بوّبها وكساها الوصائل ثياب حبرة ونحر عندها، ثم كساها النبيّ ﵇ الثياب اليمانية، ثم كساها عثمان

القباطيّ، ثم كساها الحجّاج الديباج. قال: ومعاوية أول من طيّب الكعبة بالخلوق والمجمر، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت مال المسلمين، وبناه ابن الزّبير بعد ما بويع له بالخلافة، فلمّا قتل نقض الحجّاج بناءه وبناه على الأساس الأوّل، ثم وسّع المنصور مسجد الكعبة سنة ولي الخلافة، ثم زاد فيه المهديّ.

قال: فطول البيت اليوم سبعة وعشرون ذراعاً، وعرضه في الحجر أحد وعشرون ذراعا، وذرع جوفها ما بين الركن الأسود إلى الركن اليماني بطن الكعبة خمسة عشر ذراعا وشبر، وما بين ركني الحجر ثمانية عشر ذراعا، وما بين الباب إلى الشاذروان خمسة أذرع، وعرض بابها أربعة أذرع وفيها ثلاث سوار اثنان منها صنوبر والوسطى ساج. وبعث عمر بن الخطّاب إلى البيت بهلالين كبيرين فعلّقا في الكعبة، وبعث عبد الملك بن مروان بالشّمستين، وبعث الوليد ابنه بقدحين، وبعث أبو العبّاس بالصّفحة الخضراء، وبعث أبو جعفر بالقارورة الفرعونيّة، وبعث المأمون بالصنم الذي وجّهه إليه ملك التّبّت وكان أسلم وله خبر طويل. وذرع المقام ذراع وهو مربّع سعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في مثله، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه طوق من ذهب. وما بين الطرفين من الحجر من المقام بارز لا ذهب عليه، وطوله من نواحيه كلّها تسع أصابع، وعرضه عشر أصابع، وعرض الحجر حجر المقام من نواحيه إحدى وعشرون إصبعا، وسطه مربّع القادمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، دخولهما منحرف ووسطه قد استدقّ من التمسّح به. والمقام في حوض مربّع حوله رصاص، وعلى الحوض صفائح من رصاص مكسّر، وعلى المقام صندوق ساج في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق، وعليهما قفلان. قال: وذرع المسجد اليوم مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع مكسّر، وعرضه من باب النّدوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصّفا ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وعرض المسجد من المنارة التي عند المسعى إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير مائتا ذراع وثمانية وسبعون ذراعا، وفيه من الأساطين أربع مائة وخمس وستّون أسطوانة، طول كلّ أسطوانة عشرة أذرع،

وتدويرها ثلاثة أذرع. وعدد أبواب المسجد في الشقّ الشرقيّ خمسة أبواب، وفي الغربيّ ستّة أبواب، وفي اليماني سبعة أبواب، وفي الشقّ الشاميّ ستّة أبواب، وذرع الطواف مائة ذراع وخمسة أذرع.

وحدود الحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق جدّة على عشرة أميال، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق الطائف على أحد عشر ميلا، ومن طريق العراق على تسعة أميال، ومن بغداد إلى مكّة مائتان وخمسة وسبعون فرسخا وثلثا فرسخ تكون ثمانية وخمسين بريدا. ومن البريد إلى البريد عشرون ميلا، وبين كلّ بريدين مشرف وكلّ ثلاثة أميال فرسخ، ومن مكة إلى عرفات اثنا عشر ميلا.

مدينة الطائف

اسمها وجّ، وسمّيت الطائف بذلك الطوف الذي أحاطه عليها قسيّ وهو ثقيف وكانت الطائف مهربا وملجأ لكلّ هارب، وبالطائف وهط عمرو بن العاص، وهو كرم كان يعرش على ألف ألف خشبة، شرى كلّ خشبة ألف درهم، والوهط عند العرب دقّ التراب، يقال تراب موهط أي مدقوق. وحجّ سليمان بن عبد الملك فمرّ بالوهط وقال: أحبّ أن أنظر إليه، فلمّا رآه قال: هذا أكرم مال وأحسنه، وما رأيت لأحد مثله، لولا هذه الحرّة في وسطه. فقيل له: ما هذه بحرّة ولكنها زبيبه، وقد كان جمع في وسط الضيعة، فلمّا رآها من بعيد ظنّ أنها حرّة سوداء فقال: لله درّ قسيّ بأيّ عشّ وضع أفرخه.

القول في المدينة

يروى عن النبيّ ﵇ أنه قال: للمدينة عشرة أسماء هي: طيبة، والباقية، والموفّية، والمسكينة، والمباركة، والمحفوفة، والمحرّمة، والعذراء، والمسلمة، والمقدّسة، والشافية، والمرزوقة.

فمن فضلها على غيرها أن وهب بن منبه قال: إني لأجد في بعض الكتب أن مهاجر النبي الأميّ العربيّ إلى بلد يقال لها طيابا، وتفسير ذلك أنها طويت بالبركة، وقدّس هواءها، وطيّب ترابها، فيها مهاجره، وموضع قبره، ومن مشى بالمدينة شمّ بها عرفا طيّبا.

وقال أبو البختري: هي أرفع الأرض كلّها، ولا يدخلها طاعون ولا دجّال، وبظاهر بيدائها يخسف بالدجّال، وبها نزل القرآن وفرضت الفرائض وسنت السنن، وبها أصول الدين والسنن والأحكام والفرائض والحلال والحرام، وبها روضة من رياض الجنّة، ودعا رسول الله ﷺ أن يبارك لهم في صاعهم ومدّهم وسوقهم وقليلهم وكثيرهم، وبها آثار رسول الله ﷺ ومساجده وقبره وقبور أصحابه وأعمامه وأزواجه، وكلّ بلد في دار الإسلام فإنما فتح بالسيف إلّا المدينة فإنها افتتحت بالإيمان.

وقال ﷺ: «غبار المدينة دواء من الجذام»

وقال: «حبّ أهل المدينة محنة فإن منافقا لا يحبّهم ومؤمنا لا يبغضهم»

وقال ﵇: «أهل المدينة الشعار والناس الدثار»

وقال: «المدينة معلّقة بالجنّة».

قال: ولمّا حجّ معاوية حرّك المنبر يريد أن يخرج به إلى الشام فانكسفت الشمس، فقال جابر بن عبد الله: بئس ما صنع معاوية ببلد رسول الله ﷺ ومهاجره الذي اختاره الله له، والله ليصيبنّ معاوية شيء في وجهه، فأصابته اللّقوة نسأل الله العافية.

فلمّا قدم النبيّ المدينة أقطع الناس الدور فخطّ لبني زهرة في ناحية مؤخّر المسجد، وجعل للزّبير بن العوّام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولآل أبي بكر موضع داره عند المسجد الذي صار لآل معمر، ولخالد وعمّار موضع داريهما، وخطّ لعثمان موضع داره اليوم، ويقال إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم تجاه باب النبيّ ﷺ كان يخرج منها إذا دخل بيت عثمان بن عفّان.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.