من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
افتخار الشاميّين على البصريّين وفضل الحبلة على النّخلة
قال أبو عبّاد محمّد بن سلمة البصريّ المعروف بابن العلّاف القارئ: إني لفي يوم من أيّام المعتزّ بالله في ديوان الخراج بسرّمن رأى مع جماعة من قرّاء البصريّين نطالب بأرزاقنا، وفينا عليّ بن أبي ناشر، إذ طلع علينا فتية من كتّاب الأنبار، ومعهم أبو حمران الشاعر، ونحن نصف البصرة وما خصّت به من أرض الصدقة التي لا يسوغ للسلطان الأعظم تبديلها، ولا للعمّال تغييرها، وما فيها من المدّ والجزر والخلجان ومقادير الساعات ومنازل القمر، فقال أبو حمران: ما من بلد إلّا وقد أعطي نوعاً من الفضل يتفرّد به، وضربا من المرافق معدولا عن غيره،
يعجب به أهله، ويطمئنّون إليه في تقريظه، فقلت له مجيبا: لئن قلت ذلك فإنّا لا نعرف مصرا جاهليّا ولا إسلاميّا أفضل من البصرة، ولا أرضا يجري عليها الأتاوة أشرف من أرض الصّدقة، ولا شجرة هي أفضل من النخلة، ولا نعرف بلدا أقرب برّأ من بحر، وحضرا من بدو، وريفا من فلاة، وملّاحا من جمّال، وقانص وحش من صائد سمك، ونجدا من غور من البصرة، فهي واسطة الأرض، وغوصة البحر، ومغيض الأقطار، وقلب الدنيا، ولقد مثّلت الحكماء الأرض بصورة طائر، فجعلوا الجؤجؤ بما فيه من القلب البصرة، والرأس الشام والروم، والجناحين المشرق والمغرب، والذنب السودان، وهم أكثر عددا من البيضان، فكفى بهذا وحده فخرا، فقال أبو حمران:
كلّ فتاة بفتاها معجبهوالخنفسى في عين أمّه لؤلؤه
وقالت الأعرابيّة وهي تزفّن ابنا لها وتقول:
يا قوم ما لي لا أحبّ حشودهوكلّ خنزير يحبّ ولده
فأين أنت يا أخا البصرة عن خصب الشام والجزيرة وعن فضل المسجد الأقصى والبلاد المقدّسة، وعن عذاة داري مصر وربيعة، وعن رفيع قدر الكرمة وعن قول عمرو بن كلثوم:
وعند الله يأتيه دعاهاإلى أرض يعيش بها الفقير
لأرض الشام وهي حمّى وحبّوزيتون وثمّ نشا العصير
وو الله للرقّة البيضاء وحدها أطيب من البصرة، وللرافقة أغذى من الأبلّة، ولحلب أخصب من الكوفة، وللخم وجذام وأفناء قبائل قضاعة أشرف من بكر وتميم وضبّة، وللحبلة أفضل من النخلة، وللعنب أحلى من الرطبة، وللزبيبة أطيب من التمرة، ولقد خصّ الله بلاد الشام من بركة الزيتون، والعواصم والجزيرة من لذّة التين ومن أنواع الفواكه بما يتهالك في أصغره النخل، ويستبشع معه الرطب والتمر، قال: فقلت لأبي حمران: قد سمعنا نشيدك ووعينا افتخارك، ولا
أحسبك سمعت قول الخليل بن أحمد في وصف البصرة إذ يقول في قصر أنس بن مالك ونهر بن عمرو وادي العقيق:
يا وادي القصر نعم القصر والوادي
وقول ابن أبي عيينة في ذلك:
يا جنّة فاقت الجنان فماتبلغها قيمة ولا ثمن
علقتها فاتّخذتها وطناإنّ فؤادي بذكرها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بهافانظر وفكّر يا صاح في سفن
وقوله أيضا في أرض البصرة:
يذكّرني الفردوس طورا فأرعويوطورا يواتيني إلى القصف والفتك
لغرس كأبكار الجواري وتربةكأنّ ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حولهكما انسلّ منظوم من الدّرّ من سلك
وورقاء تحكي الموصليّ إذا شدتبتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب ذاك القصر قصرا ونزهةبأفيح رحب غير وعر ولا ضنك
وسأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان عن البصرة فقال: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين، يخرج قانصان فيجيء هذا بالطير والظليم، وهذا بالسمك والشبّوط، ونحن أكثر الناس ساجا وعاجا وخزّا وديباجا وبرذونا هملاجا، وجارية مغناجا، بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أوّله رطب وآخره عطب، فالنحل في
مكاربه كالزيتون عندكم في منابته، ثم هو في أكمامه كذاك في أغصانه، ثم هو في إبّانه كذاك في زمانه، هنّ الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، يخرجن أسفاطا عظاما وأوساطا نظاما، كأنّما ملئت رياطا، ثم تفترّ عن قضبان اللّجين منظومة باللؤلؤ الأخضر، ثم يصير ذهبا منظوما بالزبرجد الأخضر، ثم يصير عسلا معلّقا في الهواء، ليس في قربة ولا سقاء، بعيدا من التراب كالشهد المذاب، ثم يصير في أكيسة الرجال فيستعان به على العيال. وأما نهرنا العجب فإنه يقبل عند حاجتنا إليه ويدبر عند ريّنا منه، وله عباب لا يحجبه، ولا يغلق عنّا دونه حجاب.
فقال هشام: بلدكم أكرم بقاع الأرض يا أخا بني تميم، فلمّا رأى أبو حمران إطراب النشيد في مدح بلدي قطع عليّ كلامي، وعارضني دون مرادي فقال: والله إنّ لنا معكم بنخل بيسان ونواحي الأردنّ لأعظم الشرك في النخل، فما نعبأ به، ولا نراه طائلا فنذكره، وما نصنع بطلب الحجّة من بعد ونحن نجدها من قرب هذا الحسن بن هانئ صاحبكم الذي لا تنكرونه، وخرّيجكم الذي لا تدفعونه يقول في البصرة:
ألا كلّ بصريّ يرى أنّما العلىمكمّمة سحق لهنّ جرين
فإن يغرسوا نخلا فإنّ غراسناضراب وطعن في النّحور سخين
فإن أك بصريّا فإنّ مهاجريدمشق ولكنّ الحديث شجون
لإزد عمان بالمهلّب ثروةإذا افتخر الأقوام ثم تلين
وبكر ترى أنّ النّبوّة أنزلتعلى مسمع في الرّحم وهو جنين
ولا لمت قيسا في قتيبة بعدهاوفخرا به إنّ الحديث فنون
وأنشد أبو حمران يصف نفسه لمّا اجتمعوا عليه في المناظرة وهو وحده:
حمول لما حمّلته غير ضيّقذراعا بما ضاق الكرام به مسكا
دعاني فأعطاني مودّة قلبهمودّته المثلى وفي ماله الشركا
ثم أشار إلى ابن أبي ناشر فقال:
جندلتان اصطكّتا اصطكاكاإنّ الذّليل يكره العراكا
وقد يضرط العير والمكواة في النار، ثم قال أبو حمران: لنا الزيت والزيتون، ولنا عروسا الدنيا غزّة وعسقلان، ومدينة دمشق وهي إرم ذات العماد، ولنا الأرض المقدّسة، وفي بلادنا الجبل الذي كلّم الله ﷿ عليه موسى ﵇، وجبل لبنان من جبالنا، وبيت المقدس من بلادنا، ولنا المدن العجيبة والكور الشريفة مثل: طرسوس والمصّيصة، وملطية، والرملة، وفلسطين، وأنطاكية، وحلب، وصور، وصيدا، وطبريّة، والكرمة أفضل الأشجار والعنب سيّد الثمار، وهي ناعمة الورق، ناضرة الخضرة، غريبة تقطيع الورقة، بديعة الزوايا، مليحة الحروف، حسنة المقادير، كأنما قوّرت من سرقة حرير، واستخرجت من ثوب نسيج، كثيفة الظلّ خفيفة الفيء، لدنة الأغصان، ليّنة الأفنان، خضرة الأطراف، كريمة الأخلاق، سلسلة القياد، رفيعة جوهر الأعواد، لذيذة الجنى، قريبة المجتنى، صغيرة العجمة، رقيقة الجلدة، عذبة المذاق، سهلة المزدرد، كثيرة الماء، فاضلة المخبر على المنظر، شريفة العنصر والجوهر، وكلام كثير لم يستدرك، ثم لا يألف الغربان الناعقات الكرم كإلفها النخل، ولا يعشّش في جوانبها العصافير المؤذية بصيلانة أصواتها عند غناء النّغران وورق العيدان كتعشيشها في الأدقال وأصول الكرانيف والأكراب، ولا يتولّد منها من ضخام الدود وسمجة الحشرات والهوامّ ما يتولّد من الليف، ولا يستكنّ في أثنائه من الذرّ والفراش، ولا يتحصّن فيها من الحيّات والعقارب وعظام العناكب وذوات السموم القاتلة ما يتحصّن في رؤوس النخل، فهذا على هذا والنخل تخلف وتحيل، ولم نر كرمه حالت ولا أخلفت، واسم الكرم مشتقّ من الكرم والكرامة والإكرام والتكرّم، وقد قدّم الله جلّ وعزّ ذكره في كتابه على سائر الأشياء فقال جلّ وعزّ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
فقدّم ذكر الكرم وجعل النخل نداء للزرع، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقال جلّ وعزّ:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
فجعل الكرم أصلا للجنّتين والنخل من الزوائد، وقال:
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ
وقال: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
فالجنّات حدائق الكرم وقال: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا
فجعل النخل في ترتيب من الخلق والكرم في مكانه من التقدّم وقال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
فهل يعرش من الشجر شيء غير الكرم والجنّة المؤنقة مقصور عليه، والمعروشة المرفوعة العيدان على الخشب والقصب وهي في الفراديس. واحدها فردوس، والحصرم أرفع من البلح، والوكاب أطيب من البسر، والعنب ألذّ من الرّطب، والعجد أقلّ غوائل من التمر، والخمر أنفع من النبيذ، وخلّ الخمر أثقف وأحسن من خلّ الدقل، والطلاء فوق الدّوشاب، والحبلة سيّدة النخلة، لأن الحبلة خير ونفع كلّها، والنخلة شرّ وعرّ وكذلك قال بعض المحدثين:
النّخل عبد وهذا الكرم سيّدهومن يقايس بين التّمر والعنب
وذكر أبو إسحاق أنه رأى بمدينة صنعاء عنبا يقال له المختّم، فوزن منه حبّة فوجدها أكثر من أربعة أساتير، والأستار أربعة دراهم، وحمل بعض عمّال الرشيد باليمن إليه في بعض ما حجّ عنقودين في محملين على بعير، وقد يحمّل من جبال أرمينية وآذربيجان أخونة عظيمة جدّا يكون دور بعضها عشرين شبرا من خشب الكرمة. قالوا: وأطيب العنب الجرشيّ، وهو دقيق وله عناقيد تكون ذراعا، ومنه عيون البقر وهو عنب أسود عظام الحبّ، ومنه السّكّر عنب صادق الحلاوة، ومنه أطراف العذارى عنب أسود كأنه بلّوط عنقوده نحو الذراع، ومنه الضّروع عنب أبيض كبار الحبّ قليل الماء عظيم العناقيد، ومنه الكلافيّ منسوب إلى كلاف بلد في شقّ اليمن، ومنه الدّواليّ عنب أسود غير حالك، وهل نحن وإن أطنبنا في ذكر العنب، وأسهبنا في نعت منافعه ومناقبه فمعطوه ما له، أو بالغون به استحقاقه، وموفّوه ما هو له من الخصال المحمودة والخلال المرضيّة، ومن طيب الطعم وشدّة الحلاوة، وكثرة الماء، وعموم النفع ووفور الجسم، وصغر العجم، وكثرة
الأجناس والضروب والأنواع، ولو أن رجلا خرج من بيته مسافرا في عنفوان شبيبته، وحداثة سنّه، واستقرى البلدان صقعا فصقعا، يتتّبع الكروم مصرا فمصرا.
حتى يهرم، وصغيرا حتى يبدن لتعرّف أجناسه وإحاطة العلم بأنواعه، بل إقليما واحدا من الأقاليم، وناحية من أقطار الأرض، لأعوزه وغلبه وعزّه وبهره، إذ كان كثرة فنونه واختلاف أنواعه لا يدرك كالسرنابا، والخمريّ بطسّوج قطربّل، والملاحيّ ببغداذ، والصّقلبيّ والأحمر بسرّمن رأى، والزّراويّ بالكوفة، والحلاوي والبيروزيّ والجرشيّ بالبصرة وأنهارها، والسّمّاقيّ بالأهواز، وعيون البقر بالشام، والمورّقيّ بالبليخ ونهر سعيد، والمختّم بالريّ، والفارسيّ والزّرجون والأسفيذمشك، والسياوشك والناشقينيّ والبازجنك، والخرجج بقزوين، والوفرباي والماني، والماسبذيّ بناحية الجبل، وأهل الطبّ مجمعون على أن العنب أكثر غذاء، وأنقى كيموسا من جميع الفواكه والثمار، وأن الإكثار منه غير ضارّ كضرر التين والخوخ وسائر الفواكه الرطبة، وأنه حارّ رطب على طبع الحياة، قليل الفضول مولّد للدم الصحيح النقيّ، وأنه ملاوم بجميع الطبائع، نافع لجميع الأسنان في كلّ البلدان، والأبيض أقلّ حرارة من الأسود، ولخمريّ قطربّل خاصّيّة في الرائحة عجيبة.
وقال الثقفيّ: أطيب الطعام عنب قطيف أصابه الخريف بوادي ثقيف. وقال خالد بن صفوان: من فاته الرازقيّ في إدباره فحقّ لأهله أن يبكوا عليه.
وقال الرسول ﷺ: كلوا الزبيب فإنه يأكل البلغم، ويطفئ المرّة ويذهب بالنصب، ويشدّ العصب، ويحسن الخلق.
وقالوا: أنفع الأشربة شراب الكرم فإنها أفضل الأشربة، كما أن ثمرتها رأس الثمار، وشجرتها رئيس الأشجار، وإنها دواء لا داء فيه، وخير لا شرّ معه، وأن من أصحّ الدلائل على ذلك وأوضح البرهانات له وصف ربّ العالمين لها باللّذّة،
وإجماع محلّليها ومحرّميها على تقديمها في الطيب، وتفرّدها بطيب النكهة، وصفاء اللون، وسلس المذاقة، وسهولة المجرى، ولذاذة الطعم، وحسن اللون، وذكاء العرف، وحمرة البشرة، وصحّة الجوهر، وطول البقاء على الدهر، وتوليد الفرح والسرور، ونفي الهمّ والغمّ، وعلى أنها تغذو فلا تؤذي، وتنفع ولا تضرّ، وأنها أنفع المشروبات المفرّقة والمركّبة لجميع الأسنان في كلّ البلدان وفي كلّ فصل وزمان، وأنها تشارك المسكرات في منافعها وتنافيها في رذائلها، وأن من أفعالها التي هي لها دون غيرها تنظيف الأبدان ورحض الأبدان، وتوفير المخاخ وتنقية الأمشاج، وتصفية النطفة، وغسل المفاصل الربيسة من الأمشاج القذرة والكيموسات المتّسخة، وأنها تفتح السّدد المنعقدة، وتذيب الفضول الزائدة، وتولد الدم الصحيح الذي هو الحياة، وتسخن الدم الغليظ الجامد الفاسد الذي منه بدو الأدواء الفاحشة، وتذكي النار الغريزيّة، وتقوي الحرارة الطبيعيّة، وتحسن اللون، وتدفئ الكلى، وتدرّ البول، وتغسل المثانة، وتقوي الكبد والمعدة، وتهضم الطعام، وتطرد الرياح، وترقّق البلغم المالح واللّزج، ثم الخمر مع ما قد وصف لها من الطيب والحسن وصار في حيّزها من ذكاء المشمّ وصحّة الجوهر فوق كبار المعجونات في دفع المضارّ وأرفع الإيارجات في تحليل أوصاب الدماغ والأعصاب، وألطف من دهن الخروع في التمشّي في عمق المفاصل، والوغول في العظام، تجانس بنفعها العقاقير المختارة، وتنوب عن السموم المحلّلة، والضمادات المندّدة، والأطلية المقوية، وتجري مع الأدوية النافعة حيث جرت، ولا بدّ للمعجونات الكبار منها إذا ركّبت، فهي أفضل ما غيّر به الماء بعد شرب الأدوية المسهلة، وعند العلاج في الحمية، ولا تذاب الصموغ المتجسّدة، وتماع ألبان النبات الداخلة في المعجونات الرفيعة، نحو الشّليثا والترياق والتياذريطوس والهبطارعان إلّا بها، وبما كان من نوعها من العقيد أو نبيذ الزبيب وخلّ
الخمر، فقالوا: آنس الله ببقائك الأيّام، وعمر بك الآداب، وأحيا بحياتك العلوم.
القول في الجزيرة
سئل الشعبيّ عن الجزيرة جزيرة العرب فقال: ما بين العذيب إلى حضرموت.
وقال الأصمعيّ: جزيرة العرب ما لم تظلّه فارس والروم.
وقال الرياشيّ: جزيرة العرب ما بين نجران إلى العذيب.
وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وفي العرض ما بين رمل يبرين إلى السّماوة.
وقالوا: الجزيرة ما بين دجلة والفرات والموصل من الجزيرة وكذلك الرّقّة والرافقة.
وقال محمّد بن الحسن: بلاد العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، ولا يرضى منهم إلّا بالدخول في الإسلام أو السيف من العذيب إلى أبين عدن فذلك الجزيرة.
قال ابن الأعرابيّ: الجزيرة ما كان فوق بقّة، وإنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات ودجلة وقد تقطع في البرّ.
وإنما سمّيت الموصل موصلا لأنها وصلت بين الجزيرة والشام، والجزيرة من عمل سميساط إلى بلد ومن الموصل إلى الأردنّ، ويقال سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الفرات ودجلة.
ومدينة الموصل بناها محمّد بن مروان، وراوند الموصل بناها راوند بن بيوراسف.
وولّى عمر بن الخطّاب عتبة بن فرقد السّلميّ الموصل سنة عشرين، فقاتله
أهل الحصن فأخذ حصنها الشرقيّ عنوة، وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية والأذن لمن أراد الجلاء في الجلاء، ثم فتح المرج وقراه وأرض بانهدرا وداسن وجميع معاقل الأكراد، وأوّل من اختطّ الموصل وأسكنها العرب، ومصّرها هرثمة بن عرفجة البارقيّ، وكان عمر عزل عتبة عن الموصل وولّاها هرثمة، وكان بها الحصن وبيع النصارى ومنازلهم ومحلّة اليهود، فمصّرها هرثمة ثم بنى المسجد الجامع، ثم بنى بعدها الحديثة، وكانت قرية قديمة فيها بيعتان، فمصّرها، وأسكنها قوما من العرب فسمّيت الحديثة، لأنها بعد الموصل، وافتتح عتبة بن فرقد الطيرهان وتكريت، وآمن أهل حصن تكريت على أنفسهم وأموالهم، وسار في كورة باجرمق حتى صار إلى شهرزور.
وتكريت من كور الموصل، وبإزائها في البريّة مدينة الحضر على برّيّة سنجار، وبينها وبين دجلة خمسة عشر فرسخا، وبينها وبين الفرات خمسة عشر فرسخا، وهي مبنيّة بالحجارة البيض، بيوتها وسقفها وأبوابها، وهي على تلّ ولها ستّون برجا كبارا، وبين البرج والبرج تسعة أبراج صغار، على رأس كلّ برج قصر، وأسفله حمّام، وقد حمل عليها نهر الثّرثار، ويشقّ المدينة ثم يخرج، وعلى حافتي الثرثار القرى والجنان، والثرثار يخرج من سنجار ويصبّ في الفرات، ويحمل عليه السفن، وكان ملك الحضر السّاطرون ثم الضّيزن، ويقال: إنه كان على الحضر باب يغلقه رجل ولا يفتحه إلّا خلق كثير، وهو الذي قال فيه عديّ بن زيد:
وأخو الحضر إذ بناه وإذدجلة تجبى إليه والخابور
وقال: الشرقيّ بن قطاميّ: لمّا افترقت قضاعة خرجت فرقة منهم إلى الجزيرة، وعليهم ملك يقال له الضيزن بن جبهلة، أحد الأحلاف، فنزلوا مدينة الحضر، وكان بناؤها، على طلسمين ألّا يهدمها إلّا حمامة ورقاء مطوّقة بحيض امرأة زرقاء، فأخرج ضيزن كلّ امرأة عارك، وغزا الضيزن في جميع قضاعة
فأصاب خلقا من أهل شهرزور فقتلهم، وأغار على السواد فأصاب، ماه أخت سابور ذي الأكتاف، فسمع سابور بذلك فخرج وأقام عليهم سنتين، لا يظفر منهم بشيء حتى عركت النّضيرة بنت الضيزن، فأخرجت إلى الربض، فنظر إليها سابور فعشقها وعشقته فقالت له: ما لي عندك أن دللتك على ما تفتح به هذه المدينة قال لها: أجعلك فوق نسائي. قالت: فاعمد إلى حيض امرأة زرقاء فاكتب به في ورقة ثم اجعلها في عنق ورشان وسرّحه، فإذا وقع على القصر أرفضّ بأهله، ففعل فكان كما قالت، فقتل من قضاعة نحو مائتي ألف رجل، وأفنى قبائل كثيرة، وبادت إلى يومنا هذا، فقال الجديّ القضاعيّ:
ألم يحزنك والأنباء تنبيبمقتل ضيزن وبني العبيد
ثم إنه خرج بابنة الضيزن حتى عرّس بعين التمر، فلم تنم تلك الليلة، قال لها: ما لك؟ قالت: لم أنم على فراش قطّ أخشن من فراشك هذه. قال: ويلك وهل نامت الملوك على فرش قطّ أوطأ من فرشي؟ قالت: نعم، ونظر فإذا في الفراش ورقة آس وكانت قد التزقت ببطنها، فقال: بما كان أبواك يغذوانك قالت:
بشهد الأبكار ولباب البرّ وصغار المعز فقال سابور: أنت لم تكافئي أبويك على حسن صنيعهما بك، ولم تفي لهما، فكيف تفين لي؟ فشدّت ذوائبها إلى ذنب فرسين جموحين ثم استحضرا فقطّعاها.
ومن الموصل أيضا: الطيرهان، والسنّ، والحديثة، ومرج جهينة، ونينوى وباجلى، والمرج، وبانهدار، وباعذرا، وحبتون، وبانقلى، وحزّة، وبانعاس، والمعله، ورامين، والحناية، وباجرمى، وبابغيش، والداسن، وكفر عزّى، وخراج الموصل أربعة آلاف ألف درهم.
وبالموصل جبل يسمّى شعران، لكثرة أشجاره، ويقال للشجر الشعراء ويقال: بل هو جبل بباجرمى، ويسمّى جبل قنديل وبالفارسيّة تخت شيرويه، وهو من أعمر الجبال، وفيه كمثري والعنب وأنواع الطير وشجر عظام كبار يقطع فيحمل إلى العراق، والثلج فيه قائم في الشتاء والصيف، وإذا خرجت من دقوقا ظهر لك وجه منه يلي الزاب الصغير.
وقال الزّهريّ: لم يبق بالجزيرة موضع قدم إلّا فتح على عهد عمر بن الخطّاب ﵁، على يدي عياض بن غنم فتح حرّان، والرّقّة، وقرقيسيا، ونصيبين، وسنجار، وآمد، وميّافارقين، وكفرتوثا، وطور عبدين، وحصن ماردين، ودارا، وقردى، وبزبدى، وأرزن.
والرّقّة: واسطة ديار مضر، ولم يكن للرّافقة أثر، وإنّما بناها المنصور سنة مائة وخمس وخمسين على بناء مدينته ببغداذ، ورتّب فيها جندا من أهل خراسان.
قال الكنانيّ في قول الله ﷿ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي
قال: إلى حرّان.
وفي قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
قال: إلى حرّان. قال كعب في قوله ﷿:
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: حرّان. وقوله أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
قال: حرَّان،
وقال رسول الله ﷺ: «رفعت ليلة أسري بي فرأيت مدينة فأعجبتني فقلت: يا جبريل ما هذه المدينة؟ فقال: نصيبين. فقلت:
اللهمّ اعجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين».
ومن مدنها: الرّها، وسميساط، وسروج، ورأس كيفا، والأرض البيضاء، وتلّ موزن، والرّوابي، والمازحين، والمديبر، والرّصافة، وكفر حجر، والجزيرة، وتقدير خراج ديار مضر ألف ألف وستّمائة ألف درهم.
ومن عمل الفرات قرقيسيا، وهي على الفرات، وعلى الرّحبة، وعلى الخابور، وهيت وعانات والحديثة والزاب. ومن كور الخابور: الصّوّر، والغدير، وماكسين، والشمسانيّة، والسّكير، وعرابان، وطابان، وتنينير العليا، وتنينير السفلى، وشاعا، وهذه المدن على الخابور.
فأما كور ديار ربيعة: فنصيبين، وأرزن، وآمد، ورأس العين، وميّافارقين، قال الشاعر:
بآمد مرّة وبرأس عينوأحيانا بميّافارقينا
ومن الموصل إلى بلد سبعة فراسخ، ومن نصيبين إلى أرزن ذات اليمين سبعة وثلاثون فرسخا، ومن آمد إلى الرّقة أربعة وخمسون فرسخا، وخراج ديار ربيعة سبعة آلاف ألف وسبع مائة ألف درهم.
ومن عجائب الجزيرة كنيسة الرّها، والروم تقول: ما من بناء بالحجارة أبهى من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهى من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العنّاب، ولا بناء بالرخام أبهى من قسيان أنطاكية، ولا بناء بطاقات الحجارة أبهى من كنيسة حمص. وقالوا: إن حول مدينة الرها ثلاثمائة وستّين ديرا، وكان بالرها صورة امرأة يقال لها هيلانة قاعدة على كرسيّ لم ير في جسمها وجمالها مثلها، فعشقها رجل فمرض من حبّها، فجاء أبوه فسكر رأسها، فلمّا نظر إليها الفتى تسلّى عنها.
قالوا: ومن عجائبنا: الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلدة فيه صدع، فمن انتضى سيفه فأولجه فيه وقبض على قبيعته بجميع يديه اضطرب السيف في يديه، وأرعد القابض. وإن كان أشدّ الناس. وفيه أعجوبة أخرى: أنه متى يحكّ بذلك الجبل سكّين، أو حديد، أو سيف، حمل ذلك السيف والسكّين الحديد وجذب الإبر والمسالّ بأكثر من جذب المغناطيس. وأعجوبة أخرى: أن ذلك الحجر نفسه لا يجذب الحديد فإن حكّ عليه سكّين، أو سيف جذب الحديد. وفيه أعجوبة أخرى: وذلك أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه.
وبالرقّة دهن الخطّارة، وفيه أعجوبة وذلك أنه لا يتّخذ إلّا في حانوت بها معروف، فإن اتّخذ في غيره من الحوانيت فسد وخاصّيّته أنه نافع للرياح والنقرس.
قالوا: ومخرج الخابور من رأس العين، ويستمدّ من الهرماس، ويصبّ في الفرات، ومخرج الثرثار من الهرماس، ويمرّ بالحضر، ويصبّ في دجلة قالوا:
ولنا الأفراس الجزيريّة.
وسأل معاوية ابن الكوّاء. عن أهل الكوفة فقال: أبحث الناس عن صغيرة وأضيعهم لكبيرة، قال: فأخبرني عن أهل البصرة. قال: غنم وردن جميعا، وصدرن شتّى. قال: فأخبرني عن أهل الحجاز. قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم فيها، وأقلّهم غناء. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة أمة فيها من كلّ خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين المصرين، ثم سكت معاوية. فقال ابن الكوّاء: لتسألني أو لأخبرنّ أو ما عنه تحيد، قال:
أخبرني عن أهل الشام قال: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم لخالق لا يدرون ما بعده.
وقال الهيثم بن عديّ: كانت دار إياد ظهر الكوفة ودير الأعور ودير قرّة ودير الأعور هو دير الجماجم.
وقال الأصمعيّ: كانت قريش تسأل في الجاهليّة عن خصب باعربايا وهي الموصل لقدرها عندهم، ولم ينلهم في خصبها شيء قطّ، وعن ريف الجزيرة وما يليها، لأنها تعدل في الخصب باعربايا، وفي التمر البصرة وفي السمك عمان.
وخراج كور الجزيرة وديار ربيعة تسعة آلاف ألف وسبع مائة ألف وخمسة عشر ألفا وثمان مائة درهم. أرزن: ألف ألف وستّة وخمسون ألفا. آمد: ألف ألف ومائة وخمسون ألفا، ديار ربيعة: ميّار فارقين: ثمان مائة ألف وستّة وخمسون ألفا. وكذلك سائر المدن مثل: ماردين، ودارا، وبلد، وسنجار، وقردى، وبزبدى، وطور عبدين، ورأس العين، وقد أجمل خراجها. ديار مضر: حرّان سبع مائة ألف وأربعون ألفا. الرّها: ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم. سميساط ألف ألف درهم. سروج: ستّمائة ألف درهم. قريات الفرات: ستّون ألف درهم. رأس كيفا: ثلاثمائة ألف وخمسون ألف درهم. أرض البيضاء: مائة ألف وخمسون ألف درهم. الرقّة: مائة ألف درهم وستّون ألف درهم. الرافقة والرّوابي: سبعة وخمسون ألف درهم. المازحين والمديبر: مائة ألف وخمسة وثمانون ألف درهم
القول في الروم
وإنما ذكرنا الروم في هذا الموضع لأنها تحاذي الشام والجزيرة.
قال يحيى بن خالد البرمكيّ: الملوك خمسة: ملك الأثاث، وملك الدوابّ، وملك المال، وملك الفيلة، وملك الإكسير. فأما ملك الأثاث فملك الصين، وملك الدوابّ ملك الترك، وملك المال ملك العرب، وملك الفيلة ملك الهند، وملك الإكسير فملك الروم. فأرض الروم غربيّة دبوريّة، وهي من أنطاكية إلى صقليّة، ومن قسطنطنيّة إلى توليّة. والغالب عليهم روميّ وصقلبيّ، والأندلس صقالبة، والروم كلّهم: نصارى ملكانيّة، ويقرءون الإنجيل بالجرمقانيّة، وهم أصحاب بقر وخيل وشاء، ويحكمون بحكم التوراة، وهم أهل صناعات وحكم وطبّ، وهم أحذق الأمّة بالتصاوير، يصوّر مصوّرهم الإنسان حتى لا يغادر منه شيئا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصيّره شابّا وإن شاء كهلا، وإن شاء شيخا، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلا ثم يجعله حلوا ثم لا يرضى حتى يصيّره ضاحكا وباكيا، ثم يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المستغرق والمبتسم والمسرور وضحك الهاذي، ويركّب صورة في صورة، ولمّا توادع قباذ وقيصر ملك الروم أهدى إليه قيصر هدايا كثيرة، فكان فيما أهدى إليه تمثال جارية من ذهب، كان إذا كان وقتا من الليل يسمع لها ترنّم لا يطنّ على أذن أحد إلّا أرقده، وفسطاط عظيم من كيمخار، وسفط جوهر.
وأوفد بعض الخلفاء عمارة بن حمزة، إلى ملك الروم، وكتب يتوعّده
بالخيل والرجال، قال عمارة، فانتهيت إلى مكان يحجب منه الرجل على مسافة بعيدة، فجلست حتى أتى الأذن، فسرت إلى مكان آخر فجلست حتى أتى الأذن ثلاث مرّات، ثم وصلت إلى داره فأدخلت دارا، وإذا على طريقي أسدان عن جنبي الطريق، وطريقي عليهما لا أجد من ذلك بدّا، فقلت: لا بدّ من الموت، فلن أموت عاجزا فحملت نفسي فلمّا صرت بينهما سكنا فجزت ودخلت دارا أخرى، وإذا سيفان يختلفان على طريقي، فحزرت أنه لو مرّ بينهما ذبابة لقطّعاها، فقلت:
الذي سلّمني من الأسدين يسلّمني من السيفين، فاستخرت الله ومضيت، فلمّا صرت بينهما سكنا، ثم دخلت دارا ثالثة وفيها الملك فلمّا صرت إلى بهوه، إذا هو في بهو فسيح أكاد أن لا أبصره لبعد مسافة البصر بيني وبينه، فمشيت حتى انتهيت إلى قدر ثلثة فغشيتني سحابة حمراء لم أبصر شيئا فجلست مكاني ساعة، ثم تجلّت عني فقمت فمشيت، فلمّا بلغت نحو الثلثين غشيتني سحابة خضراء فغشي بصري منها، فجلست حتى تجلّت، ثم قمت فمشيت فانتهيت إلى الملك فسلّمت عليه، والترجمان بيني وبينه، فأدّيت الرسالة وأوصلت الكتاب، فأمرني بالجلوس وسألني عن الخليفة وعن أشياء من أمر الأقاليم، ثم أمر بمنزل وإقامة ما أحتاج إليه، وأمرني بالانصراف والبكور عليه، فكنت لأغبّه وآنس بي، فركبت معه يوما فانتهينا إلى حائط عليه باب وحفظه، فدخلنا فإذا أصول طرفاء فقال: أتعرف هذه الشجرة؟
فقلت: لا، وظننت أن عنده فيها معنى، فقال: هذه شجرة ينفع دخانها من الخراج وتمرئ الطعام، فقلت في نفسي: لو يعلم أنها ببلادنا حطب الأراذل منا، ثم مضى إلى حائط آخر عليه باب وحفظه، فدخل ودخلنا معه فإذا مقدار قفيز من أرض فيه كبر، فقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، وظننت به ظنّي الأوّل فقال: هذا نبت وهو جوارشن، وينفع من أصابه الحرق، ويدخل في أدوية الجراحات.
فقلت في نفسي: لو يعلم هذا أن عندنا لا يكون إلّا في أخرب المواضع والمفاوز،
وأنه مباح لمن أراده، فلمّا آنست به قلت: أيها الملك أريد أن أسأل عن شيء قال:
سل عما بدا لك. قلت: إني رأيت أسدين وسيفين وسحابتين كان من قصّتهما كيت وكيت، ولم أعرف السبب. قال: أما الأسدان والسيفان فإنهما حيلة تحتال لمن ورد علينا من رسل الملوك لنروّعهم بذلك، وإذا قرب الرجل منهم سكنت كما رأيت، وأما السحابتان فإني أعلمك خبرهما، ثم ضرب بيده إلى ثني فراشة فاستخرج قطعة ياقوت أحمر كالنعل، فإذا السحابة قد غشيتنا من ضوءها ثم ردّها واستخرج أختها من زمرّد أخضر فغشيتنا السحابة الخضراء، فلمّا أزف خروجي وأجاب عن الكتاب قال: امض بنا إلى قصري فخرجنا حتى انتهينا إلى قصر عليه حفظة فدخلنا فإذا بيوت مختومة، فأمر بباب منها ففتح، فإذا جرب بيض منضّدة حوالي البيت، ثم قال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فأمر ببرنيّة فملئت منها، ثم أمر بختمها، ثم استفتح بابا آخر كالأول في طوله، فإذا جرب حمر فقال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فملئت منه برنيّة ثم ختمها وانصرفنا إلى القصر، فدعا بكير ومنفاخ ورطل نحاس ورطل رصاص، فأمر بأحدهما فأذيب، وأمر أن يلقى عليه من الدواء الأبيض ما يحمل ظفر الإبهام، ثم أفرغه فخرج فضّة بيضاء، ثم أذيب النحاس وألقي عليه من الأحمر مثل ذلك فخرج ذهبا أحمر فقال: أعلم صاحبك أن هذا مالي، وأما الخيل والرجال فإنك تعلم أنهم أكثر وأكبر، فقال عمارة: فحدّثت المنصور بهذا الحديث، فكان هذا الذي حداه على طلب الكيمياء. قال عمارة: وأعجب ما رأيت في مجلسه أنه كان إذا أراد أن يصرف الناس خرجت في ظهر كلّ رجل كفّ من الحائط فيدفعه فيعلم أنه قد أمر بالقيام.
وقال سيف بن عمر: كان ملك الروم الأوّل من آل بالع بن بعور، وبنى قرية دنحب، ثم ملك بعده يوبب بن زرح، ثم ملك بعده هوشم، ونزل التّيمن، ثم ملك بعده هدد بن بدد الذي قتل المدنيّين، ثم ملك سمل بن مسرق، ثم عدّة كثيرة.
وقال حذيفة: كان على الروم ملك يقال له مورق سيّء السيرة، فاجتمع إليه
من المؤمنين اثنان وسبعون رجلا على أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر فانتدب منهم رجلان لذلك فكلّماه فأمر بهما ليصلبا، فاجتمع السبعون فقال بعضهم لبعض: نقضتم العهد وأسلمتم إخوانكم للقتل، وأمركم الآن أشدّ من أمركم الأوّل، فائتمروا ليأخذوا السلاح ويفتكوا لمورق. حتى يقتلوه، فلمّا أبرز المورق بالرجلين شدّوا عليه فقتلوه، ونادوا: أيّها النّاس لا بأس فإنما غضبنا لله، فاجتمع إليهم الناس وقالوا لهم: قد قلّدناكم أمورنا، فولّوا من أنفسكم من شئتم، فملّكوا عليه رجلا يقال له فوق، فهو الذي ضرب الدنانير الفوقيّة، ثم ملك فوق وكان سيّء السيرة، فأرادت الروم أن تخلعه، فعمد إلى خزائنهم وأموالهم فرمى بها في البحر، وشحن منها السفن، وأسرعها تحملها الريح حتى جاءت بها إلى الشام، وكان شهر براز غلاما لكسرى على الشام، فخرج إلى الساحل فرأى السفن، فأمر بها فأخذت واستخرج ما فيها من الأموال، فسمّى ذلك المال كنج باذاورد، فبطلت أموال الروم منذ حينئذ، فليس في الأرض روميّ له عطاء أكثر من خمسة دنانير وعشرة دنانير هذا للشريف منهم فهم إلى يومنا هذا على هذا.
وقال ابن دأب عن موسى بن عقبة قال: كان عبادة بن الصامت يحدّث أن بعض الخلفاء بعثه وهشام بن العاص ونعيم بن عبد الله إلى ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، قال: فخرجنا حتى جئنا جبلة ابن الأيهم الغسّانيّ وهو بالغوطة، فأدخلنا إليه فإذا هو على فرش مع السقف، فأجلسنا بعيدا فأرسل إلينا رسولا نكلّمه، فقلنا لا والله لا كلّمناه برسول، فأدنينا منه فكلّمه هشام ودعاه إلى الله، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: ما هذه المسوح التي لبستها؟ قال: لبستها وعليّ نذر ألّا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: والله لنخرجنّك من فرشك ومن دار مملكتك ونملك الملك الأعظم إن شاء الله،
أخبرنا بذلك نبيّنا ﷺ، قال: إذا أنتم السّمراء. قلنا: وما السمراء؟ قال: الذين يصومون النهار ويقومون الليل. قلنا:
فنحن والله هم. قال: وكيف صومكم؟ فأخبرناه بذلك. قال: فرطن لأصحابه
وقال: قوموا وعلاه سواد
ثم بعث معنا رسولا إلى ملك الروم، فلمّا دنونا من مدينته قال الذين معنا: إن دوابّنا هذه لا تدخل مدينة الملك، وكنّا على رواحل فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: لا والله لا ندخل إلّا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فأرسل أن خلّوا عنهم، فدخلنا معتمّين علينا السيوف على الرواحل، وإذا غرفة مفتوحة ينظر منها إلينا، وأقبلنا حتى أنخنا تحت الغرفة، قلنا:
لا إله إلّا الله والله أكبر، قال: والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى كأنها عذق سعفة ضربها الريح، وأرسل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فأرسل أن ادخلوا فدخلنا، فإذا عليه ثياب حمر، وإذا كلّ شيء عنده أحمر، والبطارقة حوله فدنونا منه، فإذا هو يفصح العربيّة، فقال لنا وضحك: ما منعكم أن تحيّوني بتحيّة نبيّكم؟ فإن ذلك أجمل بكم، قلنا: تحيّتنا لا تحلّ لك، وتحيّتك التي تحيّا بها لا تحلّ لنا. قال: وما هي؟ قلنا السلام عليك. قال: فما تحيّون ملككم؟ قلنا: بهذا نحيّيه. قال: فكيف يردّ عليكم؟ قلنا: كما نقول له. قال: أفما يرثكم؟ قلنا: لا إنما يرث منا الأقرب فالأقرب. قال: وكذلك ملككم؟ قلنا: نعم. قال: فما صومكم وصلاتكم؟ فوصفنا له. قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلّا الله والله أكبر، فالله يعلم أنه انتفض سقفه حتى ظنّ هو وأصحابه أن سيسقط عليهم، ثم قال: هذه الكلمة هي التي نفضت الغرفة؟ قلنا: نعم. قال: وكلّما قلتموها نفضت سقوفكم؟ قلنا: لا. قال: فإذا قلتموها في بلاد عدوّكم تفعل ذلك؟ قلنا: لا، قلنا: وما رأيناها صنعت ذلك إلّا عندك. قال: ما أحسن الصدق، أما أني وددت أني خرجت إليكم من نصف ملكي، وأنكم كلّما قلتموها ينفض كلّ شيء. قلنا:
ولم ذاك؟ قال: كان ذاك أيسر لشأنها وأجدر ألّا يكون نبوّة، وأن يكون من حيلة الناس. قال: فما كلمتكم التي تقولون لا إله إلّا الله ليس معه غيره. قلنا: نعم.
قال: والله أكبر أكبر من كلّ شيء؟ قلنا: نعم. ثم سألنا سؤالا شافيا وخرجنا من عنده، وقد أمر لنا بمنزل حسن، ونزل كثير فمكثنا ثلاثا، ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فإذا ليس عنده أحد فاستعادنا القول، فأعدنا عليه، ودعا بشيء كهيئة الرّبعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا فأخرج منه خرقة سوداء
حريرا، فنشرها فإذا فيها صورة، وإذا رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، طويل العنق، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﵇، ثم فتح بيتا آخر فأخرج منه خرقة سوداء فنشرها، فإذا صورة بيضاء فإذا رجل له شعر كشعر القبط، أحمر العينين، عظيم الهامة، قال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بيتا آخر فاستخرج خرقة مثل الأوليين، فإذا صورة بيضاء شديدة البياض، وإذا رجل حسن العينين، طويل الخدّ، شارع الأنف، مختلط شيب الرأس أبيض اللحية، والله لكأنه يتبسّم، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا:
لا. قال: هذا إبراهيم ﵇، ثم أخرج خرقة سوداء مثلها، فنشرها فإذا صورة وإذا والله رسول الله ﷺ قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، وبكينا وقلنا: هذا نبيّنا محمّد ﷺ فالله يعلم أنه قام قائما ثم جلس فقال: الله لهو هو، قلنا: والله لهو هو، كأنّا ننظر إليه حيّا، فأمسك ساعة ينظر ثم قال: أما والله إنه آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأعلم ما عندكم، فأعاده وفتح بيتا آخر فأخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة صحماء أدماء رجل كثير الشعر جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلّص الشفة، وإلى جنبه صورة شبيه به غير أنه مدوّر الرأس عظيم الجبين في عينه قبل، فقال: هذا موسى وأخوه هارون، ثم فتح بابا آخر فاستخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء أشبه ما خلق الله بصورة امرأة عجيزة وساقا، قال: هذا داود ﵇، ثم استخرج خرقة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص طويل الرجلين قصير الظهر وإذا هو راكب على فرس لكلّ شيء منه جناح، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان، وهذه الريح تحته، ثم أخرج لنا خرقة سوداء فيها صورة صفراء وإذا رجل شديد سواد الشعر سبطه كثيرة حسن الوجه والعينين مشتبه كلّ شيء، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا عيسى ﵇، قلنا: ومن أين هذه الصور هكذا؟ فإنّا نعمل أن هذه الصور على ما صوّرت، لأن صورة نبيّنا ﷺ مثله، قال: إن آدم ﵇ سأل ربّه جلّ وعزّ أن يريه أنبياء بنيه، فأنزل عليه صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم في مغرب الشمس، فصوّرها دانيال على تلك الصور في
خرق حرير، فهي هذه بعينها، وو الله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عبدا لأشرككم ملكه، ولكن نفسي لا تطيب ثم أجازنا وأحسن جائزتنا وسرّحنا.
قال: ولمّا دخل أنوشروان أرض الروم وخرج منها فقد بها رجلا من متطبّبيه يسمّونه الزرسبيذ، فاشتدّ على أنوشروان ذلك، وغبر الرجل بأرض الروم سنين، حتى عرف كلامهم، وقرأ كتبهم، وعظم شأنه، فلمّا أحكم ما يريد انصرف إلى أنوشروان، فعظّم موقعه لما رجا أن يجده عنده ما يحبّ أن يعرف من حال الروم، فخلا به فسأله عن شدّة ما رأى من بأس القوم ونجدتهم، فقال الزرسبيذ: إنّا لم نزل نسمع من الملك أن النجدة قسم شريف، وقد يجمع قسمه أقساما لا تتمّ إلّا بها، وأنه لا يستحقّ أحد اسم البأس والشدّة إلّا بما يشيّعه من الصبر الذي به يحتمل الإخطار بالنفس، والأنفة التي بها يقدم على ما أقدم به، وحسن الذكر والبصيرة الذي هو ملاك ذلك كلّه، ورباطة الجأش التي بها يوطّن على ما ناله من إحراز المكرمة وحسن الثناء، وقلّ من رأيته فيهم ممن يستحقّ هذه الصفة، وذلك لمخالفتهم دينهم الذي يدينون به.
قال: فكيف حظّهم من العلم؟ فوصفهم بقلّته وزعم أن مفتخرهم إنما يفتخر بكتب الفلاسفة في المنطق، وإنما هي غايتهم، قال: فأين مبلغهم من الطبّ؟ قال:
أما الطبّ فمعرفتهم بالطبائع، والجواهر، وعلاج الحرارة والبرودة، وفضول المرّة والبلغم، بالعقاقير المسمّاة لهم، لا يعرفون غير ذلك ممّا بسط لأهل الهند من علاج الأرواح، والأدواء الغليظة، والرقى، والاستعانة ببعض الأرواح على بعض، قال: فالنجوم؟ قال: قلّ حظّهم منه جدّا، قال كسرى: فما بلغك فيما يدّعيه بعضهم من صنعة الذهب والفضّة، وعن الأصباغ التي يصبغ بها الجوهر، فينقل إلى غير طبائعه، وما حكي لنا عن طلسماتهم؟ قال: كان ذلك من أهمّ أمورهم عندي أن أظفر به، فلم أجد لشيء من ذلك حقيقة، فأما الطلسمات فإنها أمور قديمة، كان على الأرض من قوى بشيء لشيء قد ألّف من الكلام والرقى والعقد على تماثيل قد رأيتها بها، ممّا تقادم عمله في الأزمنة الماضية قبل مخرج عيسى
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع