من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
ما ذكر في ذم بغداد وكراهة نزولها»
وقد كره قوم من العلماء السكنى ببغداد والمقام بها وعابوها وذكروا أنها دار فتنة لكثرة ما فيها من الفساد ومن أنواع الفجور وشرب الخمور والزنى وكثرة الربى.
وروى أبو عثمان النهدي قال: كنت مع جرير بن عبد الله على قنطرة قطربل فقال: ما يدعى هذا النهر؟ قلت: دجلة. قال: هذا؟ قلت: دجيل. قال: فهذا؟
قلت: الصراة. قال فهذا النخل؟ قلت: قطربل. فركب فرسه ثم أسرع حتى خرج عن القنطرة ثم
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة والدجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض. ينزلها الجبار، يخسف بها، فهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.
وقال أبو العالية: يكون خليفة يملك عشرين سنة إلّا شهرا ثم لا تسل عن هلكه العرب. تبنى مدينة بين قرية الخر ودجلة ولها أربعة أبواب مشيدة، وشرقي وغربي وعراقي وشامي. يظهر فيها الفسق يخسف بها. ولبني حام عليكم نزوة ويحاربونكم حرب الاستئصال. ولبني قنطورا نزوة مثل ذلك. ثم لا تسأل عن هلكه العرب.
وكان بشر بن الحارث يقول: ما ابتنيت بغداد إلّا على البلاء. مرة حرق.
ومرة غرق. ومرة فتن.
وقال الهذيل بن بلال عن عطاء.
قال خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ متوجها إلى الشام فنزل بقرية يقال لها قطربل ذات نخل وبساتين، فسأل رجلا من أهلها، فقال: ما اسم هذه القرية؟ قال: قطربل. فقال علي ﵇ لأصحابه: أرحلوا. وسار عنها فزعا حتى نزل السيلحين وقال لأصحابه: ضعوا أسلحتكم وأمتعتكم فقد نجوتم من البلاد إن شاء الله. ثم أنشأ يحدثنا عنها فقال: يا لها قرية ما يجمع الله فيها وعلى ما يقترفون. ثم حانت منه نظرة إلى قرية فيها تلّ عظيم فقال: والذي نفسي في يده لتكونن تحت هذا التل وقعة صلحية يتحدث عنها كل ناج من القتل. آية ذلك إذا شققت فيها الأنهار وبنيت القصور وسندت الدور وكثر الفجور، ولم يتناه أهلها عن منكر. فهنالك تحل بهم البلية لما ارتكبوا من الخطيّة.
وقال أبو صالح الباهلي: قال لي شيخ من أهل الكتاب في أيام مروان بن محمد: هذا أوان ذهاب ملك بني أمية. قلت: وما آية ذلك؟ قال: تظهر رايات السود من خراسان فتطوي ملك بني أمية طيا. فلم نلبث إلّا قليلا حتى ظهر أبو مسلم وكان من أمر واحده الدولة ما كان. ثم لقيت ذلك الرجل في وسط أيام أبي مسلم. فقلت: قد صح ما قلت، فأين تكون دار المملكة؟ قال: أرض يقال لها بغداد. تجسّر بها الجسور ويكثر أهلها وتجتمع إليها الأموال.
وخطب أمير المؤمنين ﵁ بالكوفة فقال في خطبة: يا أهل الكوفة! أنتم اليوم بخير. فكيف بكم إذا حشرتم ذات نخل وكرم يجتمع إليها كل برّ وفاجر يقال [لها] بغداد، باغية طاغية. يلي بناءها رجل من ولد بني العباس رخص الشعر يقال له عبد الله تكون خلافته زمانا. ثم ذكر فيها شيئا، قال: ويخرج رجل لو شئت لأنبأتكم باسمه واسم أبيه. فإذا خرج ذلك الرجل فقل لبني العباس فليلحقوا بوادي القرى كما كانوا قديما.
وقال إسماعيل بن إبراهيم عن إبراهيم بن بشير قال: انصرفنا بعض الصوائف
نريد البصرة. فلما صرنا إلى موضع بغداد،- وليس هناك إلّا نخل وقرى ودير في موضع العتيقة، وآخر يقابله من موضع الدعالجة والباقي صحراء- وهناك راهب في صومعة. فدنوت منه وحادثته ساعة ثم قلت له: يا راهب! ما أرى لك هاهنا زرعا ولا ضرعا. فضحك ثم قال: أخبرني أبي عن جدي- وكان عالما بالكتب القديمة- ان ملك بني أمية زائل عنهم برجل يخرج من خراسان مجهول النسب، معه خلق قد سوّدوا ثيابهم. فإذا أزالوا سلطان بني أمية دفعوا الملك إلى رجل من بني العباس فيملكه عدة سنين ثم يهلك، ويقوم آخر مكانه فيبني هاهنا مدينة لا يكون على الأرض مثلها في كثرة الأموال والناس والأسواق. فضحكت تعجبا منه. فقال: لا تضحك، فإن عمرت رأيت. فما متّ حتى رأيت ما قاله لي.
وقال العتبي: حدثني رجل من أهل البصرة قال: اجتزت في بعض شوارع بغداد يوما في السحر وقد اشتبكت أصوات المؤذنين فأعجبني ذلك وحمدت الله عليه. فإذا هاتف يهتف بي ويقول: ما الذي يعجبك من مدينة فجر الليلة فيها سبعون ألفا، وافتض من ذلك عشرة آلاف فرج حرام.
وقال إبراهيم بن عيينة: كنت مع قيس بن الربيع ببغداد، فلما انتهينا إلى باب البصرة وجزنا القنطرة قال: هذا المكان الذي يخسف به وهو ناحية دور الصحابة وما والى ذلك.
وكان الفضيل بن عياض إذا ذكرت عنده بغداد، قال: أما أسواقها فكافرة وأما أسواقها فلاعنة.
وقال بشر بن الحارث: جاء أبو جعفر إلى هذه البلدة فخطر عليها. وجاء بآبائنا فأسكنهم فيها. وكانوا لا يعلمون. ثم نشأ الأبناء فسألوا وفتشوا ودققوا النظر ثم أقاموا فيها مثلهم كمثل الذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة. وإن أراد ربك أن
يغرقهم فما يضيع. أما سمعت بقوله: فلما أسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين.
وقال بشر: والله للخروج منها على جهد أحب إليّ من المقام فيها على حسن حال.
وقال الفضيل بن عياض: لا تكونن ببغداد مؤذنا.
وقال بشر: ودعت عيسى بن يونس فقال لي: يا بشر! إلى أين تنتقل، إلى تلك القرية السوء؟
وقال بعضهم المتعبد ببغداد كالمتعبد في الحشر.
وأقام ابن المبارك ببغداد أياما يسيرة، فكان يتصدق كل يوم بدينار.
وكتب بعضهم إلى العتّابي يستوطنه بغداد فكتب إليه: أمّا بعد. فإنك في بلاد وجدهم بالدنيا وجد من لا يرجو معادا. قد نصبت لهم الجبابرة علم التكاثر فحلبهم الفتن واحكام معان القرآن فارتم تلك النحلة بالهجران والبس منها جنّة الحذر. فإن في جوارهم مشتبه لنار الحرص وغضيض الشهوات. معاينتهم ذم القناعة. بصغير النعم قد أمّ عنهم الأمل، مكر الله وهل يأمن مكر الله إلّا القوم الخاسرون؟
وقال أبو صالح شعيب بن حرب: قلت لسفيان الثوري: لي والدة ببغداد أآتها؟ قال: لا. قلت: فإن أتيتها فحضرت الصلاة أصلي فيها؟ قال: لا، إلّا الجمعة ولا يطاع فيها فإنها دار فتنة.
وقال رجل لسفيان: لي قرابة ببغداد ولا بأس به. قال: يقول لرجل يسكن بغداد لا بأس به.
قال أبو الأحوص: سألت سفيان عن الجلب إلى بغداد. فقال: اجلب إليها كل شيء ما خلا الكراع والسلاح.
وقال بعضهم: إني لأمشي في بغداد، فكأنما أمشي في النار.
وكان ابن إدريس يقول: اخرج عليّ من ذكر حديثي ببغداد.
وقال ابن الربيع: قلت لإبراهيم بن صالح أيام صحبة ابن حنبل: ادع الله له.
قال: لا أفعل. قلت: لم؟ قال: هو يسكن بغداد.
وجاء الوليد البغدادي القاص إلى الفضيل بن عياض ووضع يده في يده وأقبل يسأله والفضل قد أعجب به إلى أن قال له: أين المسكن؟ قال: بغداد.
فانتزع يده من يده ثم قال: يجيء أحدكم يسأل عن كأنه من عمال الله أو من الدعاة إليه. فإذا قيل له أين المسكن قال: في عش الظلمة.
قال: وكان بعض الصالحين، إذا ذكرت عنده بغداد تمثّل:
قل لمن أظهر التصوّف في الناسوأمسى يعدّ في الزّهّاد
الزم الثغر والتواضع فيهليس بغداد منزل العبّاد
إنّ بغداد للملوك محلّومناخ للقارئ الصيّاد
وسأل المعتصم أبا العيناء عن بغداد وكان سيّء الرأي فيها فقال: هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل:
ما أنت يا بغداد إلّا سلحإذا اعتراك مطر أو نفح
وإن جففت فتراب برح
[وكما قال آخر]:
هل الله من بغداد يا صاح مخرجيفأصبح لا تبدو لعيني قصورها
وميدانها المذري علينا ترابهإذا شحجت أبغاله وحميرها
فهي أم الوحول، ومطرح البقول. عذرتها في طرقها، وقذرها في وسطها
يموت أهلها في الصيف حرقا، وفي الشتاء غرقا. الميت فيها مطروح لا يجد من يحمله، والمسكين بها ما يصيب أحدا يصدّق عليه. والغريب فيها مسلور والغرب بها أهل شيوخها يتصافعون وشبابها يتناهدون. وصبيانها يؤاجرون. ونساؤها يزنون ويساحقون. البغاء منهم غير منكر، والقرون من رجالهم لا تستر. وهم مع هذا يتامى أمير المؤمنين. وقد قال فيهم الشاعر:
أذمّ بغداد والمقام بهامن بعد خبرة وتجريب
ما عند أملاكها لمختبطخير ولا فرجة لمكروب
يحتاج باغي النوال عندهمإلى ثلاث من بعد تثريب
كنوز قارون أن تكون لهوعمر نوح وصبر أيوب
قوم مواعيدهم مزخرفةبزخرف القول والأكاذيب
خلّوا سبيل العلى لغيرهمونافسوا في الفسوق والحوب
وقال آخر:
أقمت ببغداد مذ أشهروكنت ببغداد ذا غيرة
فما إن قطعت بها شعرةوما ان فتتّ بها بعرة (؟
وما ان ترفّق لي حاجةكأني وطيت على نشرة
وعاندني الخير مذ جئتهامعاندة الضرّة للضرّة
وإني بها عاشق درهماومن لي يا صاح بالزهرة
فعجبي بسيري إلى بلدتيكعجب الطفيلي بالسفرة
ولو كنت ممّن يجيد الغناءلأحرزت مذ جئتها بدرة (؟
فإن ردّني الله من صيفهاسليما إلى البصرة
وعدت إليها فعرسي طلاقثلاثا وجاريتي حرّة (؟
وقال آخر:
لقد طال في بغداد ليلي ومن يبتببغداد يصبح ليله غير راقد
بلاد إذا ولّى النهار تقافزتبراغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة شهب البطون كأنّهابغال بريد أرسلت في مذاود
وقال آخر:
زعم الناس أن ليلك يا بغدادليل يطيب فيه النسيم
ولعمري ما ذاك إلّا لماخالفهم بالنهار منه السموم
وقليل الرخاء يتّبع الشدةعند العباد أمر عظيم
وقال آخر:
ترحّل فما بغداد دار إقامةولا عند من يرجى ببغداد طائل
محلّ أناس سمتهم في أديمهموكلّهم من حلية المجد عاطل
وقال بعض الصالحين: ما أحب أن أسكن أحد المصرين على أن أتصدق كل يوم على مائتي مسكين. فقيل له أي مصرين هما؟ قال: مصر وبغداد.
وقال يعقوب بن إسحاق: سمعت أبي يقول: سمعت يزيد بن هارون - وسأله رجل أيام الفتنة، فقال: إن أبويّ يكرهان أن أخرج عن بغداد. فقال يزيد:
إن أحب أبواك أن يقيما بأرض الشرك أتقيم معهما؟ قال: ثم رأيته بعد هذا القول مقيما ببغداد.
وقال ابن الكلبي: سميت البردان التي فوق بغداد بأربعة فراسخ بردانا لأن ملوك الفرس كانوا إذا أتوا بالسبي فنقّوا شيئا منه قالوا: برده. أي ذهبوا به إلى القرية البردان فسميت بذلك. قال: وكانت بردان الكوفة لوبرة بن رومانس أخي النعمان بن المنذر لأمّه فمات ودفن فيها. ولذلك قال مكحول بن حارية يرثيه:
فما الدنيا بباقية لحيّوما حيّ على الدنيا بباق
لقد تركوا على البردان قبراوهمّوا للتفرّق بانطلاق
قال: وأنشدني الهيثم بن عيسى الكاتب لبعضهم:
كفى حزنا والحمد لله أننيببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي
أصاحب من لا أستلذّ صحابهوآلف قوما لست فيهم براغب
ولم أثو في بغداد حبا لأهلهاولا أنّ فيها مستفادا لطالب
سأرحل عنها قاليا لسراتهاوأتركهم ترك الملول المجانب
فإن ألجأتني النائبات إليهمفأير حمار في حر أمّ النوائب
وقال آخر:
اركب ببغداد وجوّل بهاواقصد لمن شئت من الناس
تجده من كان إذا جئتهمستترا عنك بإفلاس
يبدي لك الفقر ويطوي الغنىمنك ويدنيك من الياس
يخضع في المنطق من بخلهوقلبه كالحجر القاسي
وأنشد لمطيع بن إياس:
حبّذا عيشنا الذي زال عناحين نلنا المنى ولا حبّذا ذا
أين هذا من ذاك سقيا لهاذاك، ولسنا نقول سقيا لهذا
زاد هذا الزمان شرا وعرّاعندنا إذ أحلّنا بغداذا
بلدة تمطر التراب على الناس كما تمطر السماء الرذاذا
فإذا ما أعاذ ربي بلادامن عذاب كبعض ما قد أعاذا
خربت عاجلا كما خرّب اللهبأعمال أهلها كلواذى
وقال محبوب بن أبي العشنّط النهشلي:
لروضة من رياض أو طرفمن القرنة جرد غير محروث
يفوح منه إذا مجّ الندى أرجيشفي الصداع ويشفي. كلّ ممغوث
أملا وأحلى لعيني إن مررت بهمن كرخ بغداد ذي الرمّان والتوث
الليل نصفان: نصف للهموم فماأقضي الرقاد. ونصف للبراغيث
أبيت حين تساميني أوائلهاأنزو وأخلط تسبيحا بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذيةوليس ملتمس منها بمشبوث
وقال بعض الكلابيين- وكان ببغداد فآذته البراغيث-:
أصبحت سالمت البراغيث بعد مامضت ليلة مني وقلّ رقودها
فيما ليت شعري هل ازورنّ بلدةقليل بها أوباشها وعبيدها
وهل اسمعنّ الدهر أصوات ضمّرتطالع بالركبان صعرا خدودها
تراطن حولي كلّما ذرّ شارقببغداد أنباط القرى وعبيدها
وهل أرينّ الدهر نارا بأرضهابنفسي وأهلي أرضها ووقودها
قال عياش بن باغان الرقي: مبتدأ دجلة من تحت حصن في جبل بآمد وعرضها عند منبعها أقل من عشرة أذرع، ثم تمر بجبال السلسلة. وفي جبال السلسلة عيون كثيرة يصب في دجلة ثم تخالطها أنهار عظيمة منها الخابور والزرم وغيرهما من الأنهار. ثم تصب إلى جزيرة ابن عمر التغلبي. وتخالطها أيضا أنهار كبار من نواحي أرمينية ثم تصير إلى بلد ثم إلى الموصل. فإذا أجازت الموصل بسبعة فراسخ، صب إليها الزاب الكبير. ومن تل فافان تحمل فيها السفن
والأطواف. فإذا بلغت السنّ، صب إليها الزاب الصغير. ثم تخالطها ببغداد أنهار من الفرات منها الصراة ونهر عيسى وغيرهما حتى تصير إلى البطائح.
وروي عن كعب أنه قال: النيل نهر العسل في الجنة، ودجلة نهر اللبن والفرات نهر الخمر، وسيحان نهر الماء وهي التي ذكرها الله في القرآن.
وقال أحمد بن محمد الحاسب: أمر المتوكل بتسهيل أبواب دجلة من الموصل إلى بغداد وقلع الحجارة التي في الطريق لها الأبواب. فقيل له: يا أمير المؤمنين! إن عمك المأمون قد كان أمر بمثل ما أمرت فقيل له ان الله جلّ وعز إنما جعل هذه الصخور وفي هذه المواضع. وان كان فيها بعض الضرر على المجتازين لما في ذلك من الصلاح لعباده وعمارة بلاده من جهة معايشهم. وذلك انها ترد حمية الماء عن حافتي دجلة. ومقامها مقام الشكور. ويحتاج إليها أيضا لينضمّ الماء ولا يتفرق فيحمل على الأنهار. ولولا هذه الحجارة لفقر الماء دجلة حتى تخطّ وأضر ذلك بالناس وبطلت العمارة. فأمسك عما كان همّ به.
قال: وبأسفل واسط تسكن جرية دجلة وتخف. وهناك تأخذ منها أنهار كسكر ونواحيها. فأما ما يأخذ منها ويسقي الجانب الشرقي، فالقناتان الشتوية والصيفية وهما اللتان عملهما المتوكل لسرمرى كانتا تدخلان المسجد الجامع وتتخللان شوارع سامرا. ثم النهر الذي قدّره أيضا وعمل على أن يدخل الخير فلم يتم. وقد كان أنفق عليه سبعمائة ألف دينار. وكان السبب في أنه لم يتم، ان المتوكل قتل قبل الفراغ منه. وقد حاول المنتصر أن يتمه، فلقصر أيامه لم يستو ذلك.
ثم القاطول الكسروي يسقي النهروان وعليه شاذروان فوقه يسقي رستاق بين النهرين من طسوج بزرجسابور. ثم القاطول المعروف بأبي الجند، يأخذ من دجلة ويصب أسفل الشاذروان الذي أحدثه الرشيد عند عمله ذلك
الشاذروان عوضا لأهل النهروان بسبب ما سدّ عنهم الشاذروان.
ثم نهر السلام يأخذ من دجلة ويسقي كلواذى ونهر بين بزرج سابور ونهر بوق.
وفي الجانب الغربي، النهر المعروف بالإسحاقي في مبتدأه من تكريت وهو يسقي العمارات. والقناة القديمة يسقي أيضا العمارات. ودجيل يسقي قطربل ومسكن.
[بنى الأكاسرة بين المدائن التي على عقبة همذان وقصر شيرين مقبرة آل ساسان. وعقرقوف كانت مقبرة الكيانيين وهم أمة من النبط كانوا ملوكا بالعراق قبل الفرس].
القول في سرمرى
قال الشعبي: كان سام بن نوح له جمال ورواء وعقل ومنظر، وكان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عند خروجه من السفينة ببازبدى وسماها ثمانين، ويشتو بأرض جوخا. وكان ممره من أرض جوخا إلى بازبدى على شاطئ دجلة من الجانب الشرقي. فيسمى ذلك المكان إلى الآن سام [راه، يعني طريق سام].
وقال إبراهيم بن الجنيد: سمعتهم يذكرون أن سامرا بناها سام بن نوح ودعا أن لا يصيب أهلها سوء. فأراد السفاح أن يبنيها فبنى مدينته بالأنبار بحذائها.
وأراد المنصور بعد ما أسس بغداد وسمع في الرواية ببركة هذه المدينة أن يبنيها.
فابتدأ بالبناء في البردان ثم بدا له وبنى بغداد. وأراد الرشيد أيضا بناءها، فبنى بحذائها قصرا وسماه المبارك وهو بحذاء أثر بناء قديم كان للأكاسرة. ثم بناها المعتصم ونزلها سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وروى ليث عن مجاهد قال: حيثما اجتمع المسلمون فهو مصر.
ولم يبن أحد من الخلفاء من الأبنية الجليلة ما بناه المتوكل. فمن ذلك القصر المعروف بالعروس، أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم. والمختار، خمسة ألف ألف درهم. والوحيد، ألفي ألف درهم. والمسناة عشرين ألف ألف درهم. والبرج ثلاثين ألف ألف درهم. والجوسق الإبراهيمي، ألفي ألف درهم.
والجعفري المحدث عشرة ألف ألف درهم. والغريب عشرة ألف ألف درهم.
والشيدار عشرة ألف ألف درهم. والبرج عشرة ألف ألف درهم. والصبح خمسة
ألف ألف درهم. والمليح خمسة ألف ألف. والقصر في بستان الإيتاخية عشرة ألف ألف. والتل علوه وسفله خمسة ألف ألف. والجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف. والمسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف درهم. وبركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم. والقلائد خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار. والفرد في دجلة ألف ألف درهم. والقصر بالمتوكلية وهو الذي يقال له الماحوزة خمسين ألف ألف درهم. والبهو خمسة وعشرين ألف ألف. واللؤلؤ خمسة ألف ألف درهم. فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف ألف درهم.
وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى أحدهم بناء من قصر أو غيره، أمر الشعراء أن يعملوا فيه [شعرا]. فمن ذلك قول علي بن الجهم في الجعفري الذي بناه المتوكل
وما زلت أسمع أنّ الملوكتبني على قدر أقدارها
وأعلم أنّ عقول الرجاليقضى عليها بآثارها
فلما رأينا الإمامرأينا الخلافة في دارها
بدائع لم ترها فارسولا الروم في طول أعمارها
وللروم ما شيّد الأولونوللفرس آثار أحرارها
وكنا نحسّ لها نخوةفطامنت نخوة جبّارها
وأنشأت تحتج للمسلمينعلى ملحديها وكفّارها
صحون تسافر فيها العيونإذا ما تجلّت لأبصارها
وقبة ملك كأنّ النجومتفضي إليها بأسرارها
تخرّ الوفود لها سجّداسجود النصارى لكبّارها
لها شرفات كأنّ الربيعكساها الرياض بأنوارها
نظمن النسانس نظم الحليّأمون النساء وأبكارها
فهنّ كمصطحبات برزنلفصح النصارى وأقطارها
فمن بين عاقصة شعرهاومرسلة عقد زنّارها
وأروقة شطرها للرخاموللتبر أكرم أشطارها
إذا رمقت تستبين العيومنها منابت أشفارها
وسطح على شاهق مشرفعليه النخيل بأثمارها
إذا الريح هبّت لها أسمعتك عزيف القيان بأوتارها
أطاعتك دجلة فاستنجدتعليك بأغزر أنهارها
وفوارة ثأرها في السماءفليس تقصّر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلتإلى الأرض من صوب مدارها
لو أنّ سليمان أدّت لهشياطينه بعض أخبارها
لأيقنّ أنّ بني هاشميقدّمها فضل أخطارها
فلا زالت الأرض معمورةبعمرك تأخير أعمارها
قال: وحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البيهقي، قال: أنشدني حماد بن إسحاق الموصلي لأبيه في الواثق ويصف سرمرى وصيده بها ويذكر النجف ويزعم أنه كتبها عنه كل ذي نعمة وأدب ببغداد. أوّلهم ابن أبي داود. وفيها عدة ألحان صاغها المغنّون:
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقفنحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف
وابك المعاهد من سعدى وجارتهاففي البكاء شفاء الهائم الكلف
لا تمنع العين من دمع تجود بهفي دار سعدى ولكن خلّها تكف
أشكوا إلى الله يا سعدى جوى كبدحرّى عليك متى ما تذكري تجف
أهيم وجدا بسعدى وهي تصرمنيهذا لعمرك شكل غير مؤتلف
أما أنالك أن تنهاك تجربةعنها وما كان من وعد ومن خلف
دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحةواكفف هواك وعدّ القول في لطف
ما ان أرى الناس في سهل ولا جبلأصفى هواء ولا أغدى من النجف
كأنّ تربته مسك يفوح بهأو عنبر دافه العطار في الصدف
حفّت ببرّ وبحر من جوانبهافالبرّ في طرف والبحر في طرف
وبين ذاك بساتين يسيح بهانهر يجيش بجاري سيله القصف
وما يزال نسيم من أيامنهيأتيك منه بريّا روضة أنف
تلقاك منه قبيل الصبح رائحةتشفي السقيم إذا أشفى على التلف
لو حلّه مدنف يرجو الشفاء بهإذا شفاه من الأسقام والدنف
يؤتى الخليفة منه كلّما طلعتشمس النهار بأنواع من التحف
الصيد منه قريب إن هممت بهيأتيك مؤتلفا في زيّ مختلف
من كلّ أقرن ممشوق قوائمهوكلّ مخرجه (؟) مشقوقة الظلف
وطير ماء ودرّاج يساورهبأن يغلّقه في جوّ مختطف (؟
فيا له منزلا طابت مساكنهبخير من حاز بيت العز والشرف
خليفة واثق بالله همّتهتقوى الإله بحقّ الله معترف
ساس البرية فانقادت لطاعتهطوعا بلا خرق منه ولا عنف
أقام فيهم قناة العدل فانتصبتوسار فيهم بلا ميل ولا جنف
وقال الحسين بن الضحاك في سرمرى من شعر طويل:
رحلنا غرابيب زيّافةبدجلة في موجها الملتطم
سوانح أيقنّ أن لا قراردون مباركة المعتصم
فلمّا دفعن لقاطولهاودهم قراقيرها تصطدم
سكنّ إلى خير مسكونةتقسمها راغب من أمم
مباركة شاد بنيانهابخير المواطن خير الأمم
كأنّ بها نشر كافورهلبرد ثراها وطيب النسم
كظهر الأديم إذا ما السحابصاب متنها وانسجم
مبرأة من وحول الشتاءإذا بجره وانتظم (؟
فما ان يزلّ بها راجلبغيث سماء ولا يرتطم
يمرّ على رسله آمنانقيّ الشراك نقيّ القدم
بجرعاء لا صيفها ساطعبنقع ولا آخذ بالكظم
تخرّق في برّها بحرهافأجدف جوادنها بالسلم
فللضبّ والنون في بطنهاجوار ومرتبع للنعم
إذا ما الربيع بأنوائهكساها زخارف ممّا نجم
وعمّم أعلامها زهرهوجلّل قيعانها والأكم
غدوت على الوحش منظومةرواتع في نورها المنتظم
ورحت عليها وأسرابهاشوارع في غدرها تزدحم
كأنّ شوادن غزلانهانجوم بأكنافها تبتسم
فلا أين عن وطن خصّهعقيد السماح وأسّ الكرم
وقال فيها أيضا:
كلّ البلاد لسرّمرّى شاهدأنّ المصيف بها كفصل سواها
فيحاء طاب مقيلها ومبيتهاوغدوّها ورواحها وضحاها
وإذا الرياح تنفست برباعهاوجرت بطيب نسيمها ونشاها
فكأنما سبقت إليك بنفحةمن جنّة حصباؤها وثراها
وقال أيضا:
على سرّمرى والمصيف تحيةمجللة من مغرم بهواهما
ألا هل لمشتاق ببغداد رجعةتقرّب من ظلّيهما وذراهما
محلّان لقّى الله خير عبادهعزيمة رشد فيهما فاصطفاهما
وقولا لبغداد إذا ما تسنّمتعلى أهل بغداد جعلت فداهما
أفي بعض يوم شفّ عينيّ بالقذىحرورك حتى رابني ناظراهما
وقال أيضا:
أحد بما تسمعه يا حاديوقل بترتيلك في الإنشاد
جادك يا بغداد من بلادإلى تمارى من قرى السواد
فقبة السيب فبطن الواديفالعرصة الطيبة المراد
حبيب كل رائح وغاديا ليت شعري والحنين زادي
هل لي إلى ظلّك من معادلله ما هجت على البعاد
لقلب حرّان إليك صادبدّل من ريفك بالبوادي
بقفرة موحشة الأطوادمجهولة مجدبة حماد
بعيدة الورد من الورّاد
وقال فيها أيضا:
سرّمرّى أسرّ من بغدادفاله عن ذكر ذكرها المعتاد
حبذا مسرح لها ليس يخلوأبدا من طريدة وطراد
ورياض كأنما نشر الزهرعليها محبّر الأبراد
واذكر المشرف المطلّمن التلّ على الصادرين والورّاد
وإذا روّح الرعاء فلاتنس دواعي فواقد الأولاد
وقال فيها أيضا:
سقى الله ما والى المصيف وما انطوىعلى سرّمرّى مستهلّا مبكرا
فلم أر أيّاما تسرّ قصارهاأسرّ من الأيام فيها وأقصرا
بلاد خلت من كل ريب فلا ترىبلادا توازيها غذاء ومنظرا
أصبّ بمشتاها ولين مصيفهاورقّة فصليها إذا الأفق أسفرا
كأنّ حصاها بثّ في عرصاتهافرائد مرجان ودرّا مسطّرا
تريك إذا الوسمي جاد متونهاوعاد عليهنّ الوليّ فأمطرا
رياضا تحار العين في جنباتهاإذا صفّر الأرض الربيع وحمّرا
كأنّ بها في كلّ فجّ سلكتهنمارق زرياب ووشيا محبّرا
تراعى بها عفر الظباء سواكناأوامن في أكنافها أن تنفّرا
سكن إلى جار حماهنّ رأفةفمدّ حمى من دونهنّ وحيّرا
كفاهنّ روعات الطراد ذمامهفما تعرف الطرّاد إلّا تذكرا
يهادين بالحيرين من كل مذهبحدائق جنّات وماء مفجّرا
كأنّ مرابيع السجال خلالهانجوم تهادى منجدات وعوّرا
تراهنّ من فرط المراح شوامخامن العجب ما يمشين إلّا تبخترا
فلا برحت دار الإمام بغبطةولا زال شانيها بأصلد أوعرا
تخيّرها دون البقاع موفّقأصاب طريق الرشد فيما تخيّرا
وكان المتوكل قد انتقل من سرمرى إلى الجعفري وانتقل معه عامة أهل سرمرّى حتى كادت أن تخلو. فقال في ذلك أبو علي البصير:
إنّ الحقيقة غير ما تتوهّمفاختر لنفسك أيّ أمر تعزم
أتكون في القوم الذين تأخرواعن حظّهم أم في الذين تقدّموا
لا تقعدنّ تلوم نفسك حين لايجدي عليك تأسف وتندّم
أضحت قفارا سرّمرّى ما بهاإلّا لمنقطع به متلوّم
تبكي بظاهر وحشة وكأنهاإن لم تكن تبكي بعين تسجم
كانت تظلّم كلّ أرض مرةعنها، فصارت بعد وهي تظلّم
رحل الإمام فأصبحت وكأنهاعرصات مكة حين يمضي الموسم
وكأنما تلك الشوارع بعض ماأخلت إياد من البلاد وجرهم
كانت مرادا للعيون فأصبحتعظة ومعتبرا لمن يتوسّم
وكأنّ مسجدها المشيد بناؤهربع أحال ومنزل متوهّم
وإذا مررت بسوقها لم تنء عنسنن الطريق ولم تجد من يزحم
وترى الذراري والنساء كأنّهمخلف أقام وغاب عنه القيّم
فارحل إلى الأرض التي يحتلّهاخير البرية انّ ذلك أحزم
وانزل مجاورة بأكرم منزلوتيمّم الجهة التي يتيمّم
أرض تسالم صيفها وشتاؤهافالجسم بينهما يصحّ ويسلم
وصفت مشاربها ورق أوارهاوالتذّ برد نسيمها المتنسّم
سهلية جبلية لا تجتويحرا ولا قرا ولا تستوخم
ويقال إن المعتصم ملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وكان ملكه في سنة ثمان عشرة ومائتين. وكان له من الفتوح ثمانية. وبنى ثمانية قصور. وولد له ثمانية ذكور وثماني إناث وخلف في بيت المال ثمانمائة ألف دينار وثمانية ألف ألف درهم.
فمن القصور، الجوسق والقيد المللي وقصر الجص وقصر القصور وعمورية وقصر المطامير والقصر السماني والقصر الخاقاني.
والفتوح: الزط والمحمرة وبابك وعمورية والمازيار وجعفر الكردي والحسن بن خيلويه والحوف بمصر.
وكتب عبد الله بن المعتز إلى بعض إخوانه يذكر سرمرى بعد خرابها ويذم بغداد وأهلها: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكّانها، وأقعد جدرانها.
فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. فكأن عمرانها يطوى، وكأن خرابها ينشر. قد وكلت إلى الهجر نواحيها وحث باقيها إلى فانيها. وتمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حق جوار. فالظاعن عنها ممحوّ الأثر، والمقيم بها على طرف سفر. نهاره إرجاف، وسروره أحلام. ليس له زاد فيرحل، ولا مرعى فيربع.
فحالها تصف للعيون الشكوى، وتسير إلى ذم الدنيا. بعد ما كانت بالمرأى جنة الأرض وقرار الملك، تفيض بالجنود أقطارها، عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد. كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول. على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنقع ستائرها. قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين. وقرّطت عذرا كالشنوف. في جيش تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره. قد صب عليه ذمار الصبر، وهبت له ريح النصر. يصرّفه ملك يملأ العين جمالا والقلوب جلالا. لا تختلف مخيلته ولا تنقض مريرته. ولا يخطئ بسهم الرأي غرض الصواب، ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشباب. قابضا بيد السياسة على أقطار ملك لا ينتشر حبله، ولا تتشظى عصاه، ولا تطفى جمرته في سن شباب لم يجن مأثما، وشيب لم يراهق هرما. قد فرش مهاد عدله، وخفض جناح رحمته. راجما بالعواقب [الظنون].
لا يطيش عن قلب فاضل الحزم بعد العزم. ساعيا على الحق يعمل به. عارفا بالله يقصد إليه. مقرّا للحلم ويبذله. قادرا على العقاب ويعدل فيه. إذ الناس في دهر غافل قد اطمأنت بهم سيرة لينة الحواشي خشنة المرام، تطير بها أجنحة السرور، ويهب فيها نسيم الحبور، فالأطراق على مسرّة والنظر إلى مبرّة. قبل أن تخبّ مطايا
الغير، وتسفر وجوه الحذر. وما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه ويغدر غده.
على أنها وإن جفيت، معشوقة السكنى، رحيبة المثوى. كوكبها يقظان، وجوها عريان. وحصاها جوهر ونسيمها معطّر. [وترابها مسك أذفر، ويومها غداة وليلها سحر] وطعامها هنيء، وشرابها مريء، وتاجرها مالك، وفقيرها فاتك، لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة الهواء. جوّها نار، وأرضها خبار. وماؤها حميم وترابها سرجين. وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز. فكم في شمسها من محترق، وفي ظلها من عرق. ضيقة الديار، قاسية الجوار. ساطعة الدخان، قليلة الضيفان. أهلها ذئاب، وكلامهم سباب. وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم. لا يجوز إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. وحشوشهم مسائل، وطرقهم مزابل. وحيطانهم اخصاص، وبيوتهم أقفاص. ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول. والدهر يسير بالمقيم، ويخرج البؤس بالنعيم. وبعد اللجاجة انتهاء والهمّ إلى فرجة. ولكل سائلة قرار. وبالله أستعين وهو محمود على كل حال.
وفي خراب سرمرى يقول ابن المعتز:
غدت سرّمرى في العفاء كأنهاقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأصبح أهلوها شبيها بحالهالما نسجتهم من جنوب وشمال
إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حالهيقولون لا تهلك أسى وتجمّل
القول في السواد وصفته وأعلام حدوده وكوره وطساسيجه وسبب مساحة الأرض وتقدير خراجه وطوله وعرضه
قال المدائني: السواد عشر كور، وهو من لدن القادسية إلى أول حدّ الجبل دون حلوان.
والسواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر إلى بلاد عبادان من شرقي دجلة. هذا طوله.
فأما عرضه: فحد منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بأرض العذيب. فهذه حدود السواد وعليها وضع الخراج.
وقال الأصمعي: السواد سوادان. فسواد البصرة، الأهواز ودستميسان وفارس. وسواد الكوفة، كسكر إلى الزاب وحلوان إلى القادسية.
وقال أبو معشر: إن الكلدانيين هم الذين كانوا ينزلون بابل في الزمان الأول.
ويقال: إن أول من سكنها وعمرها، نوح ﵇. وذلك أنه نزلها بعقب الطوفان. فصار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب الرفاء. فأقاموا بها وتناسلوا فيها وكثروا من بعد نوح وملكوا عليهم ملوكا وابتنوا بها المدائن واتصلت مساكنهم بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة. وموضعهم هو الذي يقال له السواد. وكانت ملوكهم تنزل بابل.
وكان الكلدانيون جنودهم. فلم تزل مملكتهم قائمة إلى أن قتل دار آخر ملوكهم.
ثم قتل منهم خلقا فذلّوا وانقطع ملكهم.
وذكر ابن الكلبي: ان مدينة بابل كانت اثني عشر فرسخا في مثل ذلك. وكان بابها مما يلي الكوفة. وكان الفرات يجري ببابل حتى صرفه بخت نصر إلى موضعه الآن مخافة أن يهدم عليه سور المدينة لأنه كان يجري معه.
قال: ومدينة بابل بناها بيوراسب واشتق اسمها من اسم المشتري. لأن بابل باللسان البابلي الأول اسم للمشتري. ولما بناها جمع فيها كل من قدر عليه من العلماء وبنى لهم اثني عشر قصرا على عدد البروج وسماها بأسمائهم.
فلم تزل عامرة حتى خرج الإسكندر فأخربها.
وقال الله ﷿ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
. فروي عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بشيء من الأعاجيب إلّا مضى حتى ينظر إليه. وانه صار إلى حضرموت حتى نظر إلى بئر برهوت، وأتى بابل فلقيه رجل من رؤساء أهلها كان عارفا به. فلما لقيه أكبره وقال له: أبا الحجاج ما تصنع هاهنا؟
قال حاجة لي إلى رأس الجالوت، أحب أن تدخلني إليه وتعرّفه من أنا. فأدخله إليه وعرّفه محلّه وموضعه وقال: له حاجة إليك. قال وما حاجتك؟ قال: تأمر بعض اليهود أن يريني هاروت وماروت. فامتنع عليه طويلا ثم قال له: أخشى أن لا تتماسك. قال: أرجو أن لا يكون إلّا ما تحب. فأرسل إلى رجل من اليهود فقال: اذهب بهذا فأدخله إلى هاروت وماروت. فقال له اليهودي: كيف تجد قلبك؟ قال: ما شئت. فانطلق به إلى مكان غامض في الصحراء، وإذا صخرة عظيمة. فتكلم عليها كلاما ذكر أنه من التوراة، فأقبلت تهتز. ثم رفعها وأزالها عن مكانها. وكانت لا يقلّها مائة رجل. وإذا تحتها شبيه بالسرب. فقال له اليهودي:
تعلق بي وانظر أن لا تذكر الله. فنزل معه مجاهد، فلم يزل يهوي به حتى صارا إلى فضاء عظيم. وإذا هما مثل الجبلين العظيمين، منكوسان على رؤوسهما وعليهما الحديد من أعناقهما إلى أقدامهما مصفدين. فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر الله ﷿. فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا أن يقطعا ما عليهما من
الحديد، وخر اليهودي ومجاهد على وجوههما وقتا طويلا ثم أفاقا. فقال اليهودي لمجاهد: ألم أتقدم إليك أن لا تذكر الله؟ كدنا والله أن نهلك ولا نقدر على الخروج. فتعلق به مجاهد، فلم يزل يصعد به حتى خرجا إلى الأرض.
ويقال إن عمر بن الخطاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال:
كان بها [عجائب] بجميع مدنها في كل مدينة أعجوبة ليست في الأخرى. فكان في المدينة التي ينزلها الملك بيت فيه صورة الأرض كلها برساتيقها وقراها وأنهارها. فمتى التوى بحمل الخراج أو غيره أهل بلد من جميع البلدان، خرق أنهارهم فغرقتهم وأتلفت زروعهم وجميع ما في بلدهم حتى يرجعوا عمّا همّوا به. ثم يسدّ بإصبعه تلك الأنهار فتنسد في بلدهم.
وفي المدينة الثانية حوض عظيم. فإذا جمعهم الملك لحضور مائدته، حمل كل رجل ممن يحضر من منزله شرابا يختاره ثم صبه في ذلك الحوض. فإذا جلسوا على الشرب شرب كل واحد شرابه الذي حمله من منزله.
وفي المدينة الثالثة طبل معلق على بابها فإذا غاب من أهلها إنسان وخفي أمره على أهله، وأحبوا أن يعلموا أحيّ أم ميت، ضربوا ذلك الطبل. فإن سمعوا له صوتا، فإن الرجل حي. وإن لم يسمعوا صوتا فإن الرجل قد مات.
وفي المدينة الرابعة مرآة من حديد، فإذا غاب الرجل عن أهله فأحبوا أن يعرفوا خبره على صحته، أتوا تلك المرآة فنظروا فيها فيرونه على الحال التي هو فيها.
وفي المدينة الخامسة اوزّة من نحاس على عمود من نحاس منصوب على باب المدينة فإذا دخلها جاسوس صوتت الأوزة بصوت يسمعه سائر أهل المدينة فيعلمون أن قد دخلها جاسوس.
وفي المدينة السادسة قاضيان جالسان على الماء. فإذا تقدم إليهما الخصمان وجلسا بين أيديهما غاص المبطل منهما في الماء وثبت المحق.
وفي المدينة السابعة شجرة من نحاس ضخمة كثيرة الغصون لا تظل ساقها.
فإذا جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإنها تظلهم كلهم. فإذا زادوا على ألف صاروا كلهم في الشمس.
وقال يزيد بن عمر الفارسي: كانت ملوك الفرس تعد السواد اثني عشر استانا وتحسبه ستين طسوجا وتفسير الاستان إجارة وترجمة الطسوج: ناحية. وكان الملك من ملوكهم إذا عني بحيّز من الأرض عبره وسماه باسمه.
وكانوا ينزلون السواد لما جمع الله في أرضه من مرافق الخيرات وما يوجد فيها من غضارة العيش وخصب المحل وطيب المستقر، ولما ينصب إليها من مواد الأطراف ومنافعها وسعة ميرها من أطعمتها وأدواتها وأمتعتها وعطرها ولطيف صناعاتها. وكانوا يشبّهون السواد بالقلب وسائر الدنيا بالبدن، ولذلك سموه: دل إيرانشهر، أي قلب إيرانشهر. وإيرانشهر: الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. وإنما سموه بذلك لأن الآراء تتشعب عن أهله بصحة الفكر والروية كما تتشعب من القلب بدقائق العلوم ولطائف الآداب والأحكام الكتابية.
فأمّا ما حولها من البلاد فأهلها يستعملون أطرافهم بالمباشرة والعلاج. وخصب بلاد إيرانشهر بسهولة. لا عوائق فيها ولا شواهق تشينها ولا مفاوز موحشة ولا براري منقطعة عن تواصل العمارة والأنهار المطردة في رساتيقها وبين قراها. مع قلة جبالها وآكامها وتكاثف عمارتها وكثرة أصناف غلاتها وثمارها. والتفاف أشجارها وعذوبة مائها وصفو هوائها وطيب تربتها مع اعتدال طينتها وتوسط مزاجها وكثرة أجناس الصيد في ظلال شجرها وبين عشبها، وخلال زهرتها. من طائر [بجناح] وماش على ظلف وسابح في البحر. امنه مما ينال البلدان من غارات الأعداء وبوائق المخالفين. مع ما خصت به من الرافدين دجلة والفرات. إذ هما مادان لا ينقطعان شتاء ولا صيفا على بعد منابعهما ونزوح مبتدأهما. [فإنه] لا ينتفع منهما بكثير عمارة حتى يدخلاها فيسيح ماؤهما في جنباتها وينبطح بين
رساتيقها، فتأخذ صفوه وعذوبته وترسل كدره وأجنه [إلى البحر]. هذا قليل من كثير وصفها ويسير من نعت جليلها.
قالوا: وأول طول السواد على ما حدّته ملوك فارس من قرية تعرف بالعلث على حدّ طسوج بزرجسابور من شرقي دجلة. وقرية في غربي دجلة مقابلتها تجري على حد طسوج مسكن. بينهما عرض دجلة إلى آخر الكورة المعروفة ببهمن أردشير. وهي فرات البصرة إلى جزيرة منها متصلة بالبحر تعرف بميان روذان. وهو مائة فرسخ وخمسة وعشرون فرسخا، وعرضه من عقبه حلوان إلى أن ينتهي إلى العذيب. وذلك ثمانون فرسخا يكون جملة ذلك مكسرا عشرة ألف فرسخ. والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة. يكون بالذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلا. يكون ذلك في مثله اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة جريب. هذا لكل فرسخ. فإذا ضربت في عشرة آلاف، بلغت مائتي ألف ألف وعشرين ألف جريب. يسقط منها بالتخمين، آكامها وآجامها وسباخها ومجاري أنهارها ومواضع مدنها وقراها ومدى ما بين طرقها الثلاث. فيبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف جريب. يراح منها النصف ويعمر النصف على ما فيها من الكرم والنخل والشجر والعمارة الدائمة المتصلة، فيقع التخمين بالتقريب على كل جريب، قيمة ما يلزمه للخراج درهمان وذلك أقل من العشر على أن يضرب بعض ما يوجد فيها من أصناف الغلات ببعض سوى خراج أهل الذمة وسوى الصدقة. فإن ذلك لا يدخل في الخراج. فيبلغ ذلك مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل.
وكانت غلات السواد تجري على المقاسمة في أيام ملوك فارس إلى أن ملك قباد بن فيروز فإنه مسحه وجعل على أهله الخراج. وكان السبب في ذلك أنه خرج ذات يوم متصيدا فانفرد من أصحابه في اتباع صيد طرده حتى وغل في شجر ملتف وغاب الصيد الذي تبعه عن بصره. فقصد إلى رابية يتشرّف عليها، فإذا تحت الرابية قرية كبيرة. ونظر إلى بستان قريب منه فيه نخل ورمان وغير ذلك من أصناف
الشجر، وإذا امرأة واقفة على تنور تخبز ومعها صبي لها كلما غفلت عنه مضى إلى شجرة رمان مثمر ليتناول من رمانها وهي تمنعه من ذلك ولا تتركه يأخذ شيئا منه. فلم تزل كذلك حتى فرغت من خبزها وجميع ما هي والصبي فيه بمشهد من الملك. فلما لحقه أصحابه ووزراؤه قصّ عليهم ما رأى من المرأة والصبي ووجّه إليها من سألها عن السبب الذي لأجله منعت ولدها أن يتناول شيئا من الرمان. فقالت: إن للملك فيه حصة ولم يأتنا المستأدون بعد لقبضها وهي أمانة في أعناقنا لا يجوز أن نخونها ولا نتناول من جميع ما تحت أيدينا شيئا حتى يأخذ الملك حقه. فلما سمع قباد قولها أدركته الرقة عليها وعلى الرعية وقال لوزرائه:
إن الرعية في شدة شديدة وسوء حال بما في أيديهم من غلاتهم لأنهم ممنوعون من الانتفاع بشيء من ذلك حتى يرد عليهم من يأخذ حقنا منهم. فهل عندكم حيلة نفرّج بها عنهم ما هم فيه؟ فقال بعض وزرائه: نعم. يأمر الملك بالمساحة عليهم ويلزم كل جريب من كل صنف بقدر ما يخص الملك من الغلة ليؤدوا ذلك إليه، ويطلق أيديهم في غلاتهم. ويكون ذلك على قرب مخارج المير وبعدها من الممتارين. فأمر قباد بمساحة السواد والزم الرعية الخراج بعد حطيطة النفقة والمؤونة على العمارة والنفقة على كري الأنهار وسقاية الماء وإصلاح البريدات وان جميع ذلك على بيت المال. فبلغ خراج السواد في تلك السنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس ودعوا للملك بطول البقاء لما نالهم من العدل والرفاهية.
وكان أول ما يعدّ من السواد، كورة استان خسروشاد فيروز، وهي كورة حلوان، خمسة طساسيج، طسوج فيروز قباذ. طسوج الجبل. طسوج تامرا.
طسوج أربل. طسوج خانقين الشرقي.
سقي دجلة وتامرا:
كورة استان شادهرمز، سبعة طساسيج: طسوج بزرجسابور. طسوج نهر بوق. طسوج كلواذى ونهر بين. طسوج جازر. طسوج المدينة العتيقة.
طسوج راذان الأعلى والأسفل.
كورة استان قباذ: ثمانية طساسيج: طسوج روستقباد. طسوج مهروذ.
طسوج سلسل. طسوج جلولاء وجللتا. طسوج الذنبين. طسوج البندنيجين.
طسوج براز الروز. طسوج الدسكرة والرساتيق.
كورة استان بازيجان: خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى. طسوج النهروان الأوسط. طسوج بادريا. طسوج باكسايا.
سقي دجلة والفرات:
كورة استان شاذ شابور- وهي كسكر- أربعة طساسيج: طسوج الزندرود.
طسوج البربون. طسوج الاستان. طسوج الجواذر.
كورة استان شاذ بهمن- وهي كورة دجلة- أربعة طساسيج: طسوج بهمن أردشير. طسوج ميسان. طسوج دستميسان وهو الأبلّة. قال غيلان بن سلمة الثقفي:
ظلّت تحيد من الدجاج وصوتهوصريف باب بالأبلّة مغلق
وطسوج ابرقباذ.
وخراج كور دجلة ثمانية ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم.
سقي الفرات ودجيل:
كورة استان الكاليا، أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور وهو الأنبار.
وطسوج مسكن. قال ابن قيس الرقيات:
إن الرزية يوم مسكن والمصيبة والفجيعة.
وطسوج قطربل. وطسوج بادوريا.
كورة استان أردشير بابكان، خمسة طساسيج: طسوج بهرسير. طسوج الرومقان. طسوج كوثر. طسوج نهر درقيط. طسوج نهر جوبر.
كور استان رونق ماسيان - وهي الزوابي- ثلاثة طساسيج: طسوج الزاب الأعلى. طسوج الزاب الأوسط. طسوج الزاب الأسفل.
كورة بهقباذ الأوسط، أربعة طساسيج: طسوج الحبة والبداة.
طسوج سوراء وبرسيما. طسوج باروسيما. طسوج الملك.
كورة استان بهقباد الأسفل، خمسة طساسيج: طسوج تستر. طسوج فرات بادقلى. طسوج السيلحين. طسوج روذستان. طسوج هرمز جرد.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع