تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر سدّ ياجوج وماجوج

فأمّا سدّ ياجوج وماجوج فإنّ بينه وبين آخر حدود بلاد الخزر مسيرة شهر أو أزيد. وذكر قتادة قال: قال رجل للنّبي ﷺ: إنّي رأيت السّدّ. قال:

كيف رأيته؟ قال: كأنّه حبرة. قال: فقد رأيته. وقال وهب بن منبّه إنّ ذا القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي الشّمال، فذرع ما بينهما فوجد مائة فرسخ. فحفر له أسّا حتّى بلغ الماء. ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ويصبّ عليه. ثمّ علاه على الأرض بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلال ذلك أعمدة من نحاس أصفر، (فصار كأنّه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد).

(وذكر ابن عفير) أنّ معاوية بن أبي سفيان أرسل خمسة وعشرين رجلا إلى سدّ ياجوج وماجوج ينظرون كيف هو وكتب إلى ملك الخزر أن يجوّزهم إلى من خلفه وأهدى إليهم هدايا، ففعل حتّى انتهوا إلى الجبلين فرأوا بينهما مثل البصيص وهو بريق الصفر في الحديد وسمعوا جلبة من داخل السدّ ورأوا أدراجا يرقى إلى أعلاه، فصعد فيه رجل منهم، فلمّا بلغ وسطه تحيّر فسقط ومات، فانصرفوا بقطعة مسحاة وجدوها عند السدّ. فأرسل معاوية إلى رجل خبير عالم فسأله فقال: يرسل ملك جنده إلى السدّ فيهلك واحد منهم ويأتون بحديدة فيجمعهم على مائدة فيها طعام، فوافى العالم وهم على تلك المائدة قد جمعهم عليها معاوية وخلطهم بغيرهم فقال: هؤلاء هم، فعجب معاوية من ذلك.

وقال ابن خرداذبه: حدّثني سلّام التّرجمان، وكان هو الّذي يترجم كتب الترك الّتي كانت ترد على الواثق، قال: ولمّا رأى الواثق في المنام كأنّ السدّ الّذي بناه ذو القرنين مفتوح وجّهني وضمّ إليّ خمسين رجلا وقال لي:

عاينه وجئني بخبره. ووصلني بخمسة آلاف دينار وعشرة آلاف درهم وأعطي كلّ رجل من الخمسين ألف درهم ورزق سنة وأعطاني مائتي بغل أحمل عليها الزاد والماء، وكتب إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس في إنفاذنا فشخصنا إليه من سرّ من رأى، فكتب إسحاق إلى صاحب السرير وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللّان وكتب ملك اللّان إلى فيلان شاه وهو ملك ما يلي الباب والأبواب من خارج، وكتب فيلان شاه إلى

طرخان ملك الخزر (فوجّه معنا ملك الخزر خمسة) أدلّاء. وسرنا من عنده خمسة وعشرين يوما حتّى انتهينا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة وكنّا قد تحمّلنا شيئا نشمّه ونحجب به نتن ريحها عند دخولها، فسرنا نحو عشرة أيّام حتّى أفضينا إلى مدن خراب، فسألنا عنها فأخبرنا أنّ ياجوج وماجوج خرّبوها، فسرنا فيها سبعة وعشرين يوما. ثمّ أفضينا إلى حصن يقرب من الجبل الّذي هو أحد الصدفين تتّصل به حصون فيها قوم يتكلّمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرءون القرآن ولهم مساجد، فسألونا من أين أقبلنا فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين، فجعلوا يتعجّبون ويقولون: أمير المؤمنين؟

فنقول: نعم. فيقولون: شيخ هو أم شابّ؟ فقلنا: شابّ. فعجبوا أيضا فقالوا: أين يكون؟ قلنا: بالعراق في مدينة يقال لها سرّ من رأى.

فيقولون: ما سمعنا بهذا قطّ.

ثمّ صرنا إلى جبل أملس يكاد البصر ينبو عنه، وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وإذا عضادتان مبنيتان ممّا يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كلّ عضادة خمس وعشرون ذراعا في سمك خمسين ذراعا وعتبة الباب السفلى عشر أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العتبتين، والظاهر منها خمس أذرع، وهذه الذراع بذراع السّواد. وإذا دروند حديد طرفاه على العضادتين [طوله مائة وعشرون ذراعا، قد ركب على كلّ واحدة من العضادتين مقدار عشر أذرع، وفوق الدّروند بناء بلبن الحديد في النحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدى البصر وفوقه شرف حديد، في طرف كلّ شرفة قرنان تنثني كلّ واحدة منهما على الأخرى. وللباب مصراعان معلّقان عرض كلّ مصراع خمسون ذراعا في ثخن خمس أذرع وقائمتاها في

دوّارة على قدر الدروند. وعلى الباب قفل طوله سبع أذرع في غلظ باع في استدارة، وارتفاع القفل من الأرض خمس وعشرون ذراعا، وفوق القفل بقدر خمس أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح معلّق طوله ذراع ونصف]. وله اثنتا عشرة دندانكة كلّ دندانكة منها كدستج هاون أعظم ما يكون من الهواوين، معلّق في سلسلة طولها ثماني أذرع في استدارة أربعة أشبار، والحلقة الّتي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق.

ومع هذا الباب حصنان عظيمان يكون كلّ واحد منهما مائتي ذراع في مثلها، بينهما عين عذبة، وفي أحد الحصنين بقية من آلة البنيان الّتي بني بها السدّ من قدور الحديد ومغارف الحديد والديدكانات، وعلى كلّ ديدكان أربعة قدور مثل قدور الصابون وهناك بقايا من لبن الحديد قد التصق بعضها ببعض من الصدأ، واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر.

قال: ورئيس تلك الحصون يركب في كلّ جمعة في عشرة فوارس، مع كلّ فارس مرزبة حديد فيها خمسة أمنان فيضربون القفل بتلك المرازب ثلاث مرّات، يسمع من وراء الباب الصوت، فيعلمون أنّ هنالك حفظة ويعلم هؤلاء أنّ أولئك لم يحدثوا شيئا في الباب. فإذا ضرب (أصحاب الحصن القفل) وضعوا آذانهم فيسمعون دويّا.

وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير عشرة فراسخ في مثلها تكسير مائة فرسخ. قال: وسألت من هناك هل رأوا أحدا من ياجوج وماجوج، فذكروا أنّهم رأوا مرّة عددا منهم فوق الشرف فهبّت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم. وكان مقدار الرجل منهم في رأي العين شبرا ونصفا.

قال: فلمّا انصرفنا أخذنا (الأدلّاء وأخرجونا) إلى ناحية خراسان حتّى وصلنا إلى ناحية سمرقند وقد كان أصحاب الحصون زوّدونا ما كفانا. ثمّ سرنا إلى عبد الله بن طاهر. قال سلّام: فوصلني بمائة ألف درهم ووصل كلّ رجل معي بخمسمائة درهم وأجرى علينا حتّى وصلنا (إلى الري فوصلنا) إلى سرّ من رأى لثمانية وعشرين شهرا من يوم خرجنا منها.

قال ابن خرداذبه: فحدّثني سلّام الترجمان بجملة هذا الخبر، ثمّ أملاه علّي من كتاب كان كتبه إلى الواثق وكتبناه نحن منه فوجدته موافقا لما حدّثني به.

وفي بعض الأخبار أنّ الرجل الواحد من ياجوج وماجوج لا يموت حتّى يولد له ألف ولد.

وقد أتينا على ما أردنا ذكره من الممالك المصاقبة لخراسان وما والاها من الأمم درجة بعد درجة وحالا بعد حال على حسب اتّصالها وبعض المسافات المشهورة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.