من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة فاس
ومدينة فاس مدينتان مقترنتان مسوّرتان بينهما نهر يطرد وأرحاء وقناطر.
وعدوة القرويّين في غربي عدوة الأندلسيّين. وعلى باب دار الرجل فيها رحاه وبستانه بأنواع الثمر وجداول الماء تخترق داره. وبالمدينتين أزيد من ثلاث مائة رحى وفيهما نحو عشرين حمّاما. وهي أكثر بلاد المغرب يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق. ومن أمثال أهل المغرب: فاس بلد بلا ناس. وكلتا عدوتي فاس في سفح جبل والنهر الّذي بينهما مخرجه من عين غزيرة في وسط مرج ببلاد مطغرة على مسيرة نصف يوم من فاس. وأسّست عدوة الأندلسيّين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وعدوة القرويّين في سنة ثلاث وتسعين ومائة في ولاية إدريس بن إدريس. ومات إدريس بمدينة وليلي من أرض فاس على مسافة يوم من جانب الغرب، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة ومائتين في شهر ربيع الأوّل.
ولعدوة الأندلسيّين من الأبواب باب الفتوح قبلي منه يخرج إلى القيروان، وباب الكنيسة شرقي يقابل ربض المرضى، وباب أبي خلّوف شرقي، وباب حصن سعدون جوفي، وباب الحوض غربي يقابل عدوة القرويّين، وباب سليمان مثله، ومن هذين البابين يخرج أهل هذه العدوة إلى الحرب إذا كان بينهم اختلاف، وتقوم الحرب حينئذ بموضع يعرف بكدية الفول، وباب الفوّارة. وبها جامع حسن فيه ستّة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب وعمده أرجل كذان، وله صحن فسيح فيه أصول جوز وشجر وساقية تعرف بساقية مصمودة غزيرة الماء. وبهذه العدوة تفّاح حلو يعرف بالأطرابلسي جليل حسن الطعم يصلح بها وله غلّة ولا يصلح بعدوة القرويّين، وسميد عدوة الأندلسيّين أطيب من سميد (العدوة الثانية) لحذقهم بصنعته. وكذلك رجال عدوة الأندلسيّين أشجع وأنجد من القرويّين، ونساؤهم أجمل من نساء القرويّين، ورجال القرويّين أجمل من رجال الأندلسيّين. ولعدوة القرويّين من الأبواب باب الحصن الجديد قبلي يخرج منه إلى زواغة، وباب السلسلة شرقي يخرج منه إلى عدوة الأندلسيّين، وباب القناطر شرقي، وباب سياج يحيى بن القاسم جوفي يخرج منه (أيضا إلى زواغة و) إلى المخاض وإلى وشتاتة ومغيلة، وباب سوق الأحد غربي منه يخرج إلى زواغة. وبها جامع فيه ثلاثة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب بناه إدريس بن إدريس وله حصن كبير فيه زيتون وشجر وله سقائف. وبها نحو من عشرين حمّاما وهي أكثر بساتين ومياها.
وعدوة الأندلسيّين يجري الماء عليهم أوّلا ويجود بهذه العدوة الأترج ويعظم ولا يجود بعدوة الأندلسيّين. وكلتا العدوتين جليلة الخطر عظيمة القدر. وموقع وادي فاس بوادي سبو، وبغربي عدوة القرويّين في بلد مغيلة موضع يقال له السيخ ساخ بأهله، ومن هذا الموضع انهزم البوري بن أبي العافية سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة هزمه بنو محمّد واحتووا على معسكره. وبنهر فاس الحوت المعورف باللبيس كثير. وقال محمّد بن إسحاق المعروف بالبجلي (يمدح عدوة القرويّين):
يا عدوة القرويّين الّتي كرمتلا زال جانبك المحبور ممطورا
ولا سرى الله عنك ثوب نعمتهأرض تجنّبت الآثام والزورا
وأنشد إبراهيم بن محمّد الأصيلي والد الفقيه أبي محمّد المفضّل بن عمر المدحجي (يهجو فاسا):
دخلت فاسا ولي شوق إلى فاسوالجبن يأخذ بالعينين والرأس
فلست أدخل فاسا لو حييت ولوأعطيت فاسا بما فيها من الناس
وقال أحمد بن فتح قاضي تيهرت في كلمة له (يهجو أهل فاس):
أسلح على كلّ فاسيّ مررت بهفي العدوتين معا لا تبقين أحدا
قوم غذوا اللؤم حتّى قال قائلهممن لا يكون لئيما لم يعش رغدا
ومدّهم يسع من الطعام ثمانين أوقية، ومديهم يسمّونه اللوح وفيه من هذا المدّ مائة وعشرون مدّا، وجميع المأكولات من الزيت والعسل واللبن والزبيب يباع عندهم بالأواق. وحواليها من قبائل البربر ترهنة ومغيلة وأوربة وصدينة وهوارة ومكناسة وزواغة.
ولمّا وصل موسى بن نصير إلى طنجة مال عياض بن عقبة إلى قلعة يقال لها سقوما على مقربة من فاس ومال معه سليمان بن أبي المهاجر وسألا موسى الرجوع معهما، فأبى وقال: هؤلاء قوم في الطاعة. فأغلظا له القول حتّى رجع فقاتل أهل سقوما، فكان لهم على العرب ظهور. ثمّ تسوّر عليهم عياض بن عقبة من خلفهم في قلعتهم، فانهزم القوم واشتدّ القتل فيهم فبادوا وقلّت أوربة إلى اليوم. فذكر ابن أبي حسان أنّ موسى لمّا افتتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك: أنّه صار إليك يا أمير المؤمنين من سبي سقوما مائة ألف رأس. فكتب إليه الوليد: ويحك أظنّها من بعض كذباتك، فإن كنت صادقا فهذا محشر الأمم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع