من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر بني إدريس
وفاس هي دار مملكة بني إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضه. وكان نزول إدريس عند دخوله المغرب بوليلي، (وهي طنجة بالبربرية، وذكر محمّد أن وليلي على مسافة يوم من فاس وفيها مات إدريس بن إدريس، فهذه غير طنجة). وهي بغربي مدينة فاس مدينة عظيمة أوّلية. فنزل على إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد الأوربي المعتزلي فتابعه على مذهبه، وذلك في سنة اثنتين وسبعين ومائة.
وخرج إلى ما سنة في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة وخرج أيضا إلى تازى، وهو موضع من أعمال بني العافية يوجد في جبل منه الذهب وهو أعتق الذهب وأجوده، وكان خروجه إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين ومائة، ومات بوليلي.
وذكر أبو الحسن علي بن محمّد بن سليمان النوفلي عن أبيه وغيره في خروج إدريس إلى أرض المغرب غير ما ذكره المؤرّخون، قال إنّ إدريس بن عبد الله انهزم فيمن انهزم من وقعة حسين صاحب فخّ، وكانت وقعة فخّ يوم السبت يوم الترويه سنة تسع وستّين ومائة، فاستتر مدّة وألحّ السلطان في طلبه. فخرج به راشد مولاه وكان عاقلا شجاعا أيّدا ذا حزم ولطف في جملة الحاجّ منحاشا عن الناس بعد أن غيّر زيّه وألبسه مدرعة وعمامة
غليظة وصيّره كالغلام يخدمه، وإن أمره ونهاه أسرع في ذلك. فسلما حتّى دخلا مصر ليلا. فبينما هما متحيّران يمشيان في بعض طرقها لا هداية لهما بالبلد إذ مرّا بدار مشيّدة يدلّ ظاهرها على باطنها ونعمة أهلها، فجلسا في دكّان على باب الدار. فرآهما صاحب الدار فعرف فيهما الحجازية وتوسّم في خلقتهما الغربية فقال: أحسبكما غريبين. قالا نعم. قال: وأراكما مدنيّين. قالا: نعم نحن كما ظننت. فإذا الرجل من موالي بني العبّاس، فقام إليه راشد وقد توسّم فيه الخير فقال له: يا هذا قد أردت أن ألقي إليك شيئا ولست أفعل حتّى تعطيني موثقا أن تفعل إحدى خلّتين: إمّا أويتنا وتتقرّب إلى الله بالإحسان إلينا وحفظت فينا نبيّك محمّد ﷺ، وإن كرهت ما ألقيته إليك سترته علينا. فأعطاه على ذلك موثقا. فقال له: هذا إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب خرج من موضعه (مع الحسين بن علي) فسلم من القتل، وقد جئت به أريد بلاد البربر فإنّه بلد ناء لعلّه يأمن فيه ويعجز من يطلبه. فأدخلهما منزله وسترهما حتّى تهيّأ خروج رفقة إلى إفريقية، فاكترى لهما جملا وزوّدهما وكساهما.
فلمّا عزم القوم على الشخوص قال لهما: إنّ لأمير مصر مسالح لا يجوز أحد إلّا فتّشوه، وهاهنا طريق أعرفها لا يسلكها الناس، فأنا أحمل هذا الفتى معي- يعني إدريس- في هذه الطريق الغامضة (البعيدة فألقاك به- يقول لراشد- في موضع كذا وهنالك تنقطع مسالح مصر. فركب راشد في أحد شقيّ المحمل ووضع متاعه في الشقّ الآخر ومضى مع الناس في القافلة،
وخرج الرجل على فرس له وحمل إدريس على فرس آخر فمضى به في الطريق الغامضة) وهي مسيرة أيّام حتّى تقدّما الرفقة وأقاما ينتظرانها حتّى وردت. فركب إدريس مع راشد حتّى إذا قربا من إفريقية تركا دخولها وسارا في بلاد البربر حتّى انتهيا إلى بلاد فاس وطنجة. فأقام إدريس بين ظهراني البربر حتّى انتهى إلى الرشيد خبره. فكرّبه وشكا ذلك إلى يحيى بن خالد البرمكي فقال: أنا أكفيك خبره يا أمير المؤمنين. فأرسل إلى سليمان بن حريز الجزري، وهو رجل من ربيعة وكان متكلّما من يرى رأي الزيدية وكان حلوا شجاعا أحد شياطين الانس وكانت له إمامة في الزيدية إذ كان متكلّمهم، وهو الّذي جمع الرشيد بينه وبين هشام بن الحكم حين ناظره في الإمامة.
فأرغبه يحيى بن خالد في مال ووعده عن نفسه وعن الخليفة بمواعد عظيمة ودعاه إلى قتل إدريس والتلطّف في ذلك. فأجابه، فأجابه، فأعطاه مالا جزلا ووجّه معه رجلا يثق به وبشجاعته ودفع إلى سليمان قارورة فيها غالية مسمومة، فانطلق مع صاحبه فلم يزالا يتغلغلان حتّى وصلا إلى إدريس، وكان إدريس عالما بسليمان ورئاسته في الزيدية. فلمّا وصل إليه قال: إنّما جئت إليك وحملت نفسي على ما حملتها عليه لمذهبي الّذي تعرفني به، وإنّ السلطان طلبني لمحبّتي في الخروج معكم أهل البيت، فجئتك لآمن في ناحيتك وأنصرك بنفسي. فسرّه قوله وقبله وأحسن مثواه وأكرم نزله وأنس به. وكان سليمان يجلس في مجالس البربر ويظهر الدعاء إلى ولد رسول الله ﷺ ويحتجّ لأهل هذه المقالة كاحتجاجه بالعراق، فأعجب ذلك إدريس منه فمكث
عنده مدّة وهو يطلب غرّته ويرصد الفرصة في أمره ويرمق باب الحيلة عليه حتّى غاب راشد مولاه غيبة في بعض أموره، فدخل عليه ومعه القارورة، فلمّا انبسط إليه وخلا وجهه قال: جعلني الله فداك في هذه القارورة غالية حملتها معي، وليس ببلدك من الطيب ما يتّخذ هذا منه، فجئتك بها لتطيب بما فيها. ووضعها بين يديه، ففتحها إدريس وتغلّف منها وشمّها. وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّا فرسين قبل ذلك مضمّرين، فركباهما وخرجا مركضين يطلبان النجاة. فلمّا وصل السمّ إلى دماغ إدريس وكان في خياشيمه سقط مغشيا عليه لا يعقل ولا يدري من يختصّ به ما شأنه، فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعا فتشاغل بمعالجته والتخبّر في أمره. وقطع سليمان وصاحبه على فرسيهما بلادا في مدّة ذلك.
وأقام إدريس في غشيته عامة نهاره وعروقه تضرب ثمّ مات. وتبيّن راشد أمر سليمان بن حريز فركب في طلبه في جماعة من أصحابه، فجعلت الخيل تنقطع تحت أصحابه ويتخلّفون لشدّة السير. وحثّ الطلب (حتّى لحقه راشد)، فانحرف إليه سليمان ليمنعه من نفسه فخبطه راشد بالسيف فكنع يده وضربه بالسيف على وجهه ورأسه ثلاث ضربات، كلّ ذلك لا يصيب مقتلا مع دفع سليمان عن نفسه وما كان عليه من الجنّة. وقام فرس راشد لشدّة حمله عليه، ونجا سليمان بحشاشة نفسه وصاحبه قد خذله، فلم يغن عنه شيئا ولم يكن عنده إلّا الهرب. ثمّ نزل سليمان بعد أن أمن الاتباع وعصب جراحه. قال أبو الحسن النوفلي: فحدّثني من رآه بعد قدومه العراق مكنّعا.
وذكر أحمد بن الحارث بن عبيدة اليماني نحو رواية النوفلي فقال إنّ إدريس بن عبد الله أفلت من وقعة فخّ فوقع بمصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور وكان يتشيّع، فحمله على البريد فوقع بأرض طنجة، فوجّه إليه الرشيد رجلا من مواليه يقال له الشمّاخ في هيئة المتطبّب. وكان بإدريس وجع يجده في أسنانه، فوضع الشمّاخ في ذلك الموضع ذرورا مسموما وخرج من ساعته، فقتل السمّ إدريس فطلب الشمّاخ فلم يظفر به حتّى أتى الرشيد فولاه بريد مصر.
وقال غيره: إنّما أمره أن يستعمل ذلك الذرور والسنون في السحر وفرّ هو في جوف الليل. قال محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن القاسم: الصحيح عندنا أنّه سمّه في دلاعة قطعها بسكّين قد سمّ أحد جانبيه، فلما قطعها ناوله الّذي باشر السمّ وأكل هو الآخر. وكان واضح مولى صالح بن المنصور يميل إلى آل أبي طالب، فبلغ الرشيد ما صنع بإدريس فأمر بضرب عنقه وصلبه.
قال النوفلي: وكانت مدّة إدريس الّتي أجابته فيها البربر إلى أن مات بوليلي سنة خمس وسبعين ومائة ثلاثة أعوام وستّة أشهر. وقال غير هؤلاء إنّ داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب هو الّذي أفلت من وقعة فخّ وهرب إلى المغرب، وذرية داود هذا بفاس وبنو إدريس
يناكحونهم، وانصرف داود إلى المشرق فإنّه إنّما فرّ حين خرج أخواه على المنصور.
قال علي النوفلي: أخبرني عيسى بن جنّون قاضي أرشقول لإدريس بن عيسى ودخل الأندلس غازيا أنّ سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن دخل المغرب أيضا ونزل تلمسان، وبه كمل عدد ولد عبد الله بن حسن ستّة لأنّهم محمّد وإبراهيم وإدريس وعيسى (ويحيى وسليمان كما ذكروا.
قال): فولد سليمان بن محمّد بن سليمان (فمن ولده محمّد ويحيى وسليمان كلّ قريشي في القبلة).
قال النوفلي: ومات إدريس ولا ولد له وجارية من جواريه حبلى. فقام راشد بأمر البربر حتّى ولدت غلاما فسمّاه باسم أبيه إدريس، وقام بأمره وأدّبه وأحسن تأديبه، وكان مولده في ربيع الآخر سنة خمس وسبعين ومائة.
وتوفّي راشد سنة ستّ وثمانين ومائة. ولهذا التبنّي والاتّصال قال محمّد بن السمهري يهجو القاسم بن إدريس بن إدريس:
قل للزنيم زنيم طنجة عش بهالا يحسدنّك في بلادك حاسد
منّتك نفسك أن تكون خليفةهيهات هذا من حديثك بارد
لمّا رأيتك لليام مصافياأيقنت حقّا أنّ جدّك راشد
وقيل إنّ راشد مولى عيسى بن عبد الله أخي إدريس بن عبد الله، قام بأمر الغلام أبو خالد يزيد بن ألياس الفارسي وأخذ بيعة البربر له (يوم الجمعة السابع من ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن إحدى عشرة سنة. وقتل أبا ليلى إسحاق وهو القائم به وبأبيه) يوم السبت لستّ خلون من ذي الحجّة سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبعث رأسه إلى المشرق مع أحمد وسليمان ابني عبد الرحمان. ثمّ نزل مدينة فاس في عدوة الأندلسيّين وأقام بها شهرا، وذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة. وكانت عدوة القرويّين غياضا في أطرافها أبيات من زواغة، فأرسلوا إلى إدريس فدخل عندهم فأسّس مدينة القرويّين سنة ثلاث وتسعين ومائة. ثمّ خرج إلى نفيّس في المحرّم سنة سبع وتسعين، ثمّ غزا نفزة وتلمسان ورجع سنة تسع وتسعين ومائة.
قال داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر: كنت مع إدريس بن إدريس في المغرب، فخرجت معه يوما إلى قتال الخوارج فلقيناهم وهم في ثلاثة أضعاف عددنا، فقاتلناهم قتالا شديدا، فأعجبني إدريس في ذلك اليوم وجعلت أديم النظر إليه فقال: وايحك لم توالي النظر إليّ؟ قلت:
لخصال، أمّا أوّلها فإنّك تبصق بصاقا مجتمعا وأنا أطلب قليل ماء أبلّ به حلقي فلا أجده. قال: ذلك لاجتماع قلبي وذهاب بصاقك لذهاب عقلك. قال:
قلت والثانية لما أرى من منّتك. قال: إنّ النبي ﷺ صلّى علينا.
فقلت: والثالثة لما أرى من حركتك وقلّة قرارك على الدابّة. قال: ذلك زمع إلى القتال فلا تحسبه رعبا وأنا الّذي أقول:
أليس أبونا هاشم شدّ أزرهوأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
فلسنا نملّ الحرب حتّى تملّناولا نتشكّى ما نؤول من النصب
وتوفّي إدريس بوليلي سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة بحبّة عنب غصّ بها فلم يزل مفتوح الفم سائل اللعاب حتّى مات. وولد إدريس محمّدا وأحمد وعبيد الله وعيسى وإدريس وجعفرا ويحيى وحمزة وعبد الله والقاسم وداود وعمر. وتولّى الأمر (بعده ابنه) محمّد وفرّق البلاد على إخوته على رأي جدّته كنزة أمّ إدريس بن إدريس. واتّخذ محمّد بن إدريس مدينة فاس قرارا فولّى القاسم أخاه البصرة وطنجة وما والاهما. وولّى عمر صنهاجة وغمارة، وولّى داود هوارة تاسلمت، وولّى يحيى داي وما والاها، وولّى عيسى وازقّور وسلى، وولّى حمزة الأودية بقرب وليلي، وولّى عبد الله لمطة وما والاها. وتصاغر الباقون من إخوته أن يقسم لهم فصاروا مع إخوتهم.
فقام عليه عيسى أخوه صاحب وازقّور ونكث طاعته، فكتب إلى القاسم يأمره بمحاربة عيسى أخيهما إذ كان يحاذيه في البلد. فأبى القاسم من ذلك
وخالف أمر محمّد. فكتب محمّد إلى أخيه عمر بمثل ذلك، فأجابه وسارع إلى نصرته وخرج يريد عيسى بمعسكره. فلمّا قرب من أحواز فاس كتب إلى محمّد يستمده ومضى لوجهه، فأوقع بأخيهما عيسى قبل لحاق مدد محمّد وأخرجه عن بلد وازقّور وهرب إلى سلى. ثمّ أمر محمّد أخاه عمر بمحاربة القاسم أخيهما، (فحاربه وتغلّب على ما كان من بلده) بيده. فتزهّد القاسم وبنى مسجدا على ضفّة البحر بأصيلة ولزمه. وتوفّي عمر بن إدريس بقرب ذلك ببلد صنهاجة بموضع يقال له الفرس وكان منية له، ونقل إلى مدينة فاس فدفن بها. وهو جدّ الحمّوديّين القائمين بالأندلس على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله.
ثمّ هلك محمّد بن إدريس وولي الأمر بعد محمّد ابنه علي باستخلافه له. ثمّ هلك قولي الأمر بعده ابن أخيه يحيى بن يحيى بن محمّد بن إدريس. ثمّ إنّ يحيى بن يحيى دخل على يهودية في الحمّام يقال لها حنّة وقد راودها على نفسها فتغيّر عليه أهل فاس ووثب عليه عبد الرحمان بن أبي سهل الجذامي، وهو جدّ أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمان الّذي هو صاحب فاس، فأخرجه عن مدينة فاس فهرب إلى عدوة الأندلسيّين فمات بها من ليلته. وكانت زوجة يحيى بن يحيى هذا عاتكة بنت علي بن عمر بن إدريس بن إدريس، فلم تخرج مع زوجها يحيى بن يحيى. فأتى علي بن عمر أبوها بجنده فدخل عدوة القرويّين وملكها، وانتقل الأمر عن بني محمّد بن إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ثمّ قام على علي بن عمر عبد الرزاق الخارجي وكان صفريّا، ويقال إنّه من ثغر الأندلس، وكان قيامه من جبل مديونة وهو بقبلي فاس، فدارت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على علي، فهزمه الخارجي
وأخرجه عن مدينة فاس وفّر علي إلى بلد أوربة. وأجاب عبد الرزّاق أهل عدوة الأندلسيّين ولم يجبه أهل عدوة القرويّين وبعثوا إلى يحيى بن القاسم الّذي يعرف بالعدّام، فولّوه على أنفسهم فلم يزل بها حتّى قتله ربيع بن سليمان في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. فتقدّم يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس إلى مدينة فاس فدخلها ورجع الأمر إلى بني عمر، فلم يزل بيد يحيى حتّى قدم مصالة بن حبوس سنة سبع وثلاثمائة على ما ذكرنا قبل هذا.
فلمّا أجلى بني صالح عن بلد نكور تقدّم إلى مدينة الزيتون، وهي كانت قاعدة يحيى بن إدريس (بن عمر قبل دخوله فاس وكانت مويله) الذي يعتدّ بها (ويعول عليها). فخرج إليه يحيى مدافعا له فانهزم يحيى وانقضّ جمعه ولم تقم له قائمة بعد إلى أن هلك في سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، وكان هلاكه بالمهدية أيّام حصار أبي يزيد لها، وكان أعلى بني إدريس قدرا بالمغرب لم يبلغ أحد منهم مبلغه.
قال النوفلي: (وكان مصالة بن حبوس لمّا قدم المغرب قدمته الأولى سنة خمس وثلاثمائة ابتدى موسى) بن أبي العافية بالإحسان وقدّمه في المغرب، وكان موسى كلّما رجا بالظهور عزّه يحيى بن إدريس وقطع به عن أمله. فلمّا رجع مصالة بن حبوس إلى المغرب ثانية سنة عشر وثلاثمائة سعى موسى بيحيى عنده، فأجمع مصالة على القبض عليه وطمع في ماله وما عنده، فلم يزل يتحيّل له حتّى أقبل على معسكره، فقبض عليه
وانتزع جميع ما أتى به وأمره باستجلاب ما عنده من الأموال، فأحضره مالا عظيما وأخرجه عن بلده وصار ما كان بيده من البلدان إلى حسن بن محمّد الحجّام وإلى موسى بن أبي العافية.
قال القاضي محمّد بن عمر الصدفي: لمّا أجلى مصالة بن حبوس يحيى بن إدريس التاثت به الحالة وانفضّ جمعه ومن كان معه. ثمّ أخذه بعد ذلك موسى بن أبي العافية فخرب مدينته وسجنه دهرا طويلا بمدينة لكاي.
ثمّ أطلقه (ثمّ نزع بنفسه) إلى أصيلة وسكنها وأقطعه بنو إبراهيم شيئا يقوم منه معاشه. قال: وكان أبوه إدريس قد دعا الله بأن يميته بأرض غربة جوعا. فلمّا كان في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة توجّه نحو المهدية فوافق قيام أبي يزيد وفعل الشيعة بأنفسهم، فلم يصل إليهم ومات جوعا في حصار أبي يزيد بإفريقية.
وقدّم مصالة بن حبوس على فاس ريحان بن علي الكتامي وذلك سنة سبع وثلاث مائة، (فأقام بها إلى سنة ستّ عشرة وثلاثمائة). فقام حسن بن محمّد بن القاسم بن إدريس الّذي يعرف بالحجّام فنفاه ودخلها وملكها عامين، وإنّما سمّاه حجّاما عمّه أحمد بن القاسم بن إدريس الكرتي، وذلك أنّه جرى بينهما أمر أفضى بهما إلى الاختلاف والتدابر حتّى زحف كلّ واحد منهما إلى الآخر، فالتقيا بموضع يعرف بالمدالي من بلد صنهاجة، فحمل
حسن على غلام لعمّه فدعسه بحربة أثبتها في مكان المحجم، فأخبر عمّه بفعله، ثمّ شدّ على آخر فأصابه في ذلك الموضع، وقيل لأحمد أيضا، وضرب ثالثة فوافق ذلك الموضع. فقال أحمد: صار ابن أخي حجّاما.
فلزمه ذلك. ولذلك قال شاعر من شعرائهم:
وسمّيت حجّاما ولست بحاجمولكن لضرب في مكان المحاجم
وكان حسن الحجّام في آخر بلد المدالي يملك فاسا، فأوقع بموسى بن أبي العافية رجل من رؤساء البربر وقعة شنعاء لم يكن بالمغرب بعد دخول إدريس فيه أعظم منها أجلت هزيمته له عن أزيد من ألفي قتيل، وقتل في جملتهم ابنا لموسى يسمّى منهل. فغدره على أثر ذلك بفاس حامد بن حمدان الهمداني ويعرف باللوزي نسب إلى قرية بإفريقية، فحبسه عند نفسه وأغلق أبواب المدينة دون عسكره، وذلك كان شأن أهل فاس لا يتركون عسكر رئيس يدخل مدينتهم. فلمّا صار في سجن حامد أرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه ودخل فاسا وتغلّب على عدوة القرويّين وتغلّب بعد ذلك (على العدوة الأخرى. ثمّ جعل يلحف على حامد في قتل حسن الحجّام بابنه منهل، وحامد يدافعه عنه ويكره المجاهرة بقتله. فسمّه حامد وأخرجه على السور ليلا، فسقط عنه واندلقت ساقه، وجاز) إلى عدوة الأندلسيّين فمات بها. وقتل موسى عبد الله بن ثعلبة بن محارب الأزدي وقتل معه ابنيه محمّد ويوسف وهرب ابنه محارب بن عبد الله، فلحق بقرطبة (وقيل بالمهدية). وأراد أيضا قتل حامد بن حمدان الهمداني فهرب إلى المهدية.
واستولى موسى بن أبي العافية على جميع المغرب وأجلى آل إدريس أجمعين عن مواضعهم وانحاشوا عن البلد، وسار جميعهم في حجر النسر مقهورين، وهو حصن بناه إبراهيم بن محمّد بن القاسم بن إدريس بن إدريس سنة سبع عشرة وثلاثمائة، واعتزم موسى على محاصرتهم واستئصالهم حتّى عذله في ذلك أكابر أهل المغرب وقالوا: قد (أجليتهم وأفقرتهم، أتريد) أن تقتل آل إدريس أجمعين وأنت رجل من البربر؟ فانكسر عن ذلك ولاذ عنهم بعسكره وتخلّف لمراقبتهم ومنعهم من التصرّف قائدا جليلا كان عنده يكنّى أبا قمح، فكانت محلّة أبي قمح بتاوررت واستخلف موسى ابنه مدين بفاس حتّى قدم حميد بن يصلى في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة إلى المغرب ومعه حامد بن حمدان الهمداني. فلمّا أيقن مدين بقدومهما هرب من فاس وولّى حميد حامدا على فاس، وتظاهر بنو إدريس على أبي قمح فهزموه وغنموا أكثر عسكره. قالوا: فبذلك سمّوا ذلك الموضع الكوم وتفاءلوا به وجعلوه شعارا بينهم.
ووثب بفاس أحمد بن بكر بن عبد الرحمان بن أبي سهل الجذامي، فقتل حامدا وبعث برأسه وولده إلى موسى بن أبي العافية، فبعث بهما موسى إلى قرطبة مع سعيد بن الزرّاد. وكان صار حميد بن يصلى عن موسى وعن المغرب بغير عهد، فهو كان سبب سجنه بإفريقية حتّى هرب إلى الأندلس.
ثمّ قدم ميسور الفتى إلى المغرب في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة على ما تقدّم قبل هذا، فخرج أحمد بن بكر صاحب فاس يومئذ إلى معسكره، فحبسه ميسور ووجّه به إلى المهدية. فقدّم أهل فاس على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي وحارب ميسور مدينة فاس سبعة أشهر، ثمّ قفل عنهم فلم يزل حسن واليا عليها إلى أن قدم أحمد بن بكر منطلقا من المهدية، فتخلّى له حسن عمّا كان بيده، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ولمّا ورد ميسور إلى المغرب حاصر موسى بن أبي العافية وتولّى معاظم تلك الحروب بنو إدريس (حتّى جلى موسى بن أبي العافية إلى الصحراء وصار كما كان بيده إلى آل إدريس والرئاسة منهم في بني محمّد بن إدريس بن إدريس)، وهم حسن وجنّون وإبراهيم بنو محمّد بن القاسم، وكان محمّد متخلّفا في إخوته وعشيرته لا قدر له. ثمّ صارت النباهة والقدر لبنيه، وإبراهيم بن محمّد هو المعروف بالرهوني، وكان الّذي يلزم صخرة النسر منهم جنّون وحنّون من أبناء إبراهيم واسم جنّون القاسم.
ولمحمّد بن إسحاق الشاعر المعروف بالنحيلي في جنّون هذا أهاج كثيرة مقذعة، وذلك أنّه غلب على أمّ ولد كانت له، فهويها جنّون وصارت عنده فاستعان عليه بابن عمّه أحمد بن القاسم بن إدريس، فكتب إليه يرغب أن يصرفها إليه وأعلمه بما يلحقه في فعله من قبح الأحدوثة، فلم يلتفت إلى مقالته ولا انتفع محمّد بن إسحاق بشفاعته، فاستأذن محمّد بن إسحاق أحمد بن القاسم في هجائه، فأذن له في ذلك وعاهده أن لا يرى منه على هجائه له مكروها أبدا. فممّا هجاه به:
أترى سلاحك إذ كدتك قصيدتيينقيه سيل قد طما من سفدد
أو بحر طنجة في عصوفات الصبىوبحر سبتة يا لئيما) فردد
أو نيل مصر إذا ارتمى أذيهتعلو سواحله بموج مزبد
جنّون يزعم أنّه متلوطوهو المنيك إذا خلا بالأمرد
ابنا محمّد الزنيم لأنتمشرّ الورى ممّن يروح ويغتدى
إن كان جنّون من آل محمّدفأنا كفور بالنبيّ محمّد
وقد ذكرنا خبر سفدد واختلاف أسماء هذا النهر باختلاف المواضع. (فأمّا قوله: أو بحر طنجة في عصوفات الصبى، فإنّ الريح الشرقية تؤذي فيه أشدّ إذاية وكذلك في جرفيه).
وكان أعلى بني محمّد كلّهم أيدا أبو العيش بن جنّون بن محمّد وكان له من البلد ما بين أجاجن (وقيل ايزاجن). وهو بقبلي حجر النسر إلى مدينة فاس. وكان أحمد بن إبراهيم بن محمّد عالمهم، كان يحفظ السير والتواريخ وكان نسّابة عاقلا حليما وكان مبجلا لعلمه، وكان يعرف أحمد الفاضل، وكان له ما جرّ من أجاجن إلى مدينة سبتة، وكان شديد الميل إلى خلفاء بني أميّة وكثير التشيّع فيهم. وهو الّذي استشار محمّد بن عبد الله بن أبي عيسى قاضي الجماعة في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في دخول الأندلس والغزو مع أمير المؤمنين عبد الرحمان. فلمّا أعلم عبد الرحمن بذلك أمره بمخاطبته واستحثاثه في القدوم وأن يعلمه أنّه لا ينزل مرحلة من الأندلس ما بين نزوله بالجزيرة الخضراء إلى نزوله بمحلّه بلاط حميد من أقصى الثغر
- وذلك ثلاثون محلّة- إلّا أمر أمير المؤمنين ببنيان قصر في كلّ محلّة ينزلها ينفق فيه ألف مثقال ليكون أثر إقباله إلى الأندلس باقيا مع الأيّام.
ولم يكن في بني إدريس من شهر بالعلم شهرته إلّا أحمد الأكبر بن القاسم بن إدريس بن إدريس وهو المعروف بالكرتي، وكان له علم وقدر بالمغرب، وهو الّذي استجلب بكر بن حماد ووفد على أمير المؤمنين عبد الرحمان منهم حسن بن القاسم المعروف بجنّون وعيسى بن جنّون بن محمّد بن القاسم، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، فأقاما في كرامته إلى شهر صفر من العام الّذي يليه، ثمّ انصرفا إلى بلدهما. ولمّا دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة أجمع بنو محمّد بن القاسم على هدم مدينة تيطاوان فهدموها، ثمّ تعقّبوا ما فعلوا وأرادوا بنيانها، فضجّ أهل مدينة سبتة من بنيانها وزعموا أنّها تضرّ بمدينة سبتة وتقطع عنها مرافقها، فأعجل عبد الرحمان أمير المؤمنين إخراج الجيوش إليهم وتجهيز العساكر نحوهم، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، والقائد (أحمد بن يعلى)، (حتّى وصل إلى مدينة سبتة ونفذ عهد عبد الرحمان إلى حميد بن يصلى وكان والي تيجيساس بالتقدّم إلى سبتة والتظافر بأحمد بن يعلى) على حرب بني محمّد. واجتمع العسكران فسفر حميد بن يصلى إلى بني محمّد علي بن معاذ، فأجابوه إلى التخلّي عن مدينة تيطاوان على أن يبعثوا بأبنائهم إلى أمير المؤمنين. فقدم أحمد بن يعلى عليه بحسن بن أحمد الفاضل بن إبراهيم بن محمّد ومحمّد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم، ووصلا إلى قرطبة يوم السبت لتسع خلون من رجب سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة. وعيسى هو أبو العيش. فبعث حسن في ابنه يحيى وبعث محمّد في ابنه
حسن، فوصلا إلى قرطبة يوم الاربعاء لأربع بقين من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، فمكثا بقرطبة وصدر أبواهما إلى بلادهما بالحباء والكرامة المجدّدة.
وولد ليحيى وحسن بقرطبة البنون، ثمّ هلكا: هلك يحيى سنة تسع وأربعين وهلك حسن سنة خمسين، ودفنا بمقبرة الربض وصلّى عليهما منذر بن سعيد القاضي. وتخلّف يحيى ابنا يسمّى حسينا وتخلّف حسن ابنين يسمّيان محمّدا وحسينا أيضا. فلم يزالوا مستقرّين بقرطبة إلى خلافة المستنصر بالله. فبعث بهم أعلاما من ثقات أهل مملكته، وذلك في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، فوصلوا بهم إلى أحمد وحسن ابني إبراهيم بن محمّد بن القاسم، ويحيى بن أحمد أبو هذا الغلام قد هلك، فأنزل أحمد بن إبراهيم ابن ابنه حسين بن يحيى على ما كان لأبيه.
فأمّا ذرّية عمر بن إدريس بن إدريس جد الناجمين بالأندلس فإنّ عمر ولد عليّا بسرية، وإدريس أمّه زينب بنت عبد الله بن داود بن القاسم الجعفري، وعبيد الله لجارية يقال لها ربابة، ومحمّدا. فأمّا علي فإنّه أعقب من الذكور اثني عشر ذكرا وابنة واحدة وهي عاتكة الّتي تقدّم ذكرها، امرأة يحيى بن يحيى بن محمّد بن إدريس، وأكثر عقب هؤلاء بأوربة ومنهم بمدينة فاس ومنهم بكتامة. وحمزة بن علي منهم، قتله موسى بن أبي العافية بيده،
ظفر به بمدينته الّتي كانت تدعى بني عوسجة، وقتل معه ولديه هارون ويحيى. وكان حمزة هذا قد حضر مع حسن بن محمّد الحجّام هزيمته لموسى وحضر قتل منهل ابنه، وكان حمزة قد علّق منهلا على بابه ببني عوسجة فقتلهم بثأره. وحسن بن عبيد الله بن علي منهم ابتلى بالجذام وجنّون بن إدريس بن علي، أجلاه موسى بن أبي العافية إلى زناتة فسبته برغواطة فعقبه هناك عندهم.
وعقب أبي العيش بن علي منهم بالأندلس. وأمّا إدريس بن عمر بن إدريس فهو لباب ولد عمر بن إدريس، وبولده تكرّر الأمر إلى أن كثرهم بنو محمّد بن القاسم بن محمّد بن إدريس. ومحمّد بن إدريس بن عمر هو المعروف بابن ميّالة ويكنّى أبا العيش، ولم يزل مواليا للناصر عبد الرحمان ﵀، وقد ذكرنا خبر ابنه يحيى بن إدريس وملكه لمدينة فاس، وأنّه كان أعلى بني إدريس حالا بالمغرب، وذكرنا موته بالمهدية. قال علي النوفلي: كان يشهد مجلس يحيى بن إدريس العلماء والشعراء، وكان أبو أحمد الشافعي من جلسائه وممّن يتكلّم عنده في العلم، وكان ينسخ له عدّة الورّاقين وينتجعه الناس من الأندلس وغيرها، فيحسن إلى جميعهم وينصرفون عنه أكرم منصرف.
وكان لإدريس بن عمر خمسة من الولد الذكور غير هذين ولهم عقب كثير. فأمّا عبيد الله بن عمر بن إدريس فولد حمزة والقاسم وأبا العيش، لم (تسمّ لنا أمّهم وهي مملوكة بربرية)، وعليّا وإبراهيم ومحمّدا، ويقال لمحمّد الشهيد، أمّهم زواغية. فأمّا حمزة فكان شجاعا جوّادا متقدّما وله عقب كثير ببلد غمارة وزنانة. وأمّا علي بن عبيد الله فلم يعقب من ولده إلّا جنّون وهم بكورة الجزيرة. وأمّا إبراهيم فكان عقبه بحجر النسر وأحد بنيه أعقب ببلد زناتة. (وأمّا القاسم بن عبيد الله فله عقب كثير ببلد زناتة، ومحمّد الشهيد عقبه أيضا ببلد زناتة). وأمّا أبو العيش بن عبيد الله فولد حمّودا ويحيى. فأمّا يحيى فله بنون بتازغدرا. وأمّا حمّود فولد القاسم وعليّا وفاطمة. فأمّا علي فولي الخلافة بالأندلس سنة سبع وأربعمائة واغتاله فتيان من الصقالبة في حمّام بقصر قرطبة فقتلاه ثمّ قتلا به، وكان له من الولد يحيى وإدريس وولّى عهده منهما يحيى، وكان صاحب المغرب وكان إدريس أخوه صاحب مدينة مالقة. فلمّا قتل علي استدعى البربر القاسم أخاه وأدخلوه القصر وبايعه الناس وخطب له بالخلافة، فأنف من ذلك ابن أخيه يحيى لما تقدّم من عهد أبيه له وتظافر مع إدريس أخيه على عمّهما لتصوّره عليهما في خلافة أبيهما، واتّفقا على أن يعبر يحيى إلى مالقة لطلب حقّه ويعبر إدريس إلى المغرب. فجاز يحيى إلى إشبيلية سنة أربع عشرة وأربعمائة واستمرّ إلى قرطبة. فاستخلف يحيى بقرطبة وتسمّى بالمعتلي وخطب له بالخلافة. ثمّ إنّ البربر اضطربوا عليه ففرّ من قرطبة إلى مالقة، ورجع عمّه القاسم إلى قرطبة مرّة أخرى وتسمّى بالمأمون. ثمّ عزله ابن أخيه يحيى، فخرج من قرطبة إلى إشبيلية ومكث بها (إلى أن أخرجه محمّد بن عبّاد وصار بشريش، فحصره بها ابن أخيه يحيى حتّى أخذه وبنيه هناك فسجنهم)، واستوسق الأمر ليحيى بن علي حتّى قتل في المحرّم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
فلمّا وصل الأمر إلى أخيه خطب له بالخلافة في سبتة وتسمّى بالعزيز بالله. ثمّ عبر البحر إلى مالقة فتسمّى بالمتأيّد بالله وخطب له بالخلافة بمالقة وأعمال البربر بالأندلس وبالمرية وأعمالها. وتوفّي يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت للمحرّم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وكان ولّى عهده حسن بن يحيى صاحب سبتة فتسمّى بالمستنصر بالله، فجاز إلى الأندلس وبويع له بمالقة ونواحيها وبغرناطة وجهاتها إلى أن توفّي سنة أربع وثلاثين وأربع مائة.
فولي إدريس بن يحيى أخوه وبويع له يوم الخميس لستّ خلون من جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وتسمّى بالعالي وخطب له بذلك بمالقة وغرناطة وقرمونة وأعمالها إلى أن خلع سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة. وقام محمّد بن إدريس بن علي وتسمّى بالمهدي وخطب له بالخلافة هناك إلى أن توفّي سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابن أخيه إدريس بن يحيى بن إدريس بن علي وتسمّى بالموفّق ولم يخطب له بالخلافة وبقي أشهرا يسيرة، ثمّ دخل عليه العالي إدريس بن يحيى وبويع له مرّة ثانية بمالقة وبقي إلى أن توفّي سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه محمّد بن إدريس وتسمّى بالمستعلي ولم يخطب له بالخلافة، فأقام بمالقة إلى أن تغلّب عليها باديس بن حبوس بن ماكسن في صدر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، فانقطعت دولة بني علي بن حمّود من يومئذ. ثمّ استدعى محمّد بن إدريس هذا من مدينة مليلة، وهو مستقرّ بالمرية لا يعرف مكانه لخمول ذكره، فعبر إليها وذلك في شهر شوال سنة تسع وخمسين وأربعمائة، (فقام به جماعة) بني ورتدى بمليلة وبقلوع جارة ونواحيهما، وهو هناك باق على ذلك إلى وقتنا هذا وهو آخر سنة ستّين وأربعمائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع