تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ممالك برغواطة وملوكهم

أخبر أبو صالح زمّور بن موسى بن هشام بن وارديزن البرغواطي، وكان صاحب صلاتهم حين قدم على الحكم المستنصر بالله رسولا من قبل صاحب برغواطة أبي منصور بن عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي عفير يحمد بن معاذ بن أليسع بن صالح بن طريف، وكان وصوله إلى قرطبة في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وكان المترجم عنه بجميع ما أخبر به الرسول الّذي قدم معه، وهو أبو موسى عيسى بن داود بن عشرين السطاسي من أهل شلة مسلم من بيت خيرون بن خير. فأخبر زمّور أنّ طريفا أبا ملوكهم من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق وأنّه كان من أصحاب ميسرة المطغري المعروف بالحقير ومغرور بن طالوت.

وإلى طريف نسبت جزيرة طريف. فلمّا قتل ميسرة وافترق أصحابه احتلّ طريف ببلد تامسنى، وكان إذ ذاك ملكا لزناتة وزواغة. فقدّمه البربر على أنفسهم وولي أمرهم، وكان على ديانة الإسلام إلى أن هلك هناك وتخلّف من الولد أربعة، فقدّم البربر ابنه صالحا منهم.

قال زمّور: وكان مولد صالح بعد موت النبي ﷺ بمائة عام سواء.

قال: وحضر صالح مع أبيه حروب ميسرة الحقير وهو صغير. قال: وكان من أهل العلم والخير فتنبّأ فيهم وشرع لهم الديانة الّتي هم عليها إلى اليوم،

(وادّعى أنّه نزل) عليه قرآنهم الّذي يقرءونه إلى اليوم. قال زمّور: وهو صالح المؤمنين الّذي ذكره الله ﷿ في قرآن محمّد ﷺ في سورة التحريم.

وعهد صالح إلى ابنه الياس بديانته وعلّمه شرائعه وفقّهه في دينه وأمره ألّا يظهر ذلك إلّا إذا قوي وأمن، فإنّه يدعو حينئذ إلى ملّته ويقتل من خالفه.

وأمره بموالاة أمير الأندلس. وخرج صالح إلى المشرق ووعد أنّه ينصرف إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنّه المهدي الأكبر الّذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجّال، وأنّ عيسى بن مريم يكون من أصحابه ويصلّي خلفه، وأنّه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتكلّم لهم في ذلك كلاما كثيرا نسبه إلى موسى الكليم ﵇ وإلى سطيح الكاهن وإلى ابن عبّاس. وزعم أنّ اسمه في العربي صالح وفي السرياني مالك وفي الأعجمي عالم وفي العبراني وربيا وفي البربرية ورياورى، أي الّذي ليس بعده شيء. وتولّى ألياس الأمر بعد خروج أبيه يظهر ديانة الإسلام ويسرّ الّذي عهد إليه به أبوه خوفا وتقية، وكان طاهرا عفيفا لم يلتبس بشيء من الدنيا إلى أن هلك بعد أن ملك خمسين سنة.

وولد ألياس جماعة منهم يونس، فتولّى الأمر بعد أبيه فأظهر ديانتهم ودعا إليها وقتل من لم يدخل فيها حتّى أخلى ثلاثمائة مدينة وسبعا وثمانين مدينة، حمل جميع أهلها على السيف لمخالفتهم إيّاه وقتل منهم بموضع يقال له

تاملّوكاف، وهو حجر نابت عالي وسط السوق، سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين قتيلا، وقتل من صنهاجة خاصّة في وقعة واحدة ألف وغد، والوغد عندهم المنفرد الوحيد الّذي لا أخ له ولا ابن عمّ، وذلك في البربر قليل وإنّما أحصوا الأقلّ ليستدلّ به على الأعظم الأكثر. قال زمّور:

ورحل يونس إلى المشرق وحجّ ولم يحجّ أحد من أهل بيته قبله ولا بعده.

ومات يونس بن الياس بعد أن ملك أربعا وأربعين سنة.

(وانتقل الأمر عن بنيه بقيام أبي غفير يحمد بن معاد بن أليسع بن صالح بن طريف عليهم، فاستولى على الملك) ودان بدين آبائه واشتدّت شوكته وعظم أمره، وكانت له وقائع كثيرة في البربر مشهورة لا تنسى مع الأيّام، منها وقيعة تيمغسن، وكانت مدينة عظيمة، أقام القتل في أهلها ثمانية أيّام من الخميس إلى الخميس، حتّى شرقت دورهم ورحابهم وسككهم بدمائهم، ومنها وقعة بموضع يقال له بهت عجز الإحصاء عن عدد من قتل فيها. وكانت لأبي غفير من الزوجات أربع وأربعون زوجة كان له منهنّ من الولد بعددهنّ. ومات أبو غفير بعد أن ملك تسعا وعشرين سنة، وذلك عند ثلاثمائة من الهجرة.

وولي الأمر بعده من بنيه عبد الله أبو الأنصار، وكان سخيّا ظريفا يفي بالوعد والعهد ويحفظ الجار ويكافي على الهدية بأضعافها، وكان أفطس شديد

أدمة الوجه ناصع بياض الجسم طويل اللحية، وكان يلبس السراويل والملحفة ولا يلبس القميص، ولا يعتمّ إلّا في الحرب ولا يعتمّ أحد في بلده إلّا الغرباء، وكان يجمع جنده وحشمه في كلّ عام ويظهر أنّه يغزو من حوله، فتهاديه القبائل وتستألفه، فإذا استوعب هداياهم وألطافهم فرّق أصحابه وسكنت حركته. فملك في دعة اثنتين وأربعين سنة ودفن بأمسلاخت وبها قبره. وولي بعده من بنيه ابنه أبو منصور عيسى بن أبي غفير، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فسار بسيرة آبائه ودان بديانتهم واشتدّت شوكته وعظم سلطانه. وكان أبوه قد وصّاه قبل موته بموالاة صاحب الأندلس، (وكذلك يوصّي جميعهم المرشّح للملك بعده. قال زمّور): وقال له: يا بنيّ أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك صالح بن طريف كما وعد. انتهى كلام زمّور.

وقال أبو العبّاس فضل بن مفضّل بن عمرو المدحجي: إنّ يونس القائم بدين برغواطة أصله من شدونة من وادي بربط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام واحد مع عبّاس بن ناصح وزيد بن سنان الزناتي صاحب الواصلية وبرغوت بن سعيد التراري وجدّ بني عبد الرزّاق ويعرفون ببني وكيل الصفرية، ومناد صاحب المنادية المنسوب إليه القلعة المعروفة بالمنادية قريبا من سجلماسة وآخر ذهب عنّي اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدّين وادّعى ثلاثة منهم النبوّة، منهم يونس صاحب برغواطة. قال:

وكان يونس شرب دواء الحفظ فلقن كلّ ما سمع حفظه، وطلب علم النجوم والكهانة والجانّ ونظر في الكلام والجدال، وأخذ ذلك من غيلان.

ثمّ انصرف يريد الأندلس، فنزل بين هؤلاء القوم من زناتة، فلمّا رأى جهلهم استوطن ببلدهم، وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها ممّا تدلّ عليه النجوم عندهم فتكون على ما يقول أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلمّا رأى ذلك منهم وعرف ضعف حلومهم وسخافة عقولهم أظهر ديانته ودعا إلى نبوّته، وسمّى من اتّبعه بربطي لما كان من بربط، ثمّ أحالوه بألسنتهم وردّوه إلى لغتهم فقالوا: برغواطي.

قال فضل بن مفضّل: وقال سعيد بن هشام المصمودي في وقعة بهت قصيدة طويلة اخترنا منها أبياتا:

قفي قبل التفرّق فاخبريناوقولي واخبري خبرا مبينا
هموم برابر خسروا وضلّواوخابوا لا سقوا ماء معينا
ألايم أمّة هلكت وضلّتوزاغت عن سبيل المسلمينا
يقولون النّبيّ أبو غفيرفأخزى الله أمّ الكاذبينا
ألم تسمع ولم تر يوم بهتعلى آثار خيلهم رنينا
رنين الباكيات فبين ثكلىوعاوية ومسقطة جنينا
سيعلم قوم تامسنى إذا ماأتوا يوم النّشور مهيمنينا
هناك يونس وبنو أبيهيقودون البرابر مهطعينا
إذا ورياورى زمّت عليهجهنّم قائد المستكبرينا
فليس اليوم ردّتكم ولكنليالي كنتم متميسرينا

هذا البيت يصدّق قول زمّور البرغواطي أنّ طريفا كان من أصحاب ميسرة ويشهد له. وأمّا هذا الضلال الّذي شرع لهم فإنّهم يقدمون مع الإقرار بالنبيّين الإقرار بنبوّة صالح بن طريف ونبوّة من تولّى الأمر بعده من ولده، وأن الكلام الّذي ألّف لهم وحي من الله تعالى لا يشكّون فيه، تعالى الله عن ذلك، وصوم رجب وأكل شهر رمضان وخمس صلوات في اليوم (وخمس صلوات في الليلة) والتضحية في اليوم الحادي عشر من المحرّم، وفي الوضوء غسل السرّة والخاصرتين ثمّ الاستنجاء ثمّ المضمضة وغسل الوجه ومسح العنق والقفا وغسل الذراعين من المنكبين ومسح الرأس ثلاث مرّات ومسح الأذنين كذلك ثمّ غسل الرجلين من الركبتين. وبعض صلواتهم إيماء بلا سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. وهم يسجدون ثلاث سجدات متّصلة ويرفعون جباههم وأيديهم عن الأرض مقدار نصف شبر، وإحرامهم أن يضع إحدى يديه على الأخرى ويقول: ابسمن ياكش، تفسيره بسم الله، مقرّ ياكش، تفسيره الكبير الله، ويضعون أيديهم مبسوطة في الأرض طول ما يتشهّدون ويقرءون نصف قرآنهم في وقوفهم ونصفه في ركوعهم، ويقولون في تسليمهم بالبربرية: الله فوقنا لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ثمّ يقول مقرّ ياكش خمسا وعشرين مرّة، إيحن ياكش مثل ذلك ومعناه: الواحد الله، وردام ياكش مثل ذلك ومعناه: لا أحد مثل الله.

وهم يجمعون يوم الخميس ضحى، وصيام يوم من كلّ جمعة فرض من فروضهم ويصوم الجمعة الأخرى الّتي تليه أبدا. ويأخذون العشر من الزكاة من جميع الحبوب ولا يأخذون من المسلمين شيئا. ويتزوّج من النساء ما استطاع على مباعلتهنّ والإنفاق عليهنّ بلا حدّ عدد. وأن لا يتزوج من بنات عمّه إلّا ثلاث جدود، ولا يتسرّون ولا ينكحون للمسلمين ولا ينكحون فيهم ويطلقون ويراجعون ما أحبّوا.

ويقتل السارق بالإقرار أو بالبيّنة ويرجم في الزنا عندهم وينفى الكاذب ويسمّونه المغيّر. والدية عندهم مائة من البقر. ورأس كلّ حيوان عليهم حرام، والحوت لا يؤكل إلّا أن يذكّى والبيض عندهم حرام والدجاج مكروهة إلّا أن يضطرّ إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة وهم يكتفون في معرفة الأوقات بزقاء الديوك ولذلك حرّموها. وكان يبصق في أيديهم فيلعقونه تبرّكا به ويحملون بصاقه إلى مرضاهم يستشفون به. وصار أهل برغواطة أعلم الناس بالنجوم وأحذقهم بالقضاء بها. وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء وأشدّهم أيدا، كانت الجارية البكر منهنّ تثب ثلاث حمر مصطفّة ولا يمسّ ثوبها شيئا من الحمر، ولا تقدر على ذلك ثيّب.

وقرآنهم الّذي وضع لهم صالح بن طريف ثمانون سورة أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيّين من لدن آدم، أوّلها سورة أيّوب وآخرها سورة يونس وفيها سورة فرعون وسورة قارون وسورة هامان وسورة ياجوج وماجوج وسورة الدجّال وسورة العجل وسورة (هاروت وماروت وسورة طالوت وسورة نمرود وما أشبه هذه من الأقاصيص وسورة الديك وسورة) الحجل وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة الحنش- وكان يمشي على ثماني أرجل- وفيها سورة غرائب الدنيا، وهناك العلم العظيم عندهم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.