من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
شعر
وَلَو قُلْتَ طَأ في النارِ أعْلَمُ أَنّهُرِضىً لَكَ أَوْ مُدْنٍ لَنا مِنْ وِصالِكَ
لَقَدَّمْتُ رِجْلي نَحْوَها فَوَطئْتُهاهُدىً مِنْكَ لي أَوْ ضِلَّةً مِنْ ضَلالِكَ
ثمّ قدم حلب بعد كتابه فاستنابه برهان الدين البلخيّ ولم يزل نائباً عنه إلى أن مات فخزن عليه برهان الدين حزناً غلب عليه ولمّا فرغ من الصلاة عليه التفت إلى الناس وقال: شمت الأعداء بعليّ لمت أحمد. ولم يزل برهان الدين البخليّ مدرّساً بالمدرسة المذكورة إلى أن خرج من حلب لأمرٍ جرى بينه وبين مجد الدين أبي بكر محمّد بن نُوشْتكين بن الداية لما كان نائباً عن السلطان بحلب وقصد دمشق فأقام بها إلى أن توفي يوم الخميس سلخ شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وتولّى المدرسة بعد خروجه منها الفقيه الإمام عبد الرحمان بن محمود بن محمد بن جعفر الغَزْنويّ أبو الفتح وقيل أبو محمد الحنفيّ الملقب علاء الدين فأقام بها مدرّساً إلى أن توفي بحلب ليبع بقين من شوّال سنة أربع وستّين وخمسمائة وتولّى تدريسها بعده ولده محمود وكان صغيراً فتولّى تدبيره وتربيته الحسام عليّ بن أحمد بن مكّي الرازيّ الورديّ وكان فقيهاً فاضلاً. ثمّ ولي بعده تدريسها الإمام الفاضل رضي الدين محمّد بن محمّد بن محمّد أبو عبد الله السَرَخْسيّ صاحب كتاب المحيط كان قد قدم حلب فولاّه نور الدين محمود بن زنكي التدريس بالمدرسة وكان في لسانه لكنة فتعصّب عليه جماعة من الفقهاء الحنفيّة بحلب وصغّروا أمره عند نور الدين وكانت وفاته يوم الجمعة آخر جمعة في شهر رجب سنة إِحدى وسبعين وخمسمائة. فكتب نور الدين إلى عالي بن إبراهيم ابن إِسماعيل الحنفيّ أبي عليّ الغَزْنَويّ البلقيّ وكان بالموصل في الوصول إلى حلب ليولّيه تدريس المدرسة واتّفق أن أبا بكر بن مسعود بن أحمد الكاسانيّ الملقّب علاء الدين أمير كاسان وكاسان بلدة من فَرْغانة سُيّر رسولاً من الروم إلى نور الدين فعرض عليه المقام بحلب والتدريس بالمدرسة الحلاّويّة فأجابه إلى ذلك ووعده أن يعود إلى حلب بعد ردّ الجواب بالرسالة فعاد إلى الروم ثمّ قدم حلب واتّفق قدومه وقدوم عالي الغَزْنَويّ من الموصل فولي عالي التدريس بالمدرسة الحلاّويّة يوماً واحداً ثمّ أنّ نور الدين استحيا من علاء الدين الكاساني فاستدعى بابن الحليم مدرّس مدرسة الحدّادين إلى دمشق وولى عالي الغَزنَويّ مكان ابن الحليم ثمّ ولي علاء الدين تدريس الحلاويّة ولم يزل علاء الدين بها إلى أن تُوفي يوم الأحد بعد الظهر عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة وكان من ذوي التحصيل والتفريغ والتأصيل صنّف التصانيف البديعة في أحكام الشريعة والكتب التي سار في الآفاق ذكرها واستوى في شياعها خَبرها وخُبرها. وولي التدريس بعده الإمام افتخار الدين عبد المطّلب بن الفضل بن عبد المطلّب بن عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس صاحب الرواية العالية الفاخرة والدراية الزاهية الزاهرة شرح الجامع الكبير شرحاً مستوفى وقام بما شُرط فيه ووّفى ولم يزل مدرّساً إلى أن تُوفي في جمادي الآخرة من سنة ستّ عشرة وستمائة. فولي تدريس المدرسة بعده ولده الإمام العلاّمة تاج الدين أبو المعالي الفضل وكان قد جمع بين العلم والكرم وأصبح فيها كنار على علم ولم يخلُ من كان بحلب أو دخلها من الفضلاء والمستفيدين من فوائده ولا عطل جيّد واحد منهم من بوادئ جوده وعوائده خلع في يوم تدريسه عشرين خلعة على من حضر درسه من متميّزي الفقهاء واستمرّ مدرّساً معظّم المكانة إلى أن توفيّ فجأةً في أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. فولي تدريسها بعده في أوائل سنة أربع وثلاثين الصاحب الإمام العلاّمة جامع أشتات الفضائل المبرّز في معلوماته على الأواخر والأوائل المضيف إلى عالي الرواية عظيم الدراية الوافر الحظّ من حسن الخطّ المحرّر لما يرويه بالإتقان والضبط جمع خطّه بين تحرير الأصول ورونق الجمال وحاز فيه قصب السبق فأضحى يُباري ابن هلال وحقّق نعته أنّ الأسماء تنزل من السماء حين لُقّب بالكمال كمال الدين أبو القاسم عمر بن قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة المعروف بابن العديم ولم يزل مستمرّاً على تدريسها إلى أن قصد دمشق في خدمة السلطان الملك الناصر فولي تدريسها استقلالاً ولده الإمام العلاّمة الزاهد العابد الخطيب قاضي القضاة مجد الدين أبو المجد عبد الرحمان لما جُمع له من العلم والعمل وارتوى من الرواية التي في علوّها المشايخ الأوّل وانقضت الدولة الناصريّة الدولة الناصريّة وهو بها
مدرّس ولقواعد المذهب فيها مؤسّس ثمّ دخل مصر مع من كُتب عليه الجلاء من أهل حلب.
المدرسة الشاذْبَخْتيّة - أنشأها الأمير جمال الدين شاذْبَخْت الخادم الهنديّ الأتابكيّ كان نائباً عن نور الدين محمود بحلب ولما تمّت استدعى من سِنجار نجم الدين مسلم بن سلامة ليولّيه تدريسها فأمره الملك الظاهر بأن يولي موفّق الدين بن النّحاس فكان أوّل من درّس فيها الفقيه الإمام العالم موفّق الدين أبو الثناء محمود بن هبة الله بن طارق النّحاس الحنفيّ ولم يزل متولّياً تدريسها إلى أن تُوفي يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستّمائة بتلّ عبدة من أعمال حرّان عائداً من رسالة حملها لصاحب تَبْريز من جهة الملك الظاهر ونُقل إلى حلب فدُفن بها وكان عالماً في الخلافيّات حسن المناظرة منصف في المحاورة. وتولّى تدريسها بعده القاضي شمس الدين محمد بن يوسف ابن الخضر المعروف بابن القاضي الأبيض قاضي العسكر العادليّ ولم يزل مدرّسا بها إلى أن تُوفي ليلة الخميس سابع عشر شهر رمضان سنة أربع عشرة وستّمائة. وتولّى تدريسها بعده الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة ولم يزل مدرّساً بها وولده مجد الدين عبد الرحمان ولم يزل ينوب عن والده إلى أن استقلّ بها أخوه جمال الدين محمّد ولد الصاحب كمال الدين إلى أن كانت فتنة التتر سنة ثمان وخمسين.
المدرسة الأتابكيّة - أنشأها شهاب الدين طُغْريل الأتابك عتيق الملك الظاهر غياث الدين غازي نائب السلطنة بقلعة حلب ومدبّر الدولة بعد وفاة معتقه. انتهت عمارتها في سنة ثمان عشرة وستّمائة. وأوّل من درّس فيها الشيخ الإمام العام جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشيّ الحورانيّ الأصل ولم يزل بها إلى أن توفي في الرابع والعشرين من شوّال سنة ثمان وثلاثين وستمّائة وكان فقيهاً عالناً تفقّه إلى علاء الدين الكاسانيّ ووليها من بعده مجد الدين عبد الرحمان بن كمال الدين بن العديم ولم يزل بها إلى أن خرج من حلب فرارّا من التتر إسوة بأهل بلده وأحرقت في زمان التتر وهي داثرة الآن.
المدرسة الحدّادية - أنشأها حُسام الدين محمّد بن عمر بن لاجين بن أخت صلاح الدين كانت من الكنائس الأربع اّلتي ذكرها فهدمها وبناها بناءً وثيقاً. وأول من درّس بها الفقيه الإمام الحسين بن محمّد بن أسعد بن حليم المعغوتب المجّم وكان فقيهاً عالماً متأدباً ولم يزل بها إلى أن استدعاه نور الدين إلى دمشق. وولي مكانه عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغَزْنَويّ البلقي ولم يزل بها إلى أن توفي إما سنة إحدى أو اثنين وثمانين وخمسمائة وقال مقرّب الدين أبو جعفر عمر بن قُشّام: تُوفيّ عالي سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهذان القولان حكاهما كمال الدين بن العديم في تأريخه. ثم وليها بعده موفّق الدين أبو الثناء محمود بن طارق النحّاس الحلبيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفيّ في السنة الّتي قدّمنا ذكرها عند ذكره في الشاذْنَجْتيّة. ثمّ وليها بعده ولده كمال الدين إسحاق ولم يزل بها مدرساً إلى أن تُوفيّ ليلة الأربعاء مستهلّ شعبان سنة أربع وأربعين وستّمائة. ووليها بعده الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاريّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تُوفيّ يوم الخميس سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة. ووليها بعده ولده فخر الدين يوسف ولم يزل إلى أن قتلته التتر عند استيلائهم على حلب.
المدرسة الجُرْديكيّة - أنشأها الأمير عزّ الدين جُرديك النوريّ بالبلاط في سنة تسعين وخمسمائة وانتهت في سنة إحدى. وأول من ولي تدريسها الشيخ مقرّب الدين أبو حفص عمر بن عليّ بن محمّد بن فارس بن عثمان بن فارس بن محمّد بن قُشّام التميميّ الحنفيّوكان قد تفقّه على الإمام عبد الرحمان الغَزْنَوي وعلى علاء الدين الكاساني ولم يزل مدرساً بها إلى أن تُوفيّ ليلة السبت الثاني من جمادى الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة وكان مولده ليلة الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثمّ ولي تدريسها بعده نجم الدين عمر بن أبي يَعْلي عبد المنعم بن هبة الله الرَعْباني ويُعرَف بابن أمين الدولة ولم يزل بها إلى أن عزل نفسه إما في سنة ثلاث أو أربع وأربعين وانقطع في بيته ولم يزل منقطعاً في بيته إلى أن قُتل في بيته عند استيلاء التتر على حلب. ثمّ وليها بعده صفيّ الدين عمر ابن زُقزُق الحَمَويّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن جدّد الطواشي مرشد المظفّريّ بحماه مدرسةً فاستدعاه فتوّجه إليه في سنة اثنتين وخمسين وستّمائة وتولّى بعده محيي الدين محمّد بن يعقوب بت إبراهيم بن النحّاس ولم يزل إلى أن انقضت الدولة الناصريّة.
المدرسة المُقَدَّميّة - أنشأها عزّ الدين عبد الملك المقدّم وكانت أحد الكنائس الأربع التي صيّرها القاضي أبو الحسن بن الخشّاب مساجد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأضاف إليها داراً كانت إلى جانبها وابتُدئ في عمارتها في سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وأوّل من درّس بها برهان الدين أبو العباّس أحمد بن عليّ الأصوليّ المقدّم ذكره. ثمّ وليها بعده السيّد الشريف الإمام العالم افتخار الدين عبد المطّلب بن الفضل الهاشميّ المقدّم ذكره في المدرسة الحلاّويّة ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. ووليها بعده ولده أبو المعالي الفضل ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. وتولاّها بعده شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاري ولم يزل بها إلى أن تُوفيّ. ووليها بعده افتخار الدين أبو المفاخر محمّد بن تاج الدين أبي الفتح يحيى بن القاضي أبي غانم محمّد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم ولم يزل بها مدرساً إلى أن قُتل عند استيلاء التتر على حلب.
المدرسة الجاوُليَّة - أوّل من درّس بها الشيخ الإمام العالم غلاء الدين أبو بكر بن مسعود أحمد أمير كاسان الكاسانيّ المقدّم ذكره ولم يزل بها مدرّساً إلى أن تُوفيّ. فوليها بعده الشيخ جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشيّ المقدّم ذكره إلى أن مات. فوليها بعده نجم الدين أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن خُشّنام الكرديّ الهكّاريّ المعروف بالحلبيّ ولم يزل بها مدرّساً إلى أن كانت فتنة التتر فقُتل فيها.
المدرسة الطُمانيّة - أنشأها الأميرُ حسام الدين طُمان النوريّ. أوّل من درّس بها السيّد الشريف افتخار الدين عبد المطلّب ثمّ أثر بها أبا حفص عمر بن حَفّاظ بن خليفة بن حَفَّاظ المعروف بابن العقّاد الحمويّ أحد طلبة علاء الدين الكاساني ثمّ سافر عنها فوليها شهاب الدين أحمد بن يوسف المقدّم ذكره ولم يزل بها إلى أن رحل إلى بغداد في سنة اثنتين وثلاثين وستّمائة فوليها بعده ضياء الدين محمد بن ضياء الدين عمر بن حفّاظ المعروف بالنحويّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي في سنة اثنتين وأربعين وستّمائة. فوليها بعده شمس الدين محمد الماردانيّ ثمّ رحل عنها فوليها الإمام الأجلّ نجم الدين عبد الرحمان بن إدريس بن حسن الخلاطيّ مولداً الحلبيّ منشأ وعليه انقضت الدولة الناصريّة.
المدرسة الحُساميّة - أنشأها الأمير حسام الدين محمود بن خُتْلو والي حلب كان. أوّل من درّس بها الشيخ بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن النحّاس الحلبيّ ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوفي سنة سبع وثلاثين وستّمائة فوليها بعده ولده محيي الدين محمد ولم يزل بها إلى انقضاء دولة الملك الناصر.
المدرسة الأسديّة تجاه القلعة - أنشأها بدر الدين الخادم عتيق أسد الدين شيركوه كانت داراً يسكنها فوقفها بعد موته. أوّل من درّس بها صائن الدين أيوب بن خليل بن كامل ولم يزل بها إلى أن تُوفي غُرّة شعبان من سنة ثلاث وخمسين وستّمائة فوليها بعده قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد ابن هبة الله بن أبي جرادة ولم يزل بها إلى أن تُوفي فوليها بعده الشيخ مجد الدين أبو محمد الحسن بن أحمد بن هبة الله بن أمين الدولة ولم يزل بها إلى أن قُتل في وقعة التتر عند أخذهم حلب.
المدرسة القليجيّة - أنشأها الأمير مجاهد الدين محمد بن شمس الدين محمود بن قِليج النوريّ وانتهت عمارتها سنة خمسين. وأوّل من درّس بها الشيخ مجد الدين الحسن المقدّم ذكره جامعاً بينها وبين المدرسة الأسديّة وعليه انقرضت الدولة الناصريّة.
المدرسة الفُطنيسيَّة - أنشأها سعد الدين مسعود بن الأمير عزّ الدين أيبك المعروف بفُطَيْس عتيق عزّ الدين فرُّخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب صاحب بعلبكّ كانت داراً يسكنها فوقها بعد عينه مدرسةً وتُوفي المذكور في سنة تسع وأربعين وستّمائة. أوّل من درّس بها أحمد بن محمد بن يحيى القراؤليّ الماردانيّ المعروف بالفصيح وعليه انقضت الدولة الناصريّة.
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع