من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
شقيف أرنون
بنته الفرنج. وهو مطل على جبل مطل على بيروت، وصيدا. طوله ثمان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة؛ وعرضه ثلاث وثلاثون درجة.
لم يتصل بعلمي فيما طالعته من الكتب من أمر هذا الحصن إلاَّ ما أنا ذاكره: وهو أن ضحاك بنّ جندل رئيس " وادي التيم " تغلَّب عليه، وأخذه من نواب الحافظ عبد المجيد صاحب مصر، يوم الجمعة لستّ بقين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فسار إليه شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بوري فتسلمه.
ولم يزلْ بيده أخيه شهاب الدّين من بعده إلى أن سلّمه لفلك ملك الفرنج، في سنة أربع وثلاثين. ولم يزل بأيدي الفرنج إلى أن فتحه الملك الناصر صلاحُ الدّين يوسف، في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمسمائة، فأقطعه الأمير عز الدّين سياروخ.
فلم يزل إلى أن تغير الناصر على عز الدين سياروخ، فأقطعه الأمير فخر الدّين أياس جركس، ثم استعاده الملك الناصر منه لما تغير عليه، ثم أعاده إليه لما رضي عنه. فلمَّا صار في يده حصنه، وزاد فيه أبرجة.
ولم يزل في يده إلى أن توفي في سنة ثمان وستمائة، فأقطعه الملك العادل ولده الملك المغيث عمر، ولم يزل في يده إلى أن تُفي ودفن بسفح " قاسيون " في تربة أخيه الملك المعظم شقيقه، حياة والده الملك العادل في سنة ست وستمائة. فصار إلى ولده من بعده الملك المغيث محمود.
ولم يزل بيده إلى أن توفي في المحرم من سنة ثلاثين على " حصن كيفا " فصار إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق، إذ ذاك، وبقي في يده، إلى أن تُوفي في المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، فصار إلى الملك الصالح إسماعيل.
وبقي في يده إلى أن أعطاه فيما أعطى من الحصون للفرنج في الهُدنة التي كانت سبباً لإبقاء دمشق في يده في أول سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
ولما أمر نائبه فيه بتسليمه للفرنج أبي وامتنع وقال: " والله، لا جعلته في صحيفتي ". فسار إليه وضربه حتى قتله، واستأصل ماله، وهو الحاج موسى، وكان أولاً مشارف مطبخ الملك الصالح، فقرب منه وكان واليّا للشقيف من قبله، وكان معه معتمد يقال له " الشهاب أحمد الشقيفي ".
فلمَّا علم من بالحصن أن الملك الصالح قد عزم على تسليمه للداوية، اجمعوا رأيهم على عدم تسليمه للفرنج، وعصوا به، وكاتبوا الملك الناصر داود ابن الملك المعظم صاحب الكرك، فسير عليهم من بعض أصحابه رجلا يقال له فخر الدين العيداني يصعد إلى القلعة، ونادوا بشعار الملك الناصر صاحب " الكرك ".
فلمّا تحقق الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل صاح دمشق إذ ذاك حميتهم للمسلمين، وانتصارهم للدّين خرج بعساكره، ونازل الحصن وضايقهم حتى أخذه. وطلبوا الأمان منه، وقالوا: " أنت أمَرْتنا أن نُسلمه إلى نُوَّابِ الداويّة، ونحن فما يحل لنا أن نسلمه للفرنج، ونحنُ نسلمه إليك، وأنت تفعل فيه ما تختار " فتسلمه الدَّاويةّ.
ولماّ تسلَّموه لم يزل بأيديهم إلى أن قصده مولانا السلطانُ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، فنزل عليه بعد أخذ " يافا " يوم الثلاثاء ثامن عشر شهر رجب سنة ست وستين وستمائة. ونصب عليه المجانيق.
واتّفق أن السلطان أتي بقاصدٍ من أهل " عكا " معه كتب إلى من بالحصن، يهوّنون عليهم أمر العسكر، ويُوصفهم بحفظ أماكن في الحصن يُخشى عليهم منها. فاستدعى السلطان من يكتب بالفرنجي، وأمره أن يكتب كتابا ذكر فيه أمارات هي في الكتاب الذي وقف عليه. وحذر الكمندور صاحب الحصن منْ وزيره، وكتاباً آخر إلى الوزير يحذره من الكمندور، وأوصل الكتابين إليهما بحيلة. فحين وقفا على كتابيهما وقع الخلف بينهما، والحصار مع ذلك ملازم لهم. وألجأهم الخلف إلى أن راسلوا، وقرروا معه تسليم الحصن، بشرط أن يبقى عليهم نفوسهم. فأجابهم إلى ذلك، وتسلم الحصن يوم الأحد تاسع عشري رجب، واصطنع الكمندور المذكور.
ورتب فيه عسكراً، ورحل عنه عاشر شعبان، وكانت عدة من " بالشقيف " أربعمائة وثمانين رجلاً واثنين وعشرين أخا من الداوية. وحملهم السلطان على الجمال إلى " صور "، وسير معهم من يحفظهم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع