من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
البيرة
في سنة سبع وثلاثين وطمعوا فيما عداها. وكثر إجحافهم بأطراف ضواحي قلعة جعبر، والملك الحافظ يداريهم ويبذل لهم الأموال، وهم مع ذلك لا ينفكون عن الفساد.
واتفق " أن " أصابه " فالجٌ "، وحصلت بينه وبين ولده تقي الدين مسعود وحشة خرج من أجلها تقي الدين إلى الخوارزمية، ومعه رجل يُقال له ابنُ قاضي نابلس وقصداهُم بحران وأطماعهم في قلعة جعبر وغيرها، وأوحيا إليهم أن أموال أهل بالس مودعة عند الملك الحافظ فسيَّروا إليه، وطلبوا منه المال وتوعدوه إن لم يعطه، فخاف، وأرسل إلى أخته الملكة بحلب، وطلب منها التعويض عن قلعة جعبر وبالس بما يعمل له مقدار ارتفاعهما فجرى ما ذكرناه.
وسيَّرت الأمير ناصح الدين أبا المعالي الفارسي فتسلم منه القلعة، وخرج الملك الحافظ فدخل حلب، فأُكرم وأُنزل في الدار المعروفة قديما بدار صاحب عين تاب.
واستمرت في مملكة الناصر صلاح الدين إلى أن استولى التترُ على البلاد، وتسلموها من الوالي بها يومئذ، وكان عماد الدين أحمد بن أبي القاسم بما فيها من غير حصار لها، وإنما عماد الدين سار إلى هولاكو وهو بحارم بمفاتيحها وهدية فأخربوها وحاضرها، ولم يُبقِ بها إلاّ مساكن، ثم نزح بعد ذلك من كان بها.
البيرة
قلعةٌ حصينةٌ على جبل مُشرف على الفرات، من شرقيها إلى الطول ما هيُّ، لها مما يلي الفرات حائطٌ ممتدٌ، ومما يلي البرِّ سورٌ وأبرجةٌ.
طولها: اثنتان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة.
وعرضها: سبعٌ وثلاثون درجة.
لم يتصل بعلمي شيء من أخبارها فيما طالعته من كتب التواريخ المصنفة في صدر الإسلام.
والذي أحطتُ به علما أن بغدوين نزل عليها في سنة سبع عشرة وخمسمائة وأخذ أهلها أسرى. ولم تزل يف أيدي الفرنج إلى سنة تسع وثلاثين.
وفيها: قصدها عماد الدين زنكي بنُ آق سنقر وحاصرها وضايقها وأشرف على أخذها، فبلغه قتلُ نائبه بالموصل فرحل عنها ضرورة، فوصل إليها حسامُ الدين تمرتاش بن نجم اليدن إيلغازي بن أُرتُق فأخذها وبقيت في يده إلى أن تسلمها منه نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي وأعطاها لشهاب الدين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق، ولم تزل في يده إلى أن توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
ووليها بعده فخر الدولة ياقوت أرسلان فقصده عسكر قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق وحصره. فكاتب صلاح الدين ودخل في طاعته. فسيَّر صلاح الدين إلى قطب الدين فرحّله عنه وبقيت البيرة في يد ياقوت إلى أن توفي. وتولى ولده شهاب الدين محمد ولم تزل بيده إلى أن تسلمها الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بسبب أنه زوَّج أخاه الملك الزاهر داود بابنة شهاب الدين وتُدعى: سُفْرى خاتون. وكانت له بنت أخرى تُدعى: إلْتي خاتون تزوجها الأمير عز الدين عزيز ابن الأمير سيف الدين علي بن علم الدين سليمان ابن جندر.
ولما ملكها الملك الزاهر استولى على عمق البيرة ونهر الجوز وكفر سود والأوشين.
وبقيت في يده إلى أن توفي في صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فتسلمها ابن أخيه الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر وسلمها إليه قبل موته. ولم تزل في يده إلى أن توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين فملكها ولده الملك الناصر وبقيت في يده إلى سنة ثمان وخمسين وستمائة. فاستولى عليها هولاكو - ملك التتر - بعد حصار شديد، وأمدٍ مديدٍ، وولى فيها من قِبله.
ولم تزل في يده إلى أن كسر الملك المظفر سيف الدين قطز التركي المعزي - صاحب مصر - التتر على عين جالوت في شهر رمضان من السنة. فسير إلى حلب نائبا عنه علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فتسلم البيرة وولى عليها من قبله أسد الدين - حاجب الأمير حسام الدين جو كان دار -. ولم يزل بها مستمرا إلى أن ملك علم الدين الحلبي دمشق وقبض السلطان الملك الظاهر عليه، واستدعاه إلى مصر تحت الحوطة. وولا " هـ " حلب، وسار إلى حلب فكاتبه على أن يُسلِّم إليه القلعة على مال استقر بينهما، فتسلم المال ولم يُسلم القلعة وبقيت في يده إلى أن استدعى شمس الدين أقوش البرلي من حران وسلمها إليه.
ولم تزل في يه إلى أن قصدها مولانا السلطان الملك الظاهر، ركن الدين بيبرس في سنة ستين فتسلمها، واستمرت في أيدي نوابه إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا التاريخ.
وقصتها التتر - خذلهم الله تعالى - وحاصروها ثلاثة دفوعٍ، يأتي ذكرها في تاريخنا المرتب على السنين، في سيرة السلطان الملك الظاهر - خلد الله ملكه -.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع