تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر ديار ربيعة من الجزيرة

وقصبة مدنها نصيبين. وهي مدينةٌ في مستو من الأرض. ومخرج مائها من " شعب يعرف " ببالوسا، وهو أنوه مكان بها، ثم يبسط في بساتينها ومزارعها. ويدخل إلى كثيرٍ من دورها.

وبها عقارب قاتلة. وبقربها جبل ماردين وارتفاعه نحو فرسخين، عليه قلعة تُعرف بالباز الأشهب من بناء بني حمدان.

طالعها الأسدُ والشمس.

صاحب ساعة بنائها القمر.

طولها خمسٌ وسبعون درجة وثلاثون دقيقة.

عرضها سبعٌ وثلاثون درجة.

بها: مشهد علي بن أبي طالب ﵇ وبها شجرة عُنّابٍ.

وبها: كفُّ عليٍّ ﵇ في مسجد باب الروم.

وبها: مسجد أبي هريرة في محلة الزاهية، وعلى بابه حجرٌ فيه خط باليوناني، قد جُرب اوجع الظهر.

وبها: مشهد زين العابدين ﵇.

وبها: مشهد الرأس في سوق النشابين.

يقالُ: إن رأس الحُسين ﵇ عُلّقَ به لما عبروا بالسبّي إلى الشام.

وبها: مشهد النُّقطة. يقال: إنه نقط من دم الرأس نقطةٌ هناك.

وبها: مسجد بني بكرة، وهو أول مسجد عُمر بها، وهو كان الجامع القديم.

وبها: مسجد النبي ﷺ عند الحضيرة.

وبها: مسجد باب سنجار، كان به مصحف عثمان ﵁.

وبها: قبلة باب الناصر من الشرق قبر جُبير بن إسحاق.

قال البلاذري: فتح عياض بن غنم نصيبين بعد قتال على مثل صلح الرُّها.

ولم يزل من يلي الجزيرة منذ فُتحت إلى أن تغلب عليها وعلى دار حمدان بن حمدون بن حارث بن لقمان بن راشد التغلبي وتحصن بقلعة ماردين، فخرج المعتضد إليه في سنة إحدى وثمانين. فهرب من القلعة وبقي فيها ولده. فلما وصل المعتضد إلى القلعة وقف ببابها وقال: يا بن حمدان! افتح الباب ففتحه، ودخل المعتضد إليها، وأمر بنقل ما فيها وهدمها.

ثم ظفر به بعد ذلك فحبسه ثم أطلقه، وأعاد عليه بلاده واصطنع ولده الحُسين.

ثم صارت نصيبين بعد إلى ما كانت عليه، في كونها في يد من يلي بلاد الجزيرة. ولم تزل كذلك إلى أن ولى المكتفي الحُسين بن حمدان ديار ربيعة سنة اثنتين وتسعين ومائتين.

" ولم يزل بها متوليا إلى أن خرج عن طاعة المقتدر فبعث إليه مؤنسا الخادم فظفر به وأدخله بغداد على جملٍ " وقيل: على فيل. وولى ديار ربيعة عثمان الغنوي وذلك في سنة ثلاث وثلاث مائة. ولم يزل واليا عليها إلى أن عزله في سنة سبع وثلاث متئة.

فوليها إبراهيم بن حمدان. ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ثمان وثلاثمائة.

فوليها داود بن حمدان، ولم يزل متوليا بها إلى أن عُزل عنها سنة ثمان عشرة.

ووليها ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء مع الموصل ولم تزل في يده إلى أن تغلب على ما في يده من البلاد في سنة سبع وعشرين فقصده الراضي وبجكم فكسراه.

وسار إلى آمد واستولى عليها، ولم تزل في يده إلى أن قبض عليه ولده أبو تغلب وحبسه بقلعة كواشى من أعمال الموصل في سنة ست وخمسين. وبقيت البلاد في يده إلى أن اختلف أولاد ناصر الدولة في سنة تسع وخمسين فقصد حمدان نصيبين فاستولى عليها، فبعث إليه أبو تغلب أخاه أبا الفوارس في جيش فهزمه وملك نصيبين فسار حمدان إلى سنجار فملكها، ولم يزل أبو الفوارس بنصيبين إلى أن استولى عليها عضد الدولة فيما استولى عليه من بلاد الجزيرة في سنة ثمان وستين وولى فيها من قِبله أبا الوفاء.

ولم تزل نصيبين في يد عضد الدولة إلى أن توفي في سنة سبعين وثلاث مئة. وملك صمصام الدولة فأقر فيها أبا الوفاء. ولم يزل بها إلى أن قصد نصيبين باد الكردي الحمُيدي - خال بني مروان - فاستولى عليها في سنة ثلاث وسبعين ثم ملك الموصل، فسيَّر إيله صمصام الدولة جيشا فطرده عن البلاد وولى في نصيبين سعدا ولم يزل بها إلى أن ملك بهاء الدولة في سنة تسع وسبعين فجمع أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين - ابنا ناصر الدولة -، وقصدا الموصل فأخذاها بعد حرب، وملكا ديار ربيعة، فسار إليهما باد الكردي فأوقع بهما، واستولى على ما استوليا عليه.

وأقطع لأبي ذوَّادٍ محمد بن المسيب نصيبين وجزيرة ابن عمر، وذلك في بقية سنة تسع وسبعين ليُساعده على الحروب. ولم تزل في يد أبي ذواد إلى أن توفي في سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، فوليها بعده أخوه أبو حسان، المقلد بن المسيب. وبقيت في يده إلى أن قتله غلام له في سنة إحدى وتسعين وتولى بعده أبو المُنيع قرواش، ولم تزل نصيبين في يده مع ما استولى عليه إلى أن أعطاها لأخيه بدران في سنة سبع عشرة فقصدها نصر الدولة بن مروان واستولى عليها سنة ثمان عشرة ولم تزل بيده إلى أن وقعت بينه وبين بدران بن المقلد حربتكافآ فيه وانفصل كل منهما عن صاحبه، ولم يظفر منه بشيء. فقصد بدران نصر الدولة وهو بميافارقين، وطلب منه نصيبين عوضا عن صداق عمته فأجابه إلى ذلك، فتسلمها، ولم يزل.

ووليها بعده ولده قريش ولم تزل بيده إلى أن قصدها. طُغرلبك في سنة تسع وأربعين.

ثم عاد منها، واستمر بها " قريش بن بدران إلى أن توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.

ووليها بعده ولده شرف الدولة مسلم بن قريش ولم تزل بيده إلى أن فتح سروج " وأخذها " من حسن ابن " منيع بن " وثاب النميري وعوضه عنها بنصيبين. ولم تزل في يده إلى أن قبض عليه وقتله في سنة خمس وسبعين وأربعمائة واستعاد نصيبين منه. ولم تزل بيده إلى قتل سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.

وملك أخوه مؤيد الدولة إبراهيم واستولى على ما كان بيده من البلاد. وبقيت في يده إلى أن قصد نصيبين تاج الدولة تتش في سنة خمس وثمانين وأربعمائة فنازلها وقاتل من فيها من نواب مؤيد الدولة حتى أخذها عنوة، ونهبها وقتل أكثر أهلها، فسار إليه إبراهيم في جموع جمعها، والتقى به في شهر ربيع الآخر على نهر الهرماس فكسرهم تاج الدولة. فلما رأى إبراهيم ذلك رجع إلى خيمته، فنزل وجلس على التخت حتى أتوه، فقتلوه عليه، واستولوا على عسكره.

وولي تاج الدولة نصيبين من قبله محمد بن شرف الدولة، ولم تزل في يده إلى أن قصدها كربوقا في سنة تسع وثمانين " فالتقاه على مرحلتين من نصيبين، فاستحلفه لنفسه فحلف له، وغدر به كربوقا بعد ذلك، وقبض عليه، وأتى نصيبين فامتنعت عليه، فحاصرها أربعين يوما ثم تسلمها وقتل محمد بن شرف الدولة ".

ولم تزل نصيبن في يده إلى أن توفي في سنة خمس وتسعين فقصد شمس الدولة حكرمش - صاحب جزيرة ابن عمر - فتسلمها، ولم تزل بيده إلى أن قصده قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش السلجوقي - صاحب الموصل - فأخذها منه في سنة خمسمائة، ولم تزل في يده إلى أن التقاه جاولي سقاقوه في بقية السنة، واقتتلا فقتل قليج أرسلان.

فصار نجم الدين إيلغازي بن أرتق إلى نصيبين فملكها في بقية السنة، وولى بها من قبله ولده. ولم يزل بها إلى أن استولى عليها مودود وعلى جميع بلاد الموصل في سنة اثنتين وخمسمائة. ولم تزل بيده إلى أن قتل في سنة سبع وخمسمائة.

وفيها: وصل السلطان محمد بن إصفهان إلى بغداد ورد أمر الموصل وأعمالها، ونصيبين إلى آق سنقر البرسقي وجعله أتابك عسكر ولده مسعود. واستمرت تحت نظره إلى أن استولى عليها نجم الدين إبلغازي في سنة اثنتي عشرة، ولم تزل في يده إلى استولى عليها آق سنقر البرسقي - صاحب الموصل - مرة ثانية في سنة خمس عشرة، ولم تزل في يده " إلى " أن قتل سنة عشرين فاستولى عليها حسام الدين تمرتاش وبقيت في يده إلى أن قصدها عماد الدين زنكي في " سنة " إحدى وعشرين، ولم تزل بيد نوابه إلى أن قتل في سنة إحدى وأربعين فاستولى على ما كان بيده من البلاد الجزرية ولده سيف الدين غازي، ولم تزل في يده إلى أن توفي بالموصل سنة أربع وأربعين.

واستولى قطب الدين مودود على ما كان بيده من البلاد، ثم مات في سنة خمس وستين.

وولي ولده الصغير سيف الدين غازي بعهد منه ووصية، فلم تزل نصيبين بيده إلى أن صار إليه نور الدين وأخذها منه. وعوضه عنها بالموصل في سنة " ست و " ستين وخمسمائة ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي في شوال سنة تسع وستين. ولما توفي قصدها سيف الدين غازي - صاحب الموصل - في عسكره فملكها. ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي في سنة ست وسبعين.

وتولى أخوه عز الدين مسعود ولم تزل في يده إلى أن عبر صلاح الدين الفرات في سنة ثمان وسبعين وسار إلى نصيبين فملكها، وأقطعها لأبي الهيجاء السمين ثم استرجعها منه، وأقطعها محمد بن مروان.

فلما ملك الناصر حلب من عماد الدين زنكي ابن قطب الدين مودود عوضه عنها سنجار ونصيبين، وسروج والخابور والرقة.

ولم تزل نصيبين بيد عماد الدين إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين.

وملك بعده ولده قطب الدين سنجار ونصيبين فسار ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود إلى نصيبين فأخذها بعد حصار وقتال شديد في جمادى الأولى من السنة. ثم استرجعها بمساعدة الملك العادل في شهر رمضان من السنة. ولم تزل في يد قطب الدين إلى أن قصدها نور الدين أرسلان شاه بجموعٍ كثيرةٍ، فملكها في سنة ستمائة. ثم أخذها قطب الدين بمساعدة الملك العادل له مرة ثانية. ولم تزل في يده إلى أن قصد الملك العادل قطب الدين في سنجار سنة ستٍ وستمائة فحاصره وضايقه إلى أن صالحه على نصيبين والخابور واتفقا على ذلك.

ولم تزل في يد الملك العادل إلى أن مات، واستولى عليها الملك الأشرف، ولم تزل في يده إلى أن توفي في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة. فقصدها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فأخذها، ولم تزل في يده إلى أن توفي والده في رجب سنة خمس وثلاثين " ثم " قصده، وهو بسنجار بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فنازله وحاصره، واستولى على نصيبين فبعث الملك الصالح إلى الخوارزمية ولده الملك المُغيث وبدر الدين - قاضي سنجار -. وكانوا في ديار مضر وأرغبهم في البلاد، ووعدهم بها إن هُم رحّلوا عنه بدر الدين فساروا إلى نصيبين فملكوها، واستولوا عليها. ورحّلوا بدر الدين عن سنجار. وسنذكر هذه الوقائع على ما وقعت، مبينة واضحة في تاريخنا الذي جعلناه ذيلا لتاريخ ابن الأثير.

ولم تزل البلاد التي استولوا عليها في أيديهم إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب حلب - في سنة ثمان وثلاثين واستولى على ما كان بأيديهم. فسار بدر الدين إلى

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.