من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
دارا
ونصيبين وولى فيهما، فاسترجع منه نصيبين وأبقى عليه دارا، وبقيت في يد نوابه إلى أن التجأت الخوارزمية إلى شهاب الدين غازي، فوصل بهم إلى نصيبين فأخذوها وولى فيها، فسار إليه عسكر الملك الناصر، ومقدمه صاحب حمص، فكسروه واستولوا على نصيبين مرة ثانية. وأقطع بعضها لصاحب الموصل وما زال باقيها في يده، إلى أن انضافت الخوارزمية إلى صاحب ماردين، فخرج عسكر حلب مقدمه الملك المعظم وجمال الدولة، وقصد دُنيسر في بقية سنة أربعين وضايقوها إلى أن وقع الاتفاق على أن أعطوا رأس العين لصاحب ماردين وأعطوا نصيبين للخوارزمية. ولم تزل في ايديهم إلى أن هربوا من التتار لما قصدوا بلاد الروم وأخلوا البلاد، وقصدوا الساحل.
فأقطع الملك الناصر صلاح الدين نصيبين لصاحب ماردين ولصاحب الموصل وللملك المعظم ابن الملك الصالح - صاحب حصن كيفا - وولي عليها من قِبله. ولم تزل في يده إلى أن قصدت التتر ميافارقين فوصل شهاب الدين غازي إلى نصيبين هاربا بين أيديهم. ثم رحلوا عنها في سنة اثنتين وأربعين وعاد شهاب الدين إلى ميافارقين فسار إلى نصيبين صاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازي في سنة ثلاث وأربعين واستولى عليها، وبقيت يف يده إلى أن وصل الشيخ نجم الدين الباذرائي - رسول الديوان العزيز المستعصمي - وأصلح بين صاحب الموصل وصاحب ماردين على أن تكون نصيبين على القاعدة التي قررها الملك الناصر - صاحب حلب - في سنة خمس وأربعين.
ثم نقض بدر الدين لؤلؤ هذه القاعدة، وصد نصيبين واستولى عليها، وأزج عسكر صاحب ماردين، وذلك في سنة ست وأربعين فخرج الملك المعظم من حلب في عسكر واجتمع بصاحب ماردين وكسروا بدر الدين في سابع شهر ربيع الآخر من السنة، وتسلموا نصيبين من علم الدين قيصر الموصلي.
وكان بدر الدين قد بنى قلعتها، وله بها خزانةٌ، وولى فيها من قِبل الملك الناصر، وأقطع من ضياعها لصاحب ماردين سبعين قرية.
وبقيت في يد الملك الناصر إلى أن استشفع بدر الدين بالخليفة المستعصم إلى الملك الناصر في نصيبين، فنزل له عنها، ورتب عليه مالا يحمله في كل سنة، وأقطع صاحب ماردين عوضا عن سهمه الذي كان له في قراها ماكسين والمجدل وقرى من الخابور، وبقيت في يد بدر الدين إلى أن قصدها الملك السعيد - صاحب ماردين - فملكها في سنة إحدى وخمسين وبقيت في يده إلى أن وصل الشيخ الباذرائي - رسول الديوان العزيز - مع الصاحب كمال الدين ابن العديم، وأصلح بين صاحب الموصل وصاحب ماردين على أن تكون لصاحب الموصل فتسلمها في سنة ثلاث وخمسين واستمرت في يده إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة. وبقيت من بعده في يد ولده الملك الصالح إسماعيل مع الموصل إلى أن استولت التتر على البلاد الشامية في سنة ثمان وخمسين. فهرب الملك الصالح من الموصل وقصد باب السلطان الملك الظاهر في سنة تسع وخمسين. فولت التتر في بلاده نوابا. ولم تزل نصيبين في أيديهم إلى سنة إحدى وستين، فضمنها منهم الملك المظفر قرا أرسلان ابن الملك السعيد غازي - صاحب ماردين - واستولى عليها، وفي يده إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
دارا
قال ابن حوقل: " وهي مدينة، كانت، طيبة في نفسها " وإنما تغيرت في أيام بني حمدان، وكانت مضافة إلى نصيبين " - هنا انتهى كلامه -.
بناها دارا بن دارا - آخر ملوك الطبقة الثانية من الفرس -، وهو الذي قتله الإسكندر، وكان ملكه أربع عشرة سنة.
طولها: خمس وسبعون درجة، وخمس عشرة دقيقة.
عرضها: سبع وثلاثون درجة، وعشر دقائق.
طالعها: برج الميزان.
صاحب ساعة بنائها المشتري.
لم تزل تنتقل في أيدي من يلي ديار ربيعة إلى أن انفردت نصيبين بنفسها، فصارت مضافة إليها في الولاية، إلى أن قتل كربوقا محمد بن شرف الدولة لما أخذ منه نصيبين فلما مات كربوقا في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ملك شمس الدولة جكرمش نصيبين، وملك سقمان بن أرتق دارا وحصن كيفا ولم تزل في يده إلى أن ملكها من بني أرتق عماد الدين - ابن عم الملك الصالح - صاحب آمد.
فلما قصد الملك المعظم مظفر الدين - صاحب إربل - حصار الموصل في سنة ست عشرة وستمائة، وجاءه الملك الأشرف إلى الموصل ومعه ملوك الشرق لنجدة عسكر الموصل وكان " من " جملة الملوك، الملك الصالح - صاحب آمد -.
فشكا للملك الأشرف من سوء مجاورة ابن عمه عماد الدين في دارا فقال له: لاأدخل بينكما.
فقبض عليه وأخذ منه دارا في سنة سبع عشرة. واستمرت في ملكه إلى أن توفي في سنة تسع عشرة وانتقلت مملكته إلى ولده اللمك المسعود، فأخذ الملك الأشرف دارا لكونها مجاورة لصيبين وأعطاها لملوكه عز الدين أيبك المعروف بصاحب دارا واستمرت في ولايته إلى أن قتله الخوارزمية في خلاط وكان بها نائبا عن الملك الأشرف عندما أخذوها في سنة سبع وعشرين. ووليها ولده صلاح الدين محمد، وبقي فيها إلى أن توفي الملك الأشرف سنة خمس وثلاثين وستمائة. فصارت إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فاستولت عليها الخوارزمية عندما تغلبوا على البلاد التي كانت يف يده من أرض الجزيرة. ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدهم عسكر الملك الناصر - صاحب حلب - في صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فكسروه، واسروا مقدم جيشه الملك المعظم فخر الدين توران شاه وجماعة من أمرائه. ثم التقاهم العسكر مرة أخرى في بقية السنة فكسرهم واستولى على ما كان بأيديهم من بلاد الجزيرة وتغلبوا، فقصد بدر الدين لؤل صاحب الموصل دارا وفيها الملك المعظم محبوس، فحاصرها، ونصب عليها المجانيق، وسير إلى الملك المعظم يسأله أن يتوسط بينه وبين نواب صاحبها دونلك، وشرط على نفسه ألا يعدل بدارا عنه إذا أخذها، فتوسط بينهما إلى أن تسلمها، وولى فيها، واخذ معه الملك المعظم إلى سنجار فأرغد عليه في الإنام والإكرام. ثم سأله أن يُنعم عليه بدارا فأجابه. ثم سار إلى الملك الناصر واستنجز له توقيعا بها. واستمرت في يده إلى أن اتفق " بدر الدين " لؤلؤ مع الملك الصالح نجم الدين أيوب - صاحب مصر - في سنة ستٍ وأربعين.
وقصد دُنيسر و
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع