من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ملك عماد الدين زنكي جزيرة ابن عمر
" ولما سار عماد الدين زنكي إلى جزيرة ابن عمر وبها مماليك البرسقي امتنعوا عليه، فحصرهم وراسلهم وبذلت لهم البذول الكثيرة إن سلموا فلم يجيبوه إلى ذلك. فجد في قتالهم وبينه وبين البلد دجلة. فأمر الناس فإلقاء أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد ففعلوا وعبر بعضهم سباحة، وبعضهم في السفن، وبعضهم في الأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة، وكانوا قد خرجوا عن الجزيرة إلى أرض بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة ليمنعوا من يريد عبور دجلة. فلما عبر العسكر إليهم قاتلوه ومانعوه، فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم، فانهزم أهل البلد على الزلاقة فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا ووهنوا، وأيقنوا أن البلد يملك سلمان أو عنوة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وهو أيضا مع عسكره بالزلاقة فسلموا البلد إليه، فدخله هو وعسكره. ثم إن دجلة زادت في تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت بأسوار البلد وصارت الزلاقة التي كان عماد الدين نازلا بها مملوءة ماء، فلو أقام إلى اليوم الثاني لهلك هو وعسكره، ولم يسلم منهم أحد. فلما رأى أهل البلد وغيرهم ذلك أيقنوا بسعادته، وعلموا أن أمرا هذا بدايته لعظيم.
ولم تزل بيده إلى أن قتل على قلعة جعبر سنة إحدى وأربعين لخمس مضين من شهر ربيع الآخر. وملك ولده سيف الدين غازي الموصل والجزيرة، فأقطع جزيرة ابن عمر لأبي بكر الدبيسي. ولم تزل بيد أبي بكر الدبيسي إلى أن توفي سيف الدين غازي بن زنكي - صاحب الموصل - في سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وولي قطب الدين مودود الموصل، وعجز عن خلاص جزيرة ابن عمر من أبي بكر الدبيسي.
ولم تزل في يد أبي بكر الدبيسي إلى أن توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ولم يخلف ولدا، فاستولى عليها مملوك له يسمى أغلبك وأطاعه جندها، فسار إليها ثلاثة أشهر قطب الدين مودود - صاحب الموصل - وحصرها ثلاثة أشهر، ثم تسلمها من أغلبك في صفر سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وعوضه عنها إقطاعا.
ولم يزل قطب الدين مالكا لجزيرة ابن عمر إلى أن توفي وملك ابنه سيف الدين غازي.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع