من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر حمايته ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها
قال ابن الأثير في تاريخه: " حدثني والدي ﵁ قال: كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين، كما عملتم، فلما كان قبل موته بيسير، أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمر بمساحة جميع بساتين العقيمة وهي قرية تحاذي الجزيرة بينهما دجلة ولها بساتين كثيرة، بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء معلوم، " بعضها عليه " وبعضها " خارج " مطلق ما عليه شيء. وكان لي فيها ملك كثير، فكنت أقول: المصلحة ألا تغبر على الناس شيئا، وما كنت أقول ذلك إلا نظرا لي لأجل ملكي، وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس للدولة. فجاءني كتاب النائب: أنه لا بد من المساحة. قال: فأظهرت الأمر وكان بها قوم صالحون، وكان لي بهم أنس، وبيننا مودة فجاءني الناس كلهم، وأولئك معهم يطلبون المراجعة، فجاءني منهم رجلان، أعرف صلاحهما وطلبا مني المخاطبة ثانيا، ففعلت، " فأصروا على المساحة، فعرفتهما الحال. قال: فما مضى إلا عدة أيام " وإذا قد جاءني الرجلان، فلما رأيتهما ظننت أنهما جاءا يطلبان المعاودة، فعجبت منهما، وأخذت أعتذر إليهما، فقالا: ما جئنا إليك في هذا وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قد قضيت " قال ": فظننت أنهما قد أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما. فقلت: من الذي تحدث لكما في هذا بالموصل؟ فقالا: إن حاجتنا قد قضيت من السماء ولكافة أهل العقيمة " قال ": فظننت أن هذا مما قد حدثا به نفوسهما ثم قاما " عني " وخرجا. قال: فلم تمض غير عشرة أيام وإذا قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون فيه بإطلاق " المساجين والمحبوسين " والمساحة والمكوس ويأمرون بالصدقة. و " يقال ": إن السلطان قطب الدين مريض مرضا شديدا. ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته، فعجبت من قولهما، واعتقدته كرامة لهما، فصار والدي بعد ذلك كثيرا ما يزورهما، ويكثر إكرامهما واحترامهما ".
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع