من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ميافارقين
قال الشرقي بن القطامي: " ميا " اسم الأودية، و " فارقين " اسم امرأة بنتها، فكأنهم قالوا: " أودية فارقين ".
ونقلت من بعض التواريخ أنه كان موضعها أجمة وشوكا. وكان الربض قرية عظيمة.
" وبها بيعة من عهد المسيح ﵇ منها حائط باقٍ إلى الآن.
وكان رئيس هذه الديار رجلا يُسمى " ليوطا ". وكان مقدما مكرما، وكان حاكما على هذه الولاية. وتزوج بنت رئيس هذا الجبل الذي فيه الآن السناسنة. وكانت تُسمى مريم فأقامت معه وأولدت له ثلاثة أولاد ذكور، فحصل ولدان منهم في خدمة الملك ثيودوسيسوس الصغير اليوناني، وبقي الابن الصغير في هذه الديار عند أبيه. وكان اسمه مروثا، واشتغل اليوم بالعلوم والحكمة. فلما مات أبوه جلس مكانه وارتفع شأنه، وسكن البيعة التي بالقرية، وآتاه الله من العلوم والزهد ما لم يؤت غيره، وهو من جملة الثلاث مائة وثمانية عشر الذين كانوا بعد الحواريين. وكانت همته مصروفة إلى عمارة الأديرة والبيع.
وكان ملك الروم برومية الكبرى - وهي دار ملكه - وكان بينه وبين سابوربن أردشير، العاشر من ملوك الفرس عداوة عظيمة. فكانت الفرس تشن الغارات من أرزن على هذه الديار إلى آمد. وما وراءها، وتسبي أهلها وتقتل الرهبان.
وكان الملك ثيودوسيوس تزوج بامرأة من أهل الرها تسمى هيلانة - وخبرها مشهور عند النصرانية - فأولدها ولدا سماه: قسطنطين وهو: قسطنطين الأكبر. فبقي مدة ومات. وملكت هيلانة الملك بعده، وكبر قسطنطين وبلغ مبلغ الرجال، وملك موضع أبيه، وبقي برومية الكبرى مدة، ثم بنى القسطنطينية فلما أتمها سكنها، وتديرها الناس فصارت دار ملك الروم.
وكان مروثا مقيما بهذه الخطة التي هي الآن ميافارقين، وكان صاحب ماشية من غنم وبقر وغيرهما. وكانت همته مصروفة إلى عمارة الأديرة - كما ذكرنا - بحيث يقال: إنه قل أن يكون دير قديم إلا وهو من إنشائه.
فكانت الفرس في غارتها على هذه الديار تأخذ ماشيته فيما تأخذ منها فعمد إلى أرض ميافارقين، فقطع منها الشوك والقصب والطراش، وجعله سياجا ودوارا للغنم، تبيت به ليلا، خوفا من السراق.
فاتفق أنه كانت لملك الفرس ابنة فائقة الجمال، وكانت عنده بمنزلة عظيمة، فعرض لها مرض من الجنون، فجمع الأطباء والكهنة فعالجوها فلم تبرأ من ذلك المرض، فضاق صدره لذلك، فاستشار أهل مملكته ووزراءه في أمرها فأشاروا عليه بالإنفاذ إلى قسطنطين - ملك الروم - بأن يتقدم إلى مروثا بالحضور إليك ومعالجتها.
فنفذ إلى ملك الروم رسولا، ومعه هدايا وتحف عظيمة، فنفذ الملك إلى مروثا، وأمره بالمسير إليه. فسار مع الرسول إلى أن وصل إلى الملك سابور، ودخل على ابنته وعالجها أياما فبرئت مما كانت فيه. ففرح الملك فرحا عظيما، وقال لمروثا: تمن علي!! فقال: أريد الصلح والهدنة بينك وبين الملك قسطنطين، وتكون المودة بينكما دائمة، فأجابه إلى ذلك، وكتب بينهما عهدا لا ينقض مدة حياتهما.
فلما عزم على المسير، سأله الملك: هل لك حاجة؟ فقال: مالي حاجة. ولكني أسألك جمع عظام الرهبان والشهداء الذين قتلوهم أصحابك في بلادنا، وحملها معي إلى موضعي. فأمر له بذلك. وطيف بتلك الديار وجمع ما بها من عظام من قتله الفرس، وحملها معه إلى مقرة، ودفنها في موضعه.
ثم إنه سار إلى قسطنطين وأعلمه بحال الهدنة والصلح. ففرح بذلك فرحا عظيما، وقال له: تمن علي ما أردت! فقال: مالي حاجة في الدنيا، ولكني أسألك أن أبني في موضعي دوارا للغنم، وبيعة داخل الدوار. وأريد منك المعونة على ذلك. فكتب الملك له إلى هذه الديار بإطلاق يده فيما يريد.
فأتى إلى هذه الخطة وقطع الحجر، وحرق الآجر، وبنى البيعة في رأس التل، وأحاط بها سورا ضعيفا. ثم استأذن الملك في بناء بنية تحصنه من العدو فأذن له. فبنى البرج المعروف ببرج الملك. وبنى به بيعة وكتب اسم الملك عليها. فوشي به إلى الملك وقيل: إنه قد بنى بنية عظيمة، وربما خرج عن الطاعة!! فسير الملك ثقاته، وأمرهم أنهم أن وجدوا اسم الملك مكتوبا على ما عمره " فأبقوا على ما عمر " وإلا فاهدموا ما عمره.
فلما وصلوا وعاينوا البيعة وعليها اسم الملك عادوا إليه وأخبروه بذلك. فتقدم الملك إلى وزرائه بإفراد ارتفاع البلاد من قاطع القسطنطينية إلى آخر ولاية نصيبين. وجباية الأموال وحملها إلى مروثا وأمره بإتمام المدينة. فجمع الصناع، وأدار السور، وأكمل العمارة، وسميت ميافارقين، وتفسيره بالعربي: مدينة الشهداء، لعظام الشهداء المنقولة إليها وهي إلى يومنا هذا لم تؤخذ بالسيف عنوة.
وآمد إلى جانبها أقوى منها وأحصن، وقد أخذت بالسيف مرارا.
ثم إن هيلانة شرعت في بناء البيعة الكبيرة، وهي أول بيعة بنيت لأن الصليب مصور بالمذبح، وذلك يعمل في أول بيعة تبنى.
وتقدم الملك إلى وزرائه الثلاثة ببناء أبرجة: فبنى أحدهم برج الرومية، والبيعة بالعقبة.
- وبنى الآخر برج الزاوية ويعرف ببرج علي بن وهب، وبيعة كانت تحت التل وهي الآن خراب وأثرها باق مقابل حمام النجارين -.
- وبنى الثالث برج باب الربض والبيعة المدورة.
وعمل بها من الطلمسات مالا يوسف.
وجعل لها ثمانية أبواب: -: باب أرزن ويعرف بباب الجنائز.
-: وباب قلوفح وهو بين برجي الطبالين.
ويسمى: باب المرآة. لأنه كان عليه مرآة في أعلاه بين البرجين، فكانت إذا طلعت الشمس يرد شعاعها الجبل من فرسخ. وأثر المرأة باق إلى الآن، وبعض الضبات الحديد باقية بين الأحجار.
- " وباب الشهوة وهو من برج الملك.
-: وباب مقابل باب أرزن - نصبا - ويعرف: بباب الجبل.
-: وباب بالربض أيضا بين البرجين.
-: وباب الفرج والغم، وصورتا الفرج والغم منقوشتان في الحجر، مما يلي القبلة، من ركن الباب صورة الفرج رجل يصفق بيديه، وصورة الغم رجل قائم على رأسه صخرة.
فما عُلم أنه بات بمياقارقين أحد مغموما ولا مهموما إلا النادر من الناس، بخلاف آمد فإن الغريب بها من العصر يأخذه الغمُّ وينزل عليه الحزن، ويسمى هذا باب القصر العتيق الذي بناه بنو حمدان.
-: وباب في أسفل العقبة، عند مخرج الماء.
-: وباب فتحه سيف الدولة يعرف بباب الميدان.
وفي من هذه الأبواب، على ما شاهدت عند قدومي عليها أربعة: -: باب المُحدثة - وهو قبليها -.
-: والباب الجديد - عند القصر -.
-: وباب الربض.
-: وباب آخر يفتح من القصر - شمالي البلد -.
-: وآخران مسدودان.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع