تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر ملك تاج الدولة تتش ميافارقين وآمد

ووصل تاج الدولة تتش نصيبين " ثم إنه فتحها " سيفا، وقتل بها خلقا عظيما، ونهب وسبى ما لم يجرِ على الكفار مثله. وسار والجماعة معه إلى آمد وملكها بعد حصار شديد وبقي أياما، وسار إلى ميافارقين. وكان معه خلق عظيم فراسل أهل البلد وخوَّفهم مما جرى على أهل نصيبين.

ثم ركب السلطان، ونزل من الرابية، وقصد برج علي بن وهب، فحين رآه الناس صاحوا بأسرهم وسلم البلد إليه، فدخله من يومه وهو.. من ربيع الأول سنة ست وثمانين وأربعمائة.

وخرج الأمير منصور من باب الهوة ودخل مخيم الأمير الحاجب والوزير أبي النجم. وكانت مدة ولايته " الأخيرة " خمسة أشهر.

واستقر السلطان بميافارقين وأحسن إلى أهلها وأسقط عنهم الأعشار والمؤن والكلف، وحصل الناس معه في أهنأ عيش. ونفذ إلى الكافي ابن جهير والوزير أبي طاهر بن الأنباري ليستوزرهما أو أحدهما. فسبق الكافي فاستورزه، ووصل بعده الوزير أبو طاهر بأيام، ففاتته الوزارة، فسلم إليه ميافارقين ورتبه بها، ورتب بالقصر مملوكا له يسمى طغتكين وسار بجمع العساكر، وأقام بحران لتكتمل العساكر فيمضي إلى بك ياروق بصافُّه.

وكان ابن أسد لما ملك السلطان " ميافارقين " انهزم وانهزم واختفى ببعض البلاد مدة. ثم قصد السلطان وامتدحه بقصيدة يقول فيها بيتا - الفأل موكل بالمنطق - وهو:

واسْتَحْلَبَتْ حَلَبٌ جَفْ، نيَّ فانهملاوَبشّرَتْني بِحَرِّ الشّوْقِ حَرَّانُ!!

فأُعجب السلطان بشعره، فقيل له: أيعرف مولانا السلطان من هذا؟ فقال: لا! قال: هذا ابن أسد الذي أحضر ناصر الدولة بن مروان وملكه ميافارقين فأمر بضرب عنقه بحران فقيل:

وبشرتني بحر القتل حران

كان الوزير أبو طاهر ابن الأنباري مقيما بميافارقين فلما قتل ابن أسد استشعر وخرج من ميافارقين وقصد الهتاخ في رابع عشر ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وأربع مائة، فدخلها وأقام بها، وكان معه ولداه أبو القاسم، وأبو سعد، وابن أخيه محمد.

وكان أخوه السديد أبو الغنائم تخلف بميافارقين فقبض عليه طغتكين. وأقام الوزير بالهتاخ مدة فبلغ السلطان ذلك فنفذ يتوعده، فخرج من الهتاخ وقصد خرت برت وكانت لابن جبق فأقام عند أُخت جبق. فنفذ السلطان إلى أخت جبق وقال: تسلميه إليَّ وإلا ضربت عنق ابن أخيك - وكان معه في العسكر - فسلمته وولده الأكبر أبا القاسم وبقي عندها ولده أبو سعد، وابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقالت: هؤلاء ما جنوا ولا أساءوا!! فلما وصل الوزير وولده إلى السلطان ضرب رقابهما بسميساط في جمادى الآخرة، من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وحملت الرؤوس إلى ميافارقين وأُخرج أخوه السديد أبو الغنائم يوم الخميس غرة رجب، فجاءه رجل بسطل فيه ماء وقال له: اشرب فقال: أنا صائم، ولا ألقى الله تعالى إلا صائما فضُربت رقبته، وطيف برأسه مع الرؤوس في المدينة. ثم دفنت الجثة والرؤوس في المقابر التي يدفن فيها القتلى. وبقي النور ينزل على قبره أياما.

وخرج ولده أبو سعد وولد أخيه من خرت برت وسارا إلى بغداد وأقاما هناك.

وخدم أبو عبد الله للمستظهر ولُقب بسديد الدولة - لقب أبيه - ونفذ في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من حمل الجثة والرؤوس إلى بغداد فدفنهم هناك في مشهد كان بناه لهم بباب التبن، عند موسى ابن جعفر ﵉ وبقي في خدمة المستظهر إلى سنة سبع وخمس مائة وولي ديوان الإنشاء، ولُقب بمؤيد الدين وندب إلى وزارة المسترشد والمقتفي فلم يجب.

وكانت له المنزلة العالية والمكانة الرفيعة عند الخلفاء.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.