من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
الجميع بلور
ثم اخرج حُقّا من ذهب، وأخرج منه قطنا كان فيه، وأخرج منه سبحة لها شعاع كشعاع الشمس، أضاء منها الموضع كانت لنصر الدولة، وكانت مائة وأربعين حبة لؤلؤ - الحبة منها مثقال فصاعدا - وفي وسطها الجبل - الياقوت الأحمر - الذي حمله الملك العزيز ابن بويه. وفيها عشر قصبات زمرد، القصبة كالإصبع، فقال الوزير: هذه كانت سبب خراب بيت مروان.
فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: لما مات نصر الدولة بلغ السلطان أنه خلف أموالا وآلات عظيمة لا توصف، وخلف سبحة، من حالها كذا وكذا، وخلف سيفا أخذه من موسك يقدّ به البعير.
فنفذ السلطان، وخلف سُبحة، من ألب أرسلان وطلب السبحة والسيف من نظام الدين، ولده فنفذ غيره، وسُبحة غيرها لها قيمة، وحلف أن السبحة لم تظهر.
فلما ولي الأمير منصور نفذ السلطان ملكشاه إليه وطلب السبحة والسيف، فحلف أنه ما رآهما، ولم تسمح نفسه بهما، ولم يُنفذ له هدية تساوي دينارا واحدا.
واتفق وصول الرسول، وأنا حاضر عند خواجا، فوجدت الفرصة، واستمعَ مني الكلام، فجهزتُ العساكر وأتيتُ، فقيل له: فكم قيمتها؟ فقال: كان قد حصل بعضها قديما، وحصَّلت أنا في أيام وزارتي خمسا وأربعين حبة وبعض الجواهر، بمقدار خمسة وستين ألف دينار، وحسبت جملة مشتراها، فكان - غير الجبل الياقوت - مائتين وخمسة عشر ألف دينار. وأعطى الملك العزيز عن الجبل الياقوت عشرة آلاف دينار. فحملت إلى بغداد إلى عميد الدولة.
وقيل: إن فخر الدولة بن جهير حمل من ذخائر بني مروان غير ما أخذه أبو سالم الطبيب وأودعه ألفي ألف دينار، عينا، سوى الآنية، والآلات، والأعلاق، من ذهب وفضة وجوهر، وأودع بديار بكر شيئا كثيرا.
وأقام فخر الدولة بالبلاد سنتين، ونفذ السلطان يستدعيه، فهمَّ بالعصيان. ثم أفكر أن ذلك لا يتم له لكون ولده عميد الدولة ببغداد فسار إلى بغداد وترك ولده زعيم الدولة بميافارقين على جميع ديار بكر فلما وصل رفع عليه ما أخذه من بيت بني مروان فغني به خواجا.
فرسم السلطان بديار بكر للعميد قوام الملك أبي علي البلخي فوُلي ديار بكر وسار إليها، فدخلها في سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. فسار بالناس سيرة حسنة.
كان يجلس كل يوم بكرة للتدريس إلى ضحى النهار، ثم ينتقل فينظر في أحوال الرعية إلى العصر.
وشُبّهت أيامه بأيام نظام الدين في العدل وحسن السيرة، وأمن البلاد والطرق.
فسمع ليلة ناقوسا وقت السحر فقال: ما هذا؟ فقيل: دير عباد على رأس الجبل، فلما أصبح جمع الناس، وقال: يُضرب على رؤوس المسلمين بالناقوس، فإذا نحن بالقسطنطينية؟!. ثم نهض إليه وأمره بقلع المذبح، وعمل المحراب، واتخذه مسجدا وسُمي مسجد الفتح.
واجتمع النصارى وبذلوا خمسين ألف دينار، فلم يُقبل منهم، وبقي على " حاله مسجدا ".
ويُقال: إن الوزير فخر الدولة بن جهير هو الذي عمله مسجدا، فبذل له ثلاثون ألف دينار، فأعاده ديرا، ثم إن العميد أعاده مسجدا، وعمل صحنه محرابا ومُصلىَّ.
وكان العميد ولىَّ أرزن رجلا من أهل بُست فظلم الناس وعسفهم. وكان الناس يريدون بيت جهير فمضى جماعة منهم إلى عند السلطان، وتظلموا منه، فحضر المقابلة، وعوَّل السلطان على رده إلى ديار بكر، فحضر القاضي أبو بكر بن صدقة وابن زيدان والقاضي أبو القاسم ابن نباتة، وابن موسك والأمير أبو الهيجاء، وبنو غالب وتألموا منه، فوقع السلطان بديار بكر للوزير زعيم الدولة بن أبي طاهر بن الأنباري. وكان السديد ابن الأنباري أخو الوزير أبي طاهر ابن الأنباري الذي اعتُقل عند توجه فخر الدولة وطلب منه أخاه فادَّعى موته، وجرى بينهما شرحٌ يطول ذكره.
ثم أنفذ واستحضره من عند ياقوت الخادم من حصن كيفا، ومضى إلى دركاه السلطان وأقام بها إلى أن عُزل العميد أبو علي، وتوصل إلى أن كتب له التوقيع بديار بكرن وبقي معه تسعة أيام.
ثم اتفق أن عميد الدولة ابن جهير عزل عن الوزارة للمقتدي بأمر الله، فحضر دركاه السلطان وضمن ديار بكر ثلاث سنين بألف ألف دينار، فأُعطيها.
وتقدم السلطان إلى أهل ديار بكر بالمسير صحبته، ورسم له بعشرة آلاف دينار، تُنفق في أكابر أهل ديار بكر، منها للفارقية خاصة أربعة آلاف دينار. والباقي لسائر أهل ديرا بكر. فاجتمع أهل البلد وقالوا: هذه يأخذها الرؤساء ولا يصح لنا شيء، ونحن نسأل من السلطان إطلاق الغريب والبلدي، وهو ما يدخل من البساتين والكروم والكور من الفاكهة والخضر وغيرهما، وكذلك الفم والحطب ليشترك في هذه الإنعام الغني والفقير، فأُسقط عنهم، واستمر. وباقي البلاد أخذوا ما أطلق لهم، أخذه الأكابر منهم، ولم يُسقط عنهم شيء.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع