من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر ملك نجم الدين ألبي بن السعيد حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن سكمان
بن أرتق ميافارقين
لما مات السعيد حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بماردين ملكها بعده ولده نجم الدين إلبي. ثم سيّر من يومه سعد الدولة ألتونتاش إلى ميافارقين، فوصلها وصبَّحها صبيحة نهار الجمعة، وجاء إلى باب المدينة، فدخل وقصد باب القصر ليُستأذن له. ثم صعد خلف الداخل يستأذن له إلى بُرج الملك. ودخل الرجل إلى ينال وسعد الدولة خلفه، فقام إليه ولقّبه، وأصرف مَنْ عنده، وأعلمه بالحال، وبموت الأمير، وأن الملك بعده ولده نجم الدين. فنفذ وأحضر أكابر الأمراء، والقاضي، وقرَّر الحال، ونزل الخطيب، وخطب بالناس، ودعا لنجم الدين ولم يكن عند أكثر الناس خبرٌ من ذلك. ولم تنفسخ على نجم الدين حالٌ، وملك جميع ولاية أبيه، ولم يختلف عليه أحدٌ من اخوته ولا غيرهم، ولم يعصَ عليه موضعٌ، وراسل جميع الجوانب واستحلفهم، وراسلوه وعزُّوه في أبيه.
وأظهر نجم الدين العدل والإحسان، ولقي الناس منه خيرا كثيرا، وسار بهم أحسن سيرة، ولم يُرَ ملكٌ أعفُّ منه عن أموال الرعية وحرمهم إلى أن مات في تاريخ لم يحقق.
وولي بعده قطب الدين إيل غازي ثم مات.
" وملك بعده ولده حسام الدين يولق، وهو طفلٌ، فقام بتربيته وتدبير ملكه نظام الدين ألبقش - مملوك أبيه -. وكان شاه أرمن - صاحب خلاط خالَ قطب الدين - فحكم في دولته بعد موته، وهو رتّب ألبقش مع ولده.
وكان ألبقش ديِّنا خيِّرا عادلا، حسن السِّيرة، حليما، فأحسن تربية الولد، وتزوج أمه. فلما كبر الولد لم يُمكِّنه النِّظام أُلبقش من مملكته لهوج كان فيه.
وكان للنِّظام مملوك اسمه لؤلؤ قد تحكّم في دولته، فكان يحملُ النظام على ما يفعله مع الولد، ولم يزل كذلك إلى أن مات الولدُ.
وكان له أخٌ صغيرٌ، لقبه قطب الدين، واسمه أرسلان، فرتَّبه النِّظام مكان أخيه في الملك، وليس له منه إلا الاسم، والحكم للنِّظام وللؤلؤ، فبقي كذلك إلى سنة إحدى وست مائة. فمرض نِظام الدين أَلبقش فأتاه قطب الدين يعوده. فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤٌ فضربه قطب الدين بالسكين فقتله، ثم دخل إلى النظام، وبيده السكين، فقتله أيضا، وخرج وحده، ومعه خادمٌ له وألقى الرأسين إلى الأجناد، وكانوا كلهم قد أنشأهم النِّظام ولؤلؤٌ، فأذعنوا له بالطاعة. فلما تمكّن أخرج من أراد، وترك من أراد، واستولى على ماردين، والبارعيّة، والصّور وأعمالها ". ولم يزل إلى أن تُوفي في سنة ثمانين وخمسمائة.
وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إذا ذاك مقيما بحماة، عازما على قصد الموصل، فلما وصل إلى حلب خرج أخوه الملك العادل من حلب لتلقيه، ثم تواترت عليه كتب مظفر الدين كوكُبُري - صاحب إربل - تحُثُه على قصد الموصل. فعبر صلاح الدين الفُرات وقبض على مظفر الدين كوكبري، وكان إذ ذاك صاحب حرّان وسروج وسميساط، ثم رضي عنه وأطلقه، وأعاد إليه بلاده.
وتقسم فكر صلاح " الدين " بين قصد خِلاط والموصل فرجحوا جماعةٌ صفد خِلاط فسار إليها، فوصل إلى ميافارقين فوصله كتابٌ من ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه يستأذنه في الوصول إليه، فأذِن له، فأتاه وقال له: الرأي أن نبتدئ بحصار ميافارقين وفتْحها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع