من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
ذكر الجنابذ وقتل الصليحي
هي ثلاث قباب مبنيات بالآجر المحكوك والجص قريب بعضها من بعض يكون ما بين كل واحد إلى الآخر مقدار أربعة أذرع، بناه الأمير علي بن محمد الصليحي. وأراد أن يبني من زبيد إلى مكة في كل مرحلة من المراحل مسجدا ورباطا يذكر به بعد موته ولا زال يبني إلى أن وصل المهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها بئر أم الديهم وبئر خيمة أم معبد. قال سعيد الأحول بن نجاح: لمّا دخلنا إلى المخيم لم يشعر بنا إلا عبد الله بن محمد فركب وقال: يا مولاي أركب فهذا والله الأحول بن نجاح والعدد الذي جاء به كتاب اسعد بن شهاب البارحة من زبيد. فقال الصليحي لأخيه عبد الله: إني لا أموت إلا ببئر أم الدهيم وخيمة أم معبد، ظانا أنها أم معبد التي نزل بها النبي (حين هاجر ومعه أبو بكر. فقال رجل لعلي: قاتل عن نفسك فهذه والله بئر أم الديهم بن عبس وهذا المسجد هو خيمة أم معبد بنت الحارث العبسي. قال جياش: فأما الصليحي فأدركه رفق اليأس من الحياة فأراق الماء في سراويله ولم يرم من مكانه حتى قطعنا رأسه بسيفه وكنت أول من طعنه وشركني فيه عبد الملك بن نجاح بطعنة وأنا جزرت رأسه بيدي ونصبته في عود المظلة. وفيه العثماني يقول:
ما كان أقبح وجهه في ظلهاما كان أحسن رأسه في عوده
ودخل سعيد إلى زبيد يوم السادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. وقتل سعيد الأحول في وقعة حصن الشعرين سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. فلما زالت دولة بني لصليحي والحبشة وملك مملكتهم علي بن المهدي وتولى بعده بنو مهدي عبد الله ومعاذ وعبد النبي فبنوا لعبي ضريحا فكانوا يقولون لعساكرهم المهاجرين والأنصار ويقولون: طوفوا حول تربة الشيخ علي بن المهدي كما تطوفون بروضة النبي (. وقالت العامة: جبل قوارير عفات والجنابذ الكعبة والبئر بئر زمزم وهذه التربة روضة محمد (. ويقال إنّ سيف الدولة أخذ من الجنابذ ملا عظيما، والآن يسكن فيه قوم من الفقراء من ذرية الشيخ محمد بن أبي بكر بن أبي الباطل الصيرفي وقد أدار حول الجنابذ بدر الدين محمود بن جماز الفلاح المصلي حائطا مربعا. وقد بنى جمال الدين أبو الحسين علي بن محمد بن وهيب درجا يصعد فيها إلى فوق القباب بحماره. فكان أهل زبيد يقولون إذا رأوه على ذلك: محمد قد ركب البراق وصعد إلى أعلى عليين، وكان آخرون يقولون ركب عيسى حماره. ويقال لمّا بنيت مساجد وقيل تربة بعض أهله وكتب داخل القباب بالذهب واللازورد ونقش في الجص نقشا يبقى ببقاء العالم على هذا الوضع. قال ابن المجاور: وصلت إلى المسجد في أواخر ذي الحجة سنة ست وعشرين وستمائة. وشاهدت مقتل الصليحي وكان قد بنى على أكمة كانت بالقرب منه مسجد يسمى مسجد عرفات ولم يبق من المسجد ألا رسوم وأطلال. وجميع تلك الأراضي التي هي حول المسجد ملك القاضي إبراهيم بن صالح الحاكم بالمهجم. وهذه صفة مدينة زبيد والله سبحانه أعلم وأحكم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع