من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
بناء زبيد
حدثني عبد الرحمن بن أحمد بن الراحي قال: كان في أرض زبيد عقدة طرفاء وأراك وكان حول العقدة قصور وقرى جماعة إحداها المتانة والنفير من غربي البلد مدينتين عظيمتين ومن جملة عظمهما أنه كان يخرج منهما في كل ليلة جمعة وخميس خمسمائة رقيص لزيارة الصالحين. وجنيجر شرقي البلد بناه دقيانوس. وواسط ما بين الغرب واليمن فكان يخرج من هذه البلد كل يوم ستمائة فارس يتلاقون في أرض زبيد التي هي الآن عامرة فبقوا على حالهم زمانا طويلا إلى أن مل بعضهم بعضا. وخرج مشايخ القوم إلى العراق في دولة الإمام أمير المؤمنين الأمين بن هارون الرشيد وعرفوه حالهم وخبرهم وقالوا له: نحن قوم من الأشاعر وجميعنا بنو عم ويجري بيننا قتال. فقال الأمين: من منكم الكبير؟ فأشاروا إلى رجل. قال: ومن بعده؟ فأشاروا إلى آخر. ولا زال يسألهم ويخبروه حتى عدد القوم خمسة جماعة. فولى الشيخ الكبير عليهم وقال للحاضرين: إذا مات هذا فيتولى من بعده الثاني وإذا تولى الثاني ثم مات فيتولى الثالث وإذا مات فلتولى الرابع فإذا مات الرابع فليتولى الخامس، وعقد للشيخ على أصحابه وبني عمه. وخرج القوم من مدين السلام بغداد راجعين فمات الشيخ الذي عقد له الأمين البيعة وتولى بعده الثاني فمات ثم تولى الثالث فمات فتولى الرابع فلما قرب من البلد مات الرابع فأبى الخامس أن يتولى فعزل نفسه خوفا من الموت فولاها رجلا من بني عمه، فلما دخل البلاد جباها وأنفذ بمال من خرج البلد إلى مدينة السلام. فلما كان ما كان من قصة الأمين وقتله وتولي المأمون الخلافة عصى الرجل المتولي في اليمن وتغلب على البلاد وقطعها وصار يرفع الدخل إلى خزانته. فلما كان سنة تسع وتسعين ومائة أتى إلى المأمون بقوم فيهم رجل من ولد عبيد الله بن زياد فانتسب أحدهم فقال اسمه محمد بن فلان بن عبيد الله ابن زياد إلى عبيد الله بن زياد وانتسب منهم رجل إلى سليمان بن هشام ابن عبد الملك، ومن هذا الرجل الوزير جلف بن أبي الطاهر وزير جياش ابن نجاح. فقال المأمون لهذا الأموي: إنّ الإمام أبو جعفر المنصور عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ضرب عنق سليمان بن هشام وولديه في يوم واحد. فقال الأموي: أنا من ولده الأصغر سليمان ومنا قوم بالبصرة. وأنتسب رجل إلى تغلب واسمه محمد بن هارون فبكى المأمون وقال: أني لي بمحمد بن هارون؟ يعني وافق اسمه اسم أخيه محمد الأمين بن هارون الرشيد. فقال المأمون: أما الأمويان فيقتلان وأما التغلبي فيعفى عنه رعاية لاسمه واسم أبيه. قال ابن زياد: وما أكذب الناس يا أمير المؤمنين يزعمون أنك حليم كثير العفو متورع عن سفك الدماء بغير حق، فإن كنت تقتلنا بذنب فلم ننزع يداً من الطاعة ولم نفارق في بيعتك رأي الجماعة، وإن كنت تقتلنا يا أمير المؤمنين بجنايات بني أمية فيكم فالله تعالى يقول (ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أُخرى.) فاحتسب المأمون كلامه فعفى عنهم جميعا وكانوا اكثر من مائة رجل. ثم أضافهم إلى أبي العباس الفضل بن سهيل ذي الرئاستين ويقال إلى أخيه الحسن بن سهل.
فلما بويع لإبراهيم بن المهدي ببغداد في المحرم سنة اثنتين ومائتين وافق ذلك ورود علم اليمن بخروج الأشاعر عن الطاعة، فأثنى الحسن بن سهل على محمد بن زياد وعلى المرواني وعلى التغلبي عند المأمون وإنهم من اعيان الرجال وأفراد الكفاءة وأشار بتسييرهم إلى اليمن يعني أن ابن زياد يكون أميرا وابن هشام وزيرا والتغلبي حاكما مفتيا. فمن ولد التغلبي محمد بن هارون قضاة زبيد وهم بنو أبي عقامة، ولم يزل الحكم فيهم يتوارث حتى أزالهم علي بن المهدي حين أزال دولة الحبشة. فخرج الجيش الذي جهزه المأمون إلى بغداد لمحاربة إبراهيم بن المهدي. وحج ابن زياد ومن معه سنة ثلاث ومائتين وسار إلى اليمن وفتح تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب وإختط زبيد في شعبان سنة أربع ومائتين، وفي هذا التاريخ مات الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي بمصر. وحج من اليمن جعفر مولى ابن زياد بمال وهدايا سنة خمس وسافر إلى العراق فصار المأمون بها فعاد جعفر هذا في سنة ست إلى زبيد ومعه ألف فارس من مسودة خراسان وسبعمائة فارس. فعظم أمر ابن زياد وملك إقليم اليمن بأسره الجبال والتهائم وتقلد جعفر هذا أمر الجبال وأختط بها مدينة المذيخرة وهي ذات أنهار، والبلاد التي كانت لجعفر تسمى إلى الآن مخلف جعفر. وكان جعفر هذا أحد الكفاة الدهات وبه تمت دولة ابن زياد، وهذا الذي أشترط على العرب بتهامة أن لا يركبوا الخيل. وملك ابن زياد حضرموت وديار كندة والشحر والمرباط وأبين ولحج وعدن والتهائم إلى حلى، وملك من الجبال الجند وأعماله ومخالف جعفر ومخالف المعافر وصنعاء وصعدة ونجران وبيحان. وواصل ابن زياد الخطبة لبني العباس وحمل الأموال والهدايا السنية هو وأولاده من بعده وهم أبراهيم بن محمد هذا الذي هو الملك وأقام في الملك بعده زياد بن إبراهيم فلم تطل مدته ثم ملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم وطالت مدته، فلما أسن وبلغ الثمانين في الملك تشعب عليه من دولته بعضها فممن أظهر ما يكره ملك صنعاء وهو من أولاد التبابعة من حمير واسمه يوسف بن أسعد بن يعفر ولكنه كان يخطب لأبي الجيش ولأبنيه وكانت ترفع أموال هذا أسعد بن يعفر لا تزيد على أربعمائة ألف دينار في السنة يصرف بعضها في المروءة ولقاصديه. وأما صاحب بيجان ونجران وجرش فهم أيضاً بأن يخرج من طاعة ابن زياد وهم صاحب صعدة فثار بها الشريف الحسني المعروف بالرسي.
ويقال في رواية أخرى: إنّ أمير المؤمنين محمد الأمين ولى محمد بن زياد بن محمود بن منصور اليمن فجاء محمد بن زياد إلى أرض الخصيب فوجد قوما يقتتلون في كل يوم إلى ضحوة نهار ويفترقون فدخل بينهم وأصلح بينه. وبنى قصرا على باب غلافقة وآثاره إلى الآن باقية فسكن فيه وأشترى ألف عبد. ويقال بل جاء بعساكر عظيمة من العراق وقال لهم: إذا دخل القوم للضيافة فالسيف عليهم! ونادى في مشايخ البلاد وكبار القبائل من الأشاعر وقدم لهم طعاما قد أحضر. فلما أشتغلوا بالأكل والتناول لبست العبيد وركبوا السيف من حضر فلم ينج منهم أحد، وركب على من كان حولهم من العربان من أهل القرى والعمارات. ولا زال على حاله إلى أن رجعت الخلق تستجير به من كان في طاعته كان يترك على رأسه أثر وهو قلنسوة من خوص النخل على هذا الوضع: " رسم ص " يعني لحرث الأرض فحرثت الخلق وعمر المكان وبقى الأثر والمهار سُنَةً إلى الآن. حدثني أحمد بن سعيد بن عمرو بن عويل قال حدثني شيخ كبير قد ناطح عمره المائة قال حدثني أبي عن جدي قال: إني كنت أرعى البقر عند مسجد الأشاعرة وبها عقدة شجر وغدير ماء. ويقال لمّا تعدى ابن زياد مكة صار كل منزل ينزله يأخذ تراب أرضه ويشمه ويبني في ذلك المنزل قرية، ولا زال على حاله إلى أن قدم أرض الحُصيب فأخذ من أرضه كف تراب فشمه وقال لأهل الدولة: أقيموا بنا هاهنا! قالوا: ولم؟ قال: لأن هذه الأرض أرض نزه زبدة هذه البلاد. قالوا: وبم صح عندك ذلك؟ قال: لأنها طيبة بين واديين يعني وادي زبيد ووادي رمع. فلما سكن المكان بناه مدينة سماها زبيد إلا أنها الزبدة على ما جرى في اليوم الأول.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع