من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
ذكر بيع النخل
غرس أبو القسم ويعقوب ولدي قونفر هذا النخل ونشأ النخل وصار له صيت. فسمع بخبره أتابك سنقر فقال للعمال: حيفوا عليهم العدد واظلموهم في خراجه. فلما فعل العمال بهم ذلك استغاثوا مما جرى عليهم من العمال. فقال لهم اتابك سنقر: بيعوني وأريحوا أنفسكم من ظلمة! فقالوا له: اشتر منا على وجه الجرد. فقال لهم: أبعتموني كل نخلة منه بدرهم؟ فقالوا قد بعناك. فقال لمن حضر: أشهدوا على إني اشتريت منهم. وأمر بعد النخل فصح عده الفي عود، فأعطاهم خمسمائة دينار. والنخل قطعتين تسمى إحداها الفازة والثانية القبة. فلما قبضه الأمير ندما على ما صنعا استقالوا منه فأبى أن يقيلهم، فلما رأى أحدهم عين الغين حمل على الأمير فطعنه على قلبه فمات. وبقي النخل سلطاني إلى الآن ولن تحل نخلة إلا من بعده، وليس في جميع هذه الأعمال أحسن من هذا النخل ولا أصح من غرسه ونشوة. ويقال إنما ظلم سيف الدين سنقر إلا أصحاب المملاح بعدن وأصحاب هذا النخل من دون الخلق. وإلى الخوهة نصف فرسخ. وبها مسجد مربع بناه الحسين بن سلامة وفي صحن المسجد صخرة وطئة تافة معاذ بن جبل ﵁. وفي المسجد سر عظيم: إذا كان في القرية خوف رموا أهل القرية ما كان معهم من المتاع والأثاث في المسجد وتنجوا بأرواحهم فإذا دخل أهل الشر إلى المسجد لم يؤخذ من المتاع شيء ويعمي الله تعالى أبصارهم، ويقال إنّ المسجد يغيب عن أعين الناس. فإذا نام به رجل لم يكن طاهر السبب برى روحه يرمي به عند البئر ظاهر المسجد. ويؤخذ منها مكس عن كل حمل السدس مع جبا صنابيق الصيادين كل شهر سبعين ديناراً. وإلى موشح فرسخ، قرية ذات نخل شامخات. وإلى الحيلة فرسخين بين رمال وحصى وأشجار، وبها يعمل القلا وهو الحطم ومنه يجلب إلى سائر أقاليم اليمن. ويكون فيها الصبايا الملاح والنساء الصباح وفيهن ذات فسق وفيهن ذات صلاح يكتمن العشق المباح، قال:
أمحسن في واحجهوفي نواحي أمجدون
وفي الحيلة أكثرهلكنهم يعجلون
وسألت أهلها عمن بناها فقالوا: لم نعلم بل إن جدونا كانوا قوم بدو دخلوا هذه القرية فوجدوها خالية من السكان فلما استطابوا بها سكنوها فتوطنوها. وإلى موزع ثلاث فراسخ، وهي أرض مهلهل وكليب وبها كانت حرب البسوس.
وكانت فيما تقدم من الأيام هذه الأعمال أعمال بني مجيد بنوا بها القليعة، فخربت القليعة لاختلاف أهلها وسكن بعدهم جماعة من أهل جزيرة فرسان في أواخر أيام سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وبقيت في أيديهم إلى الآن. ويؤخذ بها مكس من حمل كل حمل نصف ربع وثغر بين الربده وبين مرمان والمسالمية والاسجار والنحاحسة والفرنملة. وإلى العمرية ثلاث فراسخ. حفرتين في وادي واشتهر هذا الوادي بهذا الاسم على ما ذكره غزي بن أبي بكر الحجازي إنّ امرأة جاءت بهذا الوادي تسمى عمرية فأصابها عطش شديد فصعدت إلى ذروه هذا الجبل على إثر سيل السيل من فضل الغيوث فحسبته ماءً، فلما وصلته أيست فماتت من شدة العطش، فعرف الوادي والجبل بهذا الاسم يعني اسم عمرية. وحفرت بئر بعد الموت وسميت البئر باسم الجبل. كما قال:
تحريت في امرئ لذائبأدير وجوة الرأي فيه ولم ادر
أاعزم عزم الناس والصبر دونهأم أقنع بالأعراض والنظر الشزر
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلةولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبر مغلوبا وإني لموجعكما صبر العطشان في بلد الفقر
وقال روبة النكبي:
كذرى بيش من نكاه كنم سوى رخسار تو ربوده دلي
همجو در دشت كربلا سوى آب نكه تشنكي حسين علي
تفسير هذين البيتين باللغة العربية يقول: تمر بي وأنا انظر إلى وجهك وأنا مسلوب الفؤاد كما كان ينظر الحسين لن علي في كربلا من عطشه إلى الماء. وإلى عبرة ثلاث فراسخ. بئر حفرت في بطن وادٍ مشرف على البحر المالح، وما سميت بهذا الاسم إلا إنّ ماءها يشابه عبرة الإنسان في الصفا، ويقال بل عبرة تعبرها القوافل. وكان السبب على ما حكي غزي بن أبي بكر الحجازي إنّه أهلها كانوا جبابرة ومن جملة جبرهم إنّه إذا ضاق على أحدهم الرزق من وجوه الشقا والكد لم يستحسن يطلب من أحد. ولا يبذل ماء وجهه إلى أحد فكان يحفر حفرة كبيرة يدخل فيها هو ومن معه ويموتون يموتوا جميعاً لئلا يعلم بحالهم عدو ويفرح أو صديق يهتم، كما قيل:
وكم قد رأينا من فتى متجملايروح ويغدو ليس يملك درهما
يراعي نجوم الليل مما يصيبهويصبح يلتقي ضاحكا متبسما
ولا يسأل الأخوان ما في يديهمولو مات جوعا عفة وتكرما
وقبور القوم باقية في ما بين كل قبر منها مقدار دار عظيم، فسميت العبرة (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ولم يتحقق عند أبن مجاور انهم كانوا مسلمين أو غيرهم من أهل بعض الأديان. وبقي آثار الخسف يحدثني بدوي من أهل البلاد بهذا المنزل سنة تسع عشرة وستمائة: إنّه جاز بهذه البئر رجل غريب فسألني عن جبل الحيالة ونجوان والناجية فأنبأه عن الثلاثة الجبال فقلت له: ما شأنك تسأل عن هذه الجبال؟ قال: إني قرأت في بعض الكتب أن ما ينجوه في آخر العهد إلا من سكن هذه الثلاثة الجبال. فقلت له: فأي الجبال هم؟ فقال: نجوان وهو جبل بني عليه حصن عزان والجبلين الآخرين بقربه والله اعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع