من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
صفة زبيد
سماها النبي (أرض الحصيب لأن النبي (قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ إذا وصلت إلى الحصيب فهرول فإن بها نساء يشبهن حور العين. قال الهيتي:
وقل لجناتها سأبدلهاسيلاً كسيل مأرب عرما
أشرب الخمر في ربا عدنوالسمر والبيض في الحصيب ظما
وله أيضاً:
ولرب يوم بالحصيب وردتهابالقطب كان على الأعاجم أكرها
وعواصف بحصيبة عصفت علىحبشانها وعلى الدعى الوهوه
ولابن المجاور:
محب ومحبوب قضى الدهر فيهماببعد وهل للشمل جمع مهذب
فها ذاك في أرض الحجاز موسوسوهذاك في أرض الحصيب معذب
وتسمى أرضها تهامة وإما تهامة فأنها قطعة من اليمن وهي جبال مشتبكة. وكلها مشرف على بحر القلزم مما يلي غربيها، وشرقيها بناحية صعدة وحرض ونجران، وشمالها حدود مكة، وجنوبها من صنعاء على نحو عشرة مراحل. وتسمى في عدن الشام وتسمى في المهاجم اليمن وتسمى عند آل عمران كوش وتسمى باللغة المعروفة زبيد. من إقليم اليمن لأنها أيمن القبلة. وقال النبي (: " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن "، والمعنى في قوله لأويس القرني وكان يتنفس شوقاً إلى النبي (ولهذا أخبر النبي (بهذا الخبر. وقال النبي (: " الكعبة يمانية والركن الأيمن يماني والأيمان يماني "، وذكر النبي (في معنى اليمن أخباره كثيرة. ويقال سهيل اليمن وجزع اليمن وعقيق اليمن. وقال الشاعر:
بعدت ورب العرش عمن تحبههواك عراقي وأنت يماني
وقال آخر:
قالت لأخت لها تبدى مراجعةًوما أرادت بها إلا لتقتلني
بالله قولي له غير متعبةماذا أردت بطول المكث في اليمن
وقال آخر:
وما غريب وإنّ أبدى تجلدهإلا سيذكر بعد الغربة الوطنا
إلا العراقي والمصري فأنهمالا يرجعان إذا ما شارفا اليمنا
وقال قيس بن الملوح العامري:
ألا لا أحب النسر إلا مصاعداولا البرق إلا إنّ يكون يمانيا
وقال أبن مجاور:
كرا من بر أين فمي نبتسمجرا ديد أم جون بحر عدن
آه أبن آدم بسوزد هرجه هستوآه وا وليلى مخ اردأن سمن
وللحسام الكرماني:
كفتم: رخ توجست؟ كل سرخ يا ياسمين؟
كفتا: كلبست ريخته بر بركك ياسمين
كفتم: به شكر أس؟؟ ت لبان يا عقيق؟
كفتا: به شكر است وعقيقي نه ازيمن
تفسير هذا الشعر الفارسي الذي للحسام الكرماني باللغة العربية. قلت له: وجهك الورد أو الياسمين؟ فقال: هو الورد المنثور على ورق الياسمين. قلت له: شفاهك السكر أو العقيق؟ فقال: هو السكر والعقيق لا العقيق الذي في اليمن. أي المكان الذي يسمى عقيق اليمن.
ولابن الرجا:
زان عارض جون أتش وآن خط جو نسرينخوانند بهارى بهمة انجمن اورا
أين بار عجب تركي بجهره جو بهارستوأنكاه برخساره سهيل يمن اورا
وتفسير هذا البيتين باللغة العربية. من ذلك الخد الناري النسريني يدعى الروض في كل محفل، واعجب من ذا أن خده أن خده كالروض ووجنته كسهيل اليماني.
وظاهر هذه البلد حار وباطنها بارد يابس وجوها مضر بالزعفران لأنه يسوس في أيام قلائل، والأصح أن الزعفران يرجع يابس من ذاته إذا فتح راس الكيس طار اليابس في الجو وهو الزعفران والجسد لا يزال يحول إلى أن يرجع تراب تارب. وماء البلد من الآبار. وأهلها سمر كحل كواسج ضعاف التركيب محلقين الرؤوس. وكذلك جميع المغرب والإسكندرية وأهل مكة والحبشة والبجاة لم يحلق المرء رأسه حتى يقتل إنسانا ونساء الزنجبار والجوار الزنوج وأهل خوارزم وشعشعين وبلغار واللاب وجميع هؤلاء القضاة منهم والصوفية والعامة كبعض الحجاج كما قال الله ﷿ (محلقينَ رءوسكم ومقصرينَ)، والأطفال واليهود وحجاج الهنود وجميع أعمال اليمن من أهل الجبال والتهائم. ونساؤهم خلقات وهن رخوات التكك وفي كلامهم كثر غنج وهذا دليل على إنّ شهوة نسائهم أغلب من شهوة رجالهم، فلذلك يستعملون الطيب لأنه يهيج الباء. وقال مكحول الشامي: عليكم بالطيب فإنه من طاب ريحه زاد عقله ومن نظف ثوبه قل همه. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت تاجرا لمّا اخترت على الطر شيئا إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. ونساء أهل هذه البلاد لم يأخذوا من أزواجهن المهر وأخذ المهر عندهم عيب عظيم، وكل امرأة تأخذ المهر من زوجها يسمونها مفروكة أي إنّ زوجها أعطاها مهرها وفركها أي طلقها. فإذا رجع الأمر إلى ذلك تقل رغبة الرجال فيها لن الزوج الآتي يقول: أخاف أن تأخذ مني المهر كما أخذت من غيري. وقد لا يكون للرجل طاعة في أداء المهر وتقول النسوة فيما بينهم: إنّ ما قدر زوجها يخرجها من عنده إلا بمهرها لقلة رغبته فيها فيركبها العار. فإذا أراد رجل يتزوج امرأة يجون نساء الحافة بلا مخافة إلى المرأة ويقولون لها: أفركي زوجك قبل أن يفركك أي هبي له المهر وأخرجي قبل أن يزن المهر ويخرج. ويفعلون الطرح في الأفراح والأعراس على ما تقدم ذكره في صفة مكة. فإذا أعطت المرأة في عرس رد إليها في عرس مثله، وإن كان في ختان رد في ختان، وإن كان في الولادة رد في الولادة، ولم ترد الشيء إلا في الوجه الذي كان منه وفيه بعينه. وحدثني أحمد بن مسعود قال: ولم تفسد المرأة في اليمن إلا من جهة الطرح. قالت: ولم ذاك؟ قال: لأنه يكون للنساء عليها سلف ولم يكن معها ما تقضي به الذي عليها فتخرج على وجهها إلى عبر طريق فتهيم فتحتاج فتكتب لهم إلى أن يحصل لها شيء فترد مال الناس الذي عليها. وليس يقبل منها يمين ولا شاهد إلا قول المرأة على المرة مصدق. ويخضب الرجال أيديهم وأرجلهم. وطبيخهم الملوخية ومأكلهم الدخن والذرة ويعمل منه الخفوش والكبان واللحوح والفطير، يأكلوه باللبن والسمك ويسمونه الملتح، والجبن والموز والقند والحليب. وليس لهم حديث سوى الأكل، يقول زيد لعمرو: ما تصبحت اليوم؟ يقوا: فطير دخن وقطيب، أو: ملتح وسليط ويقول مضر لجعفر: ما تعوفت؟ يقول: رغيف خبز بر بفلس وقطعة حلاوة بأربعة فلوس، فصار المبلغ ستة فلوس! ويقول خالد لزيد: إني أكلت اليوم أكلة تكفيني ثلاثة أيام فطير وحليب وقند شرقي وترفت إلى أن شبعت. وفي ذلك أنشد علي بن أبي السنوي يقول:
قلت يوما لرئم ذات إعجابوذات صدر رحيب ذات أكعاب
وذات قدٍ رشيق كالقضيب إذاما ماد من فوق دعص الرمل رياب
وقد أشارت بكف وهي معرضةوأقبلت مثل ظبي بين أسراب
تريد مني وصالا قلت يا سكنىرفقا عليّ فإن الجوع أزرى بي
جذي الثريد إذا ما جئت مقبلةنحوي ولا تأخذي مسكا وأطيابِ
وأستعملي من فطير الدخن مع لبنٍوصابحيني به صبحا على البابِ
فإن قلبي إلى حب الفطير صباوليس قلبي إلى حب النسا صابي
وفواكههم البطيخ والموز والعنب، والبطيخ يسمونه البرطيخ، والقثاء والخيار. ويأكلون بطيخ الدباء مشوي في التنور. وينادى عليه: دباء حب حب، كثير الماء قليل الحب. ومشمومهم البعيثران وهو الشيح الأبيض وثمر الحناء وهو الحنون. قال أبي المجاور: وأول ما شممته بمولتان وذلك أن الملى عز الدين شمس الملك ملك التجار يحيى بن اسعد البلدي ناواني ثلاث أو أربع طاقات وما كنت قبل ذلك رأيته ولا شممته فقال لي: ما هذا؟ فقالت له: ثمر الحناء. قال: وبم عرفته؟ قلت: لثلاثة وجوه: للونه ورائحته وبرودته. وقد تقدم ذكره. وأول ما رأيته في الديبول سنة ثمان عشرة وستمائة وخاصيته أنه إذا كان مع زيد شمه عمرو. والبنفسج لم تعبق رائحته إلى مع الرجال. ولم تعبق روائح البرم إلا مع النساء والحباق وهو الريحان ويسمى وردة الحماحم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع