من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)
ذكر النخل
أوّل من غرس النخل الأمير علي بن محمد الصليحي، ويقال الحبشة في أوّل دولة على بن المهدي. لمّا حضروا الحبشة وصلت غير من أرض الحجاز حملهم التمر فكانوا يأكلون التمر ويرمون النوى فمن نداوة الأرض طلع النخل، فلما رأت أهل البلاد ذلك وعرفوا غرسه وغرسوه وكثر النخل. وهو عشر قطع: الأبيض والكديحا والمجرشية والمحلة والأثيل والمجاز وكروة المحجر والقهيرا والمغارس وحجنة وكل واحدة من هذه القطع يكون عرضها وطولها ربع فرسخ. وإما الرطب الذي بها فثلاثة أصناف: حماري وصفاري وخضاري كلها ذات ألوان مختلفة. فإذا حمل النخل يتقبل كل واحد من الناس على قدره ويجيء إليه الناس من باب حرض إلى آخر أعمال أبين وينزل أهل الجبال إلى تهامة. وكم من امرأة تطلق من جهة النخل وكم تنكح امرأة من جهة النخل! قال الشاعر:
هذا الشقح واللقح والطلح منه قد افتتح
يا غازلات اغزلوا فالنخل قد صار بلح
وقال آخر:
من عرف النخل والقبالةأمسي وفي قبله ذبالة
وعاش فيه معاش سوءوناله الدين لا محالة
ويقيمون الناس في النخل مدة شهرين أو ثلاثة ويكون غالب أكلهم الحموضات والملوحات وهم في لعب وضحك وشرب. ويعمل من التمر والبر والرطب نبيذ يسمى الفضيح يصح عمله في يوم وليلة ويشرب النساء مع الرجال، ويقولون: إنّه ينفع لكن مضرته اكثر من نفعه، وأوّل من عمله في هذه البلاد رجل من أهل الشام. ويحصل منه كل عام سعين ألف دينار غير الذي يصل إلى الخزانة وعمال السلطان ونواب الديوان وغير النخيل والسلطانية والأوقاف وغير الذي لأرباب الجاهات وأصحاب الدولة، يصح من جميع ما ذكرناه مائة وثلاثون ألف دينار. وكان ضمانه في دولة الحبشة وأيام بني المهدي كل عام سبعون ألف دينار وما يأخذونه نقد بل تمر ويخرج حولات والصرف ثلاثة جوز درهم وكل أربعة دراهم دينار وكل أربعة دنانير ونصف بدينار احمر. وما رجع خراج النخل كذا إلا إنّ سيف الإسلام أوصى طغتكين بن أيوب أوصى بالعدل على أهل الحرث والظلم على أهل النخل فهو الذي أبتدئ بهم من عهده. فقيل له في ذلك فقال: إنّ الفلاح يحرث ويسقي ويبذر ويحصد ويعزق ويذري في الهوى ويجد مشقة عظيمة فالواجب أن يرفق بهم، وأصحاب النخل فانهم يجنون الثمر من العام إلى العام بلا عناء ولا تعب كما قال الله تعلى: (والنخل باسقات لها طلع نضيد). وكل نخل يهرب منه صاحبه يأخذه السلطان على كيسه بالخراج الذي عليه له، وكل نخل يأخذه السلطان يسمى الصوافي أي يصفى لبيت المال. وبلغ مال النخل سنة أربع وعشرين وستمائة وعشرة آلاف دينار نقد غير ما حمل إلى الخزانة. وفي هذا العام قالوا أهل زبيد: ما شاء النخل ولا شاء زبيد، يعلق باللميمة ويضرب بالجريد. وما استخلص هذا المال إلا الأمير الوالي الصارم بائس الكاملي. كان من وزن قبالة وزن مثله مضاعف. فإذا فرغ النخل خرج الصغار مع الكبار والأخيار مع الفجار بالطبل والزمر بعد ما يلبسوا جملا عدة تامة من الأجراس والقلاقل ويشد في رقبته المقانع والحلي، ويركب كل أربعة من الناس على جمل وناس منهم على الشقادف يمشون إلى مسجد مشرف على ساحل البحر. والموضع موضع مبارك فيه وطئة ناقة معاذ بن جبل وأثر كلكها لمّا رجع من اليمن إلى الحجاز بعد وفاة النبي (عبر هذه البلاد والسواحل. ويسمى هذا الموضع الفازة أعنى الذي يتبحرون فيه. وينزل فيه النساء مع الرجال في بحر خليط مليط وهم في شرب ولعب ورقص وقصف وزائد وناقص. وما يخرج إلى هذه الأماكن إلا في كل أسبوع يومين يوم الاثنين ويوم الخميس وإذا رجعوا من هناك دخلوا البلد رأسا واحدا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع